ما جرى من العبر في حرب أشراف مكة لهذه الدعوة الإسلامية والطريقة المحمدية رجوعه إلى أشراف مكة وذلك أنهم من أول من بدأ المسلمين بالعداوة فحبسوا حاجهم فمات في الحبس منهم عدد كثير، ومنعوا المسلمين من الحج أكثر من ستين سنة، وفي أثناء هذه المدة سار إليهم غالب الشريف بعسكر كثيف وكيد عنيف، فقدم أخاه عبد العزيز قبله في الخروج فنزل على قصر بسام فأقام مدة يضرب بالمدافع والقنابل وجر عليه الزحافات فأبطل الله كيده على هذا القصر الضعيف بناؤه القليل رجاله فشد منه ووافى غالبًا ومعه أكثر الجنود ومعه من الكيد مثل ما كان مع أخيه أو
[ ١٥ ]
يزيد، فنزلوا جميعًا الشعرا فجد في حربهم بكل كيد فأعجزه الله تعالى عن ذلك البناء الضعيف الذي لم يتأهب أهله لحرب بالبنا ولا بالسلاح، فأبطل الله كيده ورده عنهم بعد الأياس والإفلاس، فسلط الله المسلمين على من كان معه من الأعراب خصوصًا مطير، فأوقع الله بهم في العداوة ومعهم مطلق الجربا فهزمهم الله تعالى وغنم المسلمون جميع ما كان معهم من الإبل والخيل وسائر المواشي فصار ما ذكرناه من نصر الله وتأييده لأهل هذا الدين عبرة عظيمة وفي جملة قتلاهم حصان إبليس، وبعد ما ذكرناه جد غالب في الحرب واجتهد لكن صار حربه للأعراب ولم يتق النير، فيغدوا على من استضعفه ويغير، فأعطى الله أعراب المسلمين الظفر عليه في عدة وقعات من أعظمها وقعة الخرمة على يد ربيع وغزوه من أهل الوادي وبعض قحطان فهزمه الله تعالى واشتد القتل في عسكره فأخذوا جميع ما كان معه من المواشي وغيرها فصار بعد ذلك في ذل وهوان ففتح الله الطائف للمسلمين وصار أميره عثمان ابن عبد الرحمن فاجتمع فيه دوله للمسلمين وساروا لحرب الشريف ومعهم عبد الوهاب أبو نقطة أمير عسير وسالم ابن شكبان أمير أهل بيشة فنزلوا دون الحرم فخرج إليهم عسكر من مكة فقتلوه فطلب الشريف المذكور منهم الأمان، فلم يقبلوا منه إلا الدخول في الإسلام والبيعة للإمام سعود فأعطاهم البيعة على يد رجال بعثوهم إليه هذا بعد وقعات تركنا ذكرها كراهة الإطالة لأن القصد بهذا الوضع الاعتبار بما جرى لأهل هذه الدعوة من النصر والتأييد والظهور على قلة أسبابهم وكثرة عدوهم وقوته، وذلك من آيات الله وبيناته على أن ما قام به الشيخ في حال فساد الزمان أنه الدين الذي بعث الله به المرسلين، وتبين أن هذه الطائفة في هذه الأزمنة هي الطائفة المذكورة في قوله ﷺ: "ولا تزال طائفة من أمتى على الحق منصورة
[ ١٦ ]
لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"، وقد كانت هذه الطائفة قبل ظهور الشيخ فيما تقدم موجودة في الشام والعراق ومصر، وغيرها بوجود أهل السنة وأهل الحديث في القرون المفضلة وبعدها، فلما اشتدت غربة الإسلام وقل أهل السنة واشتد النكير عليهم وسعى أهل البدع في إيصال المكر إليهم من الله بهذه الدعوة فقامت بها الحجة واستبانت الحجة، فيا سعادة من قبلها وأحبها ونصرها وذلك في فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وأهل العلم من أتباع السلف والأئمة لهم المصنفات المفيدة في بيان التوحيد توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، والكثير منها موجود بأيدي علماء المسلمين وما علمنا أحدًا بعد القرن الثامن في حال اشتداد غربة الإسلام يذكر بمعرفة ما عليه أهل السنة في أنواع التوحيد أو يلتفت إلى كتبهم، ولا عرفوا الشرك الذي لا يغفره الله، فلذلك لم ينكره فيهم منكر، ولا أخبر بوقوعه من علمائهم مخبر، حتى أظهر الله هذا النور وشفى الله به الصدور وظهرت كتب أهل السنة وعظمت بمعرفتها والدعوة إليها المنة يعرف ذلك من عرفه وشكره وأحبه، وقبله فلا عبرة بمن أخلد إلى أرض الغفلة والإعراض وجهله.
[ ١٧ ]