قال الحافظ العلامة أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في " تلخيص كتاب الاستغاثة " المعروف بـ " الرد على البكري " (١): «وكلام يحيى بن معين، والبخاري، ومسلم، وأبي حاتم، وأبي زُرْعَة، والنسائي، وأبي أحمد بن عَدِيٍّ، والدارقطني، وأمثالهم، في الرجال، وصحيح الحديث، وضعيفه، هو
_________________
(١) ص ١٣ و١٤ من طبع مصر.
[ ٦٨ ]
مثل كلام مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأمثالهم في الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، وفي الأئمة من هو إمام مع هؤلاء وهؤلاء، مشارك للطائفتين، وإن كان بأحد الصنفين أجدر.
وأكثر أئمة الحديث والفقه كمالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وكذلك الأوزاعي، والثوري، والليث، هؤلاء، وكذلك لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ولأبي حنيفة، أيضًا مَا لَهُ من ذلك، ولكن لبعضهم في الإمامة في الصنفين ما ليس للآخر، وفي بعضهم من صنف المعرفة بأحد الصنفين ما ليس في الآخر، فرضي الله عن جميع أهل العلم والإيمان». انتهى.
وقال إمام الحفاظ، الجِهْبِذُ النَّاقِدُ، شمس الدين الذهبي في كتابه " ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل " (١): «فأول من زكى وجرح عند انقراض عصر الصحابة
١ - الشعبي.
٢ - وابن سيرين ونحوهما، حُفِظَ عنهم توثيق أناس وتضعيف آخرين.
وسبب قلة الضعفاء في ذلك الزمان: قِلَّةُ [مُتَّبِعِيهِمْ] من الضعفاء، إذ أكثر المتبوعين صحابة عدول، وغير الصحابة من المتبوعين أكثرهم
_________________
(١) ص ١٥٩ - ١٦٢. طبع مع " قاعدة في الجرح والتعديل " (*)، طبع المكتبة العلمية في لاهور سنة ١٤٠٢ هـ، بتحقيق العلامة المحقق المحدث الناقد الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة - نَفَعَ اللهُ بِهِ -. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) طبعت هذه الرسالة ضمن كتاب " أربع رسائل في علوم الحديث " اعتنى بها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، طبع خمس طبعات، الطبعة الخامسة في بيروت سنة ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م، شر درا البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت - لبنان. (٣٠١ صفحة).
[ ٦٩ ]
[عامتهم ثقات صادقون] يَعُونَ مَا يَرْوُونَ وهم كبار التابعين، يوجد فيهم الواحد بعد الواحد فيه مقال كالحارث الاعور وعاصم بن ضمرة ونحوهما.
نعم فيهم عِدَّةٌ من رؤوس أهل البدع، من الخوارج والشيعة، والقدرية، نسأل الله العافية، كعبد الرحمن بن مُلْجِمٍ، والمختار بن أبي عبيد الكذاب، ومعبد الجهني، ثم كان في المائة الثانية في أوائلها جماعة من الضعفاء من أوساط التابعين وصغارهم، ممن تُكُلِّمَ فِيهِمْ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِمْ، أو لبدعة فيهم، كعطية العوفي، وفرقد السبخي، وجابر الجعفي، وأبي هارون العبدري.
فلما كان عند انقراض عامة التابعين في حدود الخمسين ومائة تكلم طائفة من الحهابذة في التوثيق والتضعيف.
٣ - فقال أبو حنيفة: «مَا رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ».
٤ - وَضَعَّفَ الأعمش جماعة، وَوَثَّقَ آخرين.
٥ - وانتقد الرجالَ شُعْبَةُ.
٦ - وَمَالِكٌ».
قال الحافظ أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي صاحب الحافظ ابن حجر العسقلاني (١):
«وَتَكَلَّمَ فِي الرِّجَالِ - كَمَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ - جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ
_________________
(١) في ص ٤٧٩ من " فتح المغيث بشرح ألفية الحديث " من طبعة أنوار محمدي لكنو بالهند.
[ ٧٠ ]
مِنَ التَّابِعِينَ كَالشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ، وَلَكِنَّهُ فِي التَّابِعِينَ ; [أَيْ: بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ بَعْدَهُمْ] بِقِلَّةٍ، لِقِلَّةِ الضَّعْفِ فِي مَتْبُوعِيهِمْ ; إِذْ اكْثَرُهُمْ صَحَابَةٌ عُدُولٌ، وَغَيْرُ الصَّحَابَةِ مِنَ المَتْبُوعِينَ أَكْثَرُهُمْ ثِقَاتٌ، وَلاَ يَكَادُ يُوجَدُ فِي القَرْنِ الأَوَّلِ الذِي انْقَرَضَ فِي الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ ضَعِيفٌ إِلاَّ الوَاحِدَ بَعْدَ الوَاحِدِ ; كَالحَارِثِ الأَعْوَرِ وَالمُخْتَارِ الكَذَّابِ.
فَلَمَّا مَضَى القَرْنُ الأَوَّلُ وَدَخَلَ الثَّانِي كَانَ فِي أَوَائِلِهِ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ جَمَاعَةٌ مِنَ الضُّعَفَاءِ، الذِينَ ضُعِّفُوا غَالِبًا مِنْ قِبَلِ تَحَمُّلِهِمْ وَضَبْطِهِمْ لِلْحَدِيثِ، فَتَرَاهُمْ يَرْفَعُونَ المَوْقُوفَ وَيُرْسِلُونَ كَثِيرًا، وَلَهُمْ غَلَطٌ ; كَأَبِي هَارُونَ العَبْدِيِّ.
فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ آخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ - وَهُوَ حُدُودُ الخَمْسِينَ وَمِائَةٍ - تَكَلَّمَ فِي التَّوْثِيقِ وَالتَّضْعِيفِ طَائِفَةٌ مِنْ الأَئِمَّةِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " مَا رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ ". وَضَعَّفَ الأَعْمَشُ جَمَاعَةً، وَوَثَّقَ آخَرِينَ، وَنَظَرَ فِي الرِّجَالِ شُعْبَةُ وَكَانَ مُتَثَبِّتًا لاَ يَكَادُ يَرْوِي إِلاَّ عَنْ ثِقَةٍ، [وَكَذَا كَانَ] مَالِكٌ». انتهى.
وقال الإمام العلامة الحافظ عبد القادر القرشي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في " الجواهر المضية في طبقات الحنفية " (١):
«أعلم أَن الإِمَام أَبَا حنيفَة قد قبل قَوْلَهُ فى الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وتلقاه عَنهُ عُلَمَاء هَذَا الفَنِّ وَعمِلُوا بِهِ، كتلقيهم عَن الإِمَام أَحْمد
_________________
(١) ١/ ٣٠ و٣١ من طبعة الهند.
[ ٧١ ]
وَالبُخَارِي وَابْن معِينٍ وَابْن المَدِينِي وَغَيرهم من شُيُوخ الصَّنْعَة وَهَذَا يدلك على عَظمة شأنه وسعة علمه وسيادته.
فَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فى كتاب " العِلَل " من " الجَامِع الكَبِير " حَدثنَا مَحْمُود بن غيلاَن عَن جرير عَن يحيى الحمانِي سَمِعت أَبَا حنيفَة يَقُول: «مَا رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، وَلاَ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءَ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ».
وروينا فى " المدْخل لمعْرِفَة دَلاَئِل النُّبُوَّة " للبيهقى الحَافِظ بِسَنَدِهِ عَن عبد الحميد الحِمَّانِي سَمِعتُ أَبَا سعد الصَّنْعَانِيِّ وَقَامَ إِلَى أبي حنيفَة فَقَالَ: يَا أَبَا حَنِيفَةَ مَا تَقُولُ فِي الأَخْذِ عَنْ الثَّوْريِّ؟ فَقَالَ: «اكْتُبْ عَنهُ فَإِنَّهُ ثِقَةٌ مَا خَلاَ أَحَادِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الحَارِثِ [عَنْ عَلِيٍّ]،وَحَدِيثِ جَابرٍ الجُعْفِيِّ».
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ كَانَ يَرَى القَدَرَ». وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «زَيْدُ بْنُ عَيَّاشٍ ضَعِيفٌ». وَقَالَ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ أَقْعَدَنِي لِلْحَدِيثِ أَبُو حَنِيفَةَ، قَدِمْتُ الكُوفَةَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "إِنَّ هَذَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَدِيثِ عَمْرٍو بْنِ دِينَارَ "فَاجْتَمَعُوا عَليَّ فَحَدَّثْتُهُمْ».
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ: «[قُلْتُ لِعَلِيٍّ بْنَ المَدِينِيِّ] كَلاَمُ رَقَبَةُ بنُ مَصْقَلَةَ الذِى يُحَدِّثُهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ».قَالَ يَعْقُوبُ: «فَعَرَفَهُ عَليُّ بْنُ المَدِينِيِّ وَقَالَ: " لَمْ أَجِدْهُ عِنْدِي"».
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانُ الجَوْزَجَانِيِّ: «سَمِعتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ:
[ ٧٢ ]
مَا عَرَفْنَا كُنْيَةَ عَمْرِو بن دِينَارٍ إِلاَّ بِأبي حَنِيفَةَ كُنَّا فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ وَأَبُو حَنِيفَةَ مَعَ عَمْرٍو بن دِينَار فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا حَنِيفَةَ، كَلِّمْهُ يُحَدِّثُنَا، فَقَالَ: " يَا أَبَا مُحَمَّدٍ حَدِّثْهُمْ "، وَلَمْ يَقُلْ: يَا عَمْرُو».
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: «لَعَنَ اللهُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ فَإِنَّهُ فَتَحَ لِلْنَّاسِ بَابًا إِلَى عِلْمِ الكَلاَم». وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: «قَاتَلَ اللُه جَهْمَ بْنَ صَفْوَانٍ وَمُقَاتِلَ بْنَ سُلَيْمَانَ. هَذَا أَفْرَطَ فِي النَّفْيِ وَهَذَا أَفْرَطَ فِي التَّشْبِيهِ».
وجاء في " الجواهر المضية في طبقات الحنفية " للحافظ عبد القادر القرشي أيضًا: (١)
«قال الطحاوي: حدثنا سليمان بن شعيب، حدثنا أبي، قال: أَمْلَى عَلَيْنَا أَبُو يُوسُفَ، قال: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " لاَ يَنْبَغِي لِلْرَّجُلِ أَنْ يُحَدِّثَ مِنَ الحَدِيثِ إِلاَّ بِمَا حَفِظَهُ مِنْ يَوْمِ سَمِعَهُ إِلَى يَوْمِ يُحَدِّثُ بِهِ».
قُلْتُ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا العَلاَّمَةُ الحُجَّةُ زَيْنَ الدِّينِ بْنَ الكِنَانِيِّ، فِي دَرْسِ الحَدِيثِ بِالقُبَّةِ المَنْصُورِيَّةِ وَكَانَ أَحَدَ سَلاَطِينِ العُلَمَاءِ يَنْصُرُ هَذَا القَوْلَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي هَذَا المجْلسِ: لاَ يَحِلُّ لِي أَنْ أَرْوِيَ إِلاَّ قَوْلَهُ - ﷺ -
أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
فَإِنِّي حَفِظْتُهُ مِنْ حِينِ سَمِعْتُهُ إِلَى الآن
_________________
(١) ١/ ٣٠ و٣١ و٣٢ الطبعة الأولى.
[ ٧٣ ]
قُلْتُ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ وَلِهَذَا قَلَّتْ رِوَايَةُ أبي حنيفَة لهَذِهِ العلَّة لاَ لِعِلَّةٍ أُخْرَى زَعَمَهَا المُتَحَامِلُونَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو عَاصِم: سَمِعتُ أَبَا حنيفَة يَقُول: «القِرَاءَة جَائِزَة - يَعْنِي عَرْضَ الكُتُبِ -». قَالَ وَسَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يَقُولُ: «هِيَ جَائِزَةٌ» - يَعْنِي عَرْضَ الكُتُبِ -.
قَالَ: وَسمعت مَالك بن أنس وسُفْيَان وَسَأَلْتُ أَبَا حنيفَة عَن الرجل يقْرَأ عَلَيْهِ الحَدِيث يَقُول أخبرنَا أَو كَلاَمًا هَذَا مَعْنَاهُ فَقَالُوا: «لاَ بَأْسَ».
وَعَن أبي عَاصِم أَخْبرنِي ابْن جُريج وَابْن أَبى ذئب وَأَبُو حنيفَة وَمَالك بن أنس وَالأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري كلهم يَقُولُونَ: «لاَ بَأْس إِذَا قَرَأْتَ عَلَى العَالِمِ أَنَ تَقُولَ: أَخْبَرَنَا».
وَقَالَ أَبُو قَطَنَ فِيمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ: قَالَ لي أَبُو حنيفَة: «اقْرَأ عَليَّ وَقُلْ: حَدَّثَنِي. وَقَالَ لي مَالَكَ: اقْرَأ عَليَّ وَقُلْ: حَدَّثَنِي».
قَالَ الطَّحَاوِيّ حَدثنَا رَوْحُ بْنُ الفَرَجِ أَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: لَمَّا فَرَغْنَا مِنْ قِرَاءَةِ " المُوَطَّأ " عَلَى مَالِكٍ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ كَيْفَ نقُولُ فِي هَذَا؟ فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَقُلْ حَدَّثنِي وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ أَخْبَرَنِي، وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ: أَخْبَرَنَا» قَالَ: وَأرَاهُ قَالَ وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ: «سَمِعْتُ» (١).
_________________
(١) وقع في الأصل هنا تبعًا لـ " الجواهر " سقط استدركته من " رسالة الطحاوي في التسوية بين حدثنا وأخبرنا " (عبد الفتاح أبو غدة).
[ ٧٤ ]
قال الطَّحَاوِيُّ: «وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ».
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ «لَمْ يَصِحَّ عِنْدِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ فَأُفْتِيَ بِهِ» (١). انتهى.
قلتُ: وقال ابن حبان في " صحيحه " (٢): «أَخْبَرَنَا الحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ القَطَّانُ بِالرَّقَّةِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحَوَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يَحْيَى الحِمَّانِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: " مَا رَأَيْتُ فِيمَنْ لَقِيتُ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءٍ وَلاَ لَقِيتُ فِيمَنْ لَقِيتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، مَا أَتَيْتُهُ بِشَيْءٍ قَطُّ مِنْ رَأْيٍ إِلاَّ جَاءَنِي فِيهِ بِحَدِيثٍ وَزَعَمَ أَنَّ عِنْدَهُ كَذَا وَكَذَا أَلْفَ حَدِيثٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
_________________
(١) كذا جاء سياق هذا الخبر في " الجواهر المضية "، وفيه اختصار شديد، وهذا نصه بتمامه من " الانتقاء " لابن عبد البر، ص ١٤٠، ١٤١: «مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ المُحَبَّرِ، قَالَ قِيلَ لأَبِي حَنِيفَةَ: المُحْرِمُ لاَ يَجِدُ الإِزَارَ يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ؟ قَالَ: لاَ وَلَكِنْ يَلَبْسُ الإِزَارَ، قِيلَ لَهُ: لَيْسَ لَهُ إِزَارٌ، قَالَ: يَبِيعُ السَّرَاوِيلَ وَيَشْتَرِي بِهَا إِزَارًا». «قِيلَ لَهُ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ وَقَالَ (المُحْرِمُ يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ إِذَا لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ)، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " لَمْ يَصِحَّ فِي هَذَا عِنْدِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ فَأُفْتى بِهِ، وَيَنْتَهِي كُلُّ امْرِئٍ إِلَى مَا سَمِعَ وَقَدْ صَحَّ عِنْدَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لاَ يَلْبَسُ المُحْرِمُ السَّرَاوِيلَ) فَنَنْتَهِي إِلَى مَا سَمِعْنَا ". قِيلَ لَهُ: أَتُخَالِفُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ يُخَالِفُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهِ أَكْرَمَنَا اللهُ وَبِهِ اسْتَنْقَذَنَا». (عبد الفتاح أبو غدة).
(٢) من " الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ": ٣/ ٢٧٣ طبع دار الكتب العلمية ببيروت.
[ ٧٥ ]
وَسَلَّمَ لَمْ يَنْطِقْ بِهَا، فَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ يُجَرِّحُ جَابِرًا الجُعْفِيَّ وَيُكَذِّبُهُ». انتهى.
وقال ابن حبان أيضًا في كتاب " الثقات " (١) في ترجمة أبي محمد موسى بن السندي: «حَدَّثنا [عَنهُ] عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى بْنُ مُجَاشِعٍ، ثَنَا مُوسَى بْنُ السِّنْدِيِّ ثَنَا المُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: سَمِعتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُول: " يَقُولُونَ من كَانَ طَوِيل اللِّحْيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقْلٌ وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلْقَمَة بْنَ مَرْثَدٍ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ وَافِرَ العَقْلِ "».
وقال الحافظ أبو أحمد عبد الله بن عَدي الجرجاني، في ترجمة جابر بن يزيد الجُعْفِيِّ من كتابه " الكامل في الضعفاء " (٢):
«حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبد اللَّهِ القَطَّانُ، حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحَوَارِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا يَحْيَى الحِمَّانِيِّ يَقُولُ: سَمعتُ أبا حنيفة يَقُولُ: " مَا رَأَيْتُ فِيمَنْ رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءَ، وَلاَ لَقِيتُ فِيمَنْ لَقِيتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ مَا أَتَيْتُهُ قَطُّ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِهِ إِلاَّ جَاءَنِي فِيهِ بِحَدِيثٍ وَزَعَمَ أَنَّ عِنْدَهُ كَذَا وَكَذَا أَلْفَ حَدِيثٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُظْهِرْهَا.
حَدَّثَنَا عَبد اللَّه بْنُ مُحَمد بن عَبد العزيز، حَدَّثَنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنا عَبد الحميد الحِمَّانِيُّ سَمِعْتُ أبا سعد الصاغاني يَقُولُ جاء رجل إلى أَبِي حنيفة فَقَالَ: مَا تَرَى فِي الأَخْذ عَن الثَّوْريِّ؟ فَقَالَ: «اكْتُبْ عَنهُ
_________________
(١) ٩/ ١٦٢.
(٢) ٣/ ٥٣٧، طبع " المكتبة الأثرية " بباكستان.
[ ٧٦ ]
مَا خَلاَ أَحَادِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الحَارِثِ [عَنْ عَلِيٍّ]، وَحَدِيثِ جَابرٍ الجُعْفِيِّ».
سَمِعْتُ عَبد اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ الحَمِيدِ الحِمَّانِي، عَن أَبِي حنيفة قَال: «مَا رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ».
حَدَّثَنَا ابن أبي بكر، حَدَّثَنا عباس، وَحَدَّثنا ابْن حَمَّاد، قَال: قَال عَبَّاس، حَدَّثَنا عَبد الحميد بْنُ بَشْمِينُ، عَن أَبِي حنيفة قَال: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ». انتهى.
وقال الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي في " جامع بيان العلم وفضله " (١): «وَقَدْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَقْعُدُ النَّاسِ بِحَمَّادٍ، يُفَضِّلُ عَطَاءً عَلَيْهِ» (عَلَى حَمَّادٍ).
وَأَخْبَرَنَا حَكَمُ بْنُ مُنْذِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ المُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: " مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ "».
وَأَخْبَرَنَا حَكَمُ بْنُ مُنْذِرٍ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَيْرَانَ الفَقِيهُ العَبْدُ الصَّالِحُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبٍ، سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يَحْيَى الحِمَّانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَلاَ رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ». انتهى.
وقال البيهقي في كتاب " القراءة خلف الإمام " (٢): وَلَوْ لَمْ يَكُنْ
_________________
(١) ٢/ ١٥٣ طبع إدارة الطباعة المنيرية بمصر.
(٢) ص ١٠٨ و١٠٩ من طبع دهلي سنة ١٩١٥ م.
[ ٧٧ ]
فِي جَرْحِ الجُعْفِيِّ إِلاَّ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَكَفَاهُ بِهِ شَرًّا، فَإِنَّهُ رَآهُ وَجَرَّبَهُ، وَسَمِعَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ تَكْذِيبَهُ فَأَخْبَرَ بِهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ المَالِينِيُّ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الحَافِظُ، نَا الحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَطَّانُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحوَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يَحْيَى الحِمَّانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ فِيمَنْ رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءٍ، وَلاَ لَقِيتُ فِيمَنْ لَقِيتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، مَا أَتَيْتُهُ بِشَيْءٍ قَطُّ مِنْ رَأْيِي إِلاَّ جَاءَنِي فِيهِ بِحَدِيثٍ وَزَعَمَ أَنَّ عِنْدَهُ كَذَا وكَذَا أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُظْهِرْهَا».
وَأَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، نَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ، نَا عَبْدُ الحَمِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعْدٍ الصَّاغَانِيُّ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ: مَا تَرَى فِي الأَخْذِ عَنِ الثَّوْرِيِّ؟ فَقَالَ: «اكْتُبْ عَنْهُ، [فَإِنَّهُ ثِقَة] مَا خَلاَ حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ، وَحَدِيثَ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ».
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحَافِظُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا العَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ يَقُولُ: سَمِعْتُ العَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ الدُّورِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا يَحْيَى الحِمَّانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ فِيمَنْ رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ».
وقال الإمام ذو الفنون والمعارف أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الحافظ الأديب الظاهري في كتابه " المحلى في شرح
[ ٧٨ ]
المجلى بالحجج والآثار " (١):
«جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ كَذَّابٌ، وَأَوَّلُ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ أَبُو حَنِيفَةَ».
وقال أيضًا (٢):
«مُجَالِدٌ ضَعِيفٌ، أَوَّلُ مَنْ ضَعَّفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ».
وَرَوَى الحَاكِمُ في " تَارِيخِ نَيْسَابُورَ " فِي تَرْجَمَةِ أَحْمَدَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ حَمْزَةَ الوَاعِظِ مِنْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِسْهَرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: «أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنَ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ، وَمِنَ الصِّبْيَانِ عَلِيٌّ». انتهى (٣).
ونقل الحافظ الذهبي في " تذكرة الحفاظ " (٤) في ترجمة عطاء بن أبي رباح، «قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءٍ "».
ونقل في ترجمة أبي الزناد، فقيه المدينة (٥): «وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " رَأَيْتُ رَبِيعَةَ وَأَبَا الزِّنَادِ، وَأَبُو الزِّنَادِ أَفْقَهُ الرَّجُلَيْنِ "».
ونقل في ترجمة جعفر الصادق (٦): «وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: " مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ "».
_________________
(١) ١/ ٣٧٨ طبع بيروت.
(٢) ٥/ ٢٤٣.
(٣) من " فتح المغيث بشرح ألفية الحديث " للسخاوي: ص ٣٨٨.
(٤) ١/ ٩٨.
(٥) ١/ ١٣٥.
(٦) ١/ ١٦٦.
[ ٧٩ ]
وقال الإمام الحافظ المحدث البارع ترجمان العرب، ولسان أهل الأدب، أثير الدين محمد بن يوسف أبو حيان الأندلسي الغرناطي الظاهري، في تفسيره المعروف بـ " البحر المحيط " (١) ما نصه:
«وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ: غَلَبَ حَمْزَةُ النَّاسَ عَلَى القُرْآنِ وَالفَرَائِضِ». انتهى.
وعلى كل حال فإمامنا الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان - ﵁ - من كبار أئمة الجرح والتعديل في عصره، ممن إذا قال قُبِلَ قَوْلُهُ، وَإِذَا جَرَّحَ أَوْ عَدَّلَ سُمِعَ مِنْهُ، وكان متثبتًا لا يكاد يروي إلا عن ثقة، كشعبة ومالك - رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى -، وهو أول من انتقى الرجال من الأئمة، وأعرض عمن ليس بثقة، ولم يكن يروي إلا ما صح، ولا يحدث إلا ما يحفظ وتبعه مالك.
ولقد قال مَلِكُ المُحَدِّثِينَ إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين - كما في " البداية والنهاية " للحافظ ابن كثير - (٢): «العُلَمَاءُ أَرْبَعَةٌ; الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالأَوْزَاعِيُّ».
فهؤلاء القرناء في العلم، وأبو حنيفة ومالك يفوقان على الثوري والأوزاعي في نقد الرجال، وهما الحافظان الحُجَّتَانِ، فمن احتج به أبو حنيفة في كتاب " الآثار " أو مالك في " الموطأ " فهو المقبول، ومن اختلفا فيه - وذلك قليل جدًا - كزيد بن عياش اجْتُهِدَ في أمره.
_________________
(١) ٣/ ١٥٩، الطبعة الثانية ببيروت سَنَةَ ١٤٠٣ هـ.
(٢) ١٠/ ١١٦.
[ ٨٠ ]