وهؤلاء الأئمة هو الذين يقول فيهم الشيخ الإمام القدوة المجتهد شيخ الإسلام أبو إسحاق الشيرازي الشافعي في كتابه " اللمع في أصول الفقه " (١) في (باب القول في الجرح والتعديل) ما نصه: «وجملته أن الراوي لا يخلو إما أن يكون معلوم العدالة أو معلوم الفسق، أو مجهول الحال، فإن كانت عدالته معلومة كالصحابة - ﵃ - أو أفاضل التابعين كالحسن، وعطاء، والشعبي، والنخعي وأجلاء الأئمة كمالك، وسفيان، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومن يجري مجراهم وجب قبول خبره، ولم يجب البحث عن عدالته». اهـ.
_________________
(١) ص ٤١ طبع مصطفى البابي الحلبي بمصر سَنَةَ ١٣٥٨ هـ.
[ ٥٢ ]
ويقول فيهم ابن الصلاح الإمام الحافظ المفتي شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمرو بن صلاح الدين عبد الرحمن الكُرْدِي الشَّهْرَزُورِي الشافعي، في كتابه المشهور (١) " علوم الحديث ": «فَمَنِ اشْتَهَرَتْ عَدَالَتُهُ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ أَوْ نَحْوِهِمْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَشَاعَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِالثِّقَةِ وَالأَمَانَةِ، اسْتُغْنِيَ فِيهِ بِذَلِكَ عَنْ بَيِّنَةٍ شَاهِدَةٍ بِعَدَالَتِهِ تَنْصِيصًا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁، وَعَلَيْهِ الاعْتِمَادُ فِي فَنِّ أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَمِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ الحَافِظُ، وَمَثَّلَ ذَلِكَ بِمَالِكٍ، وَشُعْبَةَ، وَالسُّفْيَانَيْنِ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ فِي نَبَاهَةِ الذِّكْرِ وَاسْتِقَامَةِ الأَمْرِ، فَلاَ يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ هَؤُلاَءِ وَأَمْثَالِهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ مَنْ خَفِيَ أَمْرُهُ عَلَى الطَّالِبِينَ».
وقال الإمام العلامة الأصولي الناقد المحدث محقق الحنفية الكمال بن الهُمَامِ في " تحرير الأصول ": «عُرِفَ أن الشهرة مُعَرِّفُ العدالة والضبط، كمالك والسفيانين والأوزاعي والليث وابن المبارك وغيرهم؛ للقطع بأن الحاصل بها من الظن فوق التزكية، وأنكر أحمد على من سأله عن إسحاق، وابنُ معين
_________________
(١) " علوم الحديث " المعروف بـ " مقدمة ابن الصلاح ": ص ١١٥ في (النوع الثالث والعشرين).
[ ٥٣ ]
عن أبي عُبيد، وقال: أَبُو عُبَيْدٍ يُسْأَلُ عَنْ النَّاسِ». اهـ. (١).
وقال الشيخ الإمام العالم الكبير العلامة عبد العلي بن نظام الدين الأنصاري السِّهَالوي اللَّكْنَوِي بحر العلوم ملك العلماء: «(مسألة: مُعَرِّفُ العَدَالَةِ) أمور منها (الشُّهْرَةُ)، والتواتر (كَمَالِكٍ) الإمام، (والأوزاعي)، وعبد الله (بن المبارك وغيرهم)، كالإمام الهُمَامِ أبى حنيفة وصاحبيه وبواقي أصحابه، والإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وسائر الأئمة الكرام قُدِّسَ سِرُّهُمْ (لأنها فوق التزكية) في إفادة العلم بالعدالة (ولهذا) أي لأجل كون الشهرة فوق التزكية (أنكر أحمد) بن حنبل (على من سأله عن إسحاق) بن راهويه هو عدل أم لا؟ (و) أنكر يحيى (بن معين على من سأله عن أبى عبيد، فقال) ابن معين: (أبو عبيد يُسْأَلُ عن الناس) وأنت تسأل عنه! يعني أنه مشهور بالعدالة حتى يجعل مُزَكِّيًا وأنت تسأل عنه» (٢).
وقال الإمام العلامة الحافظ الكبير محدث الديار المصرية وفقيهها أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي، في " بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني:
_________________
(١) راجع " التقرير والتحبير شرح التحرير ": ٢/ ٢٤٧، الطبعة الأولى ببولاق - مصر، سَنَةَ ١٣١٦ هـ.
(٢) من " فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت " مع " المستصفى ": ٢/ ١٤٨، الطبعة الأولى ببولاق، المصرية سَنَةَ ١٣٢٤ هـ.
[ ٥٤ ]
«وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لاَ يُذْكَرُونَ إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل».
وهذا هو السبب في عدم إيراد الذهبي الإمام الأعظم أبا حنيفة، والهُمَامَ الأقدم الشافعي والإمام البخاري في كتابه " المغني في الضعفاء " و" الميزان " (١)، فقد صرح في مقدمة " ميزان الاعتدال بما نصه:
«وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين [في الفروع] أحدًا لجلالتهم في الإسلام وعظمتهم في النفوس، مثل أبي حنيفة، والشافعي، والبخاري».