وقد شهد له أئمة النقد وكبار المُحَدِّثِينَ بعنايته بطلب الحديث وارتحاله في ذلك ومعاناته في تحصيله.
قال الحافظ الذهبي في ترجمة أبي حنيفة في كتاب " سير أعلام النبلاء " (١): «وَعُنِيَ بِطَلَبِ الآثَارِ، وَارْتَحَلَ فِي ذَلِكَ». اهـ.
وقال أيضًا (٢): «إِنَّ الإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ طَلَبَ الحَدِيثَ وَأَكْثَرَ مِنْهُ فِي سَنَةِ مِائَةٍ وَبَعْدَهَا». اهـ.
_________________
(١) ٦/ ٣٩٢ من الطبعة الثالثة ببيروت سَنَةَ ١٤٠٥ هـ.
(٢) ٦/ ٣٩٦.
[ ١٦ ]
وقال أيضًا في جزئه الذي صنفه في " مناقب أبي حنيفة " في ذكر شيوخه (١): «وَسَمِعَ الحَدِيثَ مِنْ عَطَاءٍ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ بِمَكَّةَ، وَقَالَ: " مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءٍ "».
قلت: وكان عطاء أيضًا يُفَضِّلُهُ على تلامذته، فكان أبو حنيفة إذا حضر مجلس السماع أوسع له وأدناه كما سيأتي.
وقال في " دول الإسلام " (٢): «وأكبر شيوخه عطاء بن أبي رباح، وشيخه في الفقه حماد بن أبي سليمان». اهـ.
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (٣): «أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الحافظ، [قَالَ]: حَدَّثَنَا أَبُو بكر عبد الله بن يحيى الطلحي، [قَالَ]: حَدَّثَنَا عثمان بن عبيد الله الطلحي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الطلحي، [قَالَ]: حَدَّثَنَا سعيد بن سالم البصري، قال: سمعت أبا حنيفة، يقول: " لقيت عطاء بمكة، فسألته عن شيء "، فقال: " من أين أنت؟ " قلت: " من أهل الكوفة "، قال: " أنت من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا؟ " قلت: " نعم "، قال: " فمن أي الأصناف أنت؟ " قلت: " ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدًا بذنب "، قال: فقال لي عطاء: " عرفت فالزم "». اهـ.
وقال الإمام المحدث الفقيه شيخ الخطيب البغدادي، القاضي
_________________
(١) " مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه ": ص ١١ طبع مصر.
(٢) " دول الإسلام " للذهبي: ١/ ٧٩ طبع دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد الدكن بالهند سنة ١٣٣٧.
(٣) ١٣/ ٣٣١.
[ ١٧ ]
أبو عبد الله بن علي الصيمري في كتابه " أخبار أبي حنيفة وأصحابه " (١): «أخبرنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حدثَنَا مُكَرَّمٌ قَالَ: حدثَنَا عبد الصَّمَدِ بن عبيد الله، عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن نوح، قَالَ: ثَنَا حَفْص بن يحيى، قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن أبان عَن الحَارِث بْن عبد الرَّحْمَن قَالَ:" كُنَّا نَكُون عِنْد عَطاء بَعْضنَا خلف بعض، فَإِذا جَاءَ ابو حنيفَة أوسع لَهُ وَأَدْنَاهُ». اهـ.
قلت: وصنيعه هذا معه يدل على أن الإمام أبا حنيفة كان من أنجب تلامذته في الحديث، وقد ذكر الإمام عبد الوهاب الشعراني في كتابه " الميزان الكبرى " (٢) سَنَدَ: أبو حنيفة، عن عطاء، عن ابن عباس، كما ذكر سَنَدَ: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، حينما تعرض لبيان أسانيد المجتهدين في الكتاب والسنة.
كذلك شيخه في الفقه حماد بن أبي سليمان أيضًا يجلسه في صدر الحلقة حذاءه، قال الحافظ أبو بكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (٣): «أَخْبَرَنَا الخلال، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحريري، أن النخعي حدثهم قال: حَدَّثَنِي جعفر بن مُحَمَّد بن حازم، قَالَ: حَدَّثَنَا الوليد بن حماد، عن الحسن بن زياد، عن زفر بن الهذيل، قال: سمعت أبا حنيفة، يقول: " كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغًا يشار إلي فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من
_________________
(١) ص ٨٣ طبع حيدر آباد الدكن بالهند سَنَةَ ١٣٩٤ هـ.
(٢) ١/ ٤٨.
(٣) ١٣/ ٣٣٢، ٣٣٣.
[ ١٨ ]
حلقة حماد بن أبي سليمان، فجاءتني امرأة يومًا، فقالت لي: " رجل له امرأة أمة أراد أن يطلقها للسنة، كم يطلقها؟ "، " فلم أدر ما أقول، فأمرتها أن تسأل حماد ثم ترجع فتخبرني "، فسألت حمادًا، فقال: " يطلقها وهي طاهر من الحيض والجماع تطليقة، ثم يتركها حتى تحيض حيضتين، فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج "، فرجعت فأخبرتني، فقلت: " لا حاجة لي في الكلام، وأخذت نعلي فجلست إلى حماد، فكنت أسمع مسائله، فأحفظ قوله، ثم يعيدها من الغد فأحفظها، ويخطئ أصحابه "، فقال: " لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي غير أبي حنيفة "». اهـ.
قلتُ: هذا يدل على جودة حفظ الإمام وإتقانه.
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (١): «أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بن عبد الملك القرشي،: أنبأنا أَبُو العباس أَحْمَد بن مُحَمَّد بن الحسين الرازي، حَدَّثَنَا علي بن أَحْمَد القاري، أخبرنا مُحَمَّد بن فضيل هو البلخي العابد، قال: حدثنا أَبُو مطيع، قال: قال أَبُو حنيفة: دخلت على أبي جعفر أمير المؤمنين، فقال لي: " يا أبا حنيفة عمن أخذت العلم؟ " قال: قلت: " عن حماد، عن إبراهيم، عن عُمَر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس "، قال: فقال أَبُو جعفر: " بخ، بخ، استوثقت ما شئت يا أبا حنيفة الطيبين الطاهرين المباركين، - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ - "». اهـ.
هكذا وقع في المطبوع من " تاريخ بغداد "، والصواب «عَنْ إِبْرَاهِيمَ
_________________
(١) ١٣/ ٣٣٤.
[ ١٩ ]
عَنْ أَصِْحَابِ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ الخ». صرح به العَلاَّمَةُ الكوثري في " التأنيب " (١).
قلتُ: وقد فاق الإمام في طلب الحديث على مشايخ عصره فقد روى الحافظ الذهبي في " مناقب أبي حنيفة " (٢) عن الإمام مِسْعَرٍ بْنِ كِدَامٍ، قَالَ: «طَلَبْتُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ الحَدِيثَ فَغَلَبَنَا، وَأَخَذْنَا فِي الزُّهْدِ فَبَرَعَ عَلَيْنَا، وَطَلَبْنَا الفِقْهَ فَجَاءَ مِنْهُ مَا تَرَوْنَ». اهـ.
قلتُ: ومسعر بن كدام هذا ذكره الذهبي في " تذكرة الحفاظ " وَحَلاَّهُ في كتابه " سير أعلام النبلاء " بالإمام الثبت شيخ العراق الحافظ.
وقال صدر الأئمة المكي: «وكان مسعر بن كدام أحد مفاخر الكوفة في حفظه وزهده وكان من شيوخ أبي حنيفة، روى عنه في " مسنده "» (٣).
_________________
(١) " تأنيب الخطيب ": ص ٢٩.
(٢) ص ٢٧.
(٣) من " مناقب الإمام الأعظم " لصدر الأئمة الموفق: ٢/ ٣٧، طبع دائرة المعارف بحيدر آباد الدكن بالهند.
[ ٢٠ ]