ثم قد امتاز الإمام أبو حنيفة من بين هؤلاء الأئمة بكثرة أتباعه واشتهار مذهبه في الآفاق، فقد تبعه شطهر أهل البسيطة، بل ثلثها، ومذهبه هو أول المذاهب تدوينًا.
قال الحافظ الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (٢): «اشْتُهِرَ مَذْهَبُ الأَوْزَاعِيِّ مُدَّةً، وَتَلاَشَى أَصْحَابُهُ، وَتَفَانَوْا، وَكَذَلِكَ
_________________
(١) وترجمة الإمام أبي حنيفة الواقعة في بعض نسخ " الميزان" مدسوسة وَمُقْحَمَةٌ بغير قل مؤلفه الحافظ الذهبي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، كما بينته في كتابي " الإمام ابن ماجه وكتابه السنن ": ص ٢٤٥، وأوسعه بيانًا العلامة المحدث الناقد الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في تعليقه على " الرفع التكميل " للإمام اللكنوي: ص ١٢١ - ١٢٦ من الطبعة الثالثة.
(٢) ٨/ ٩٢.
[ ٥٥ ]
مَذْهَبُ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ سَمَّيْنَا، وَلَمْ يَبْقَ اليَوْمَ إِلاَّ هَذِهِ المَذَاهِبُ الأَرْبَعَةُ.
وَقَلَّ مَنْ يَنهَضُ بِمَعْرِفَتِهَا كَمَا يَنْبَغِي، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا.
وَانْقَطَعَ أَتْبَاعُ أَبِي ثَوْرٍ بَعْدَ الثَّلاَثِ مائَةٍ، وَأَصْحَابُ دَاوُدَ إِلاَّ القَلِيلُ، وَبَقِيَ مَذْهَبُ ابْنِ جَرِيرٍ إِلَى مَا بَعْدَ الأَرْبَعِ مائَةٍ وَلاَ بَأْسَ بِمَذْهَبِ دَاوُدَ، وَفِيْهِ أَقْوَالٌ حَسَنَةٌ، وَمُتَابَعَةٌ لِلنُّصُوصِ، مَعَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ العُلَمَاءِ لاَ يَعتَدُّونَ بِخِلاَفِهِ، وَلَهُ شُذُوْذٌ فِي مَسَائِلَ شَانَتْ مَذْهَبَهُ».
وقال في " تذكرة الحفاظ " (١): «كان أهل الشام ثم أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي مُدَّةً من الدهم، ثم فني العارفون به، وبقي منه ما يُوجَدُ في كتب الخلاف».
وقال الإمام الرباني سيدي عبد الواهاب الشَّعْرَانِيُّ في كتاب " الميزان " (٢): «ومذهبه - أي أبي حنيفة - أول المذاهب تدوينًا، وآخرها انقراضًا كما قاله بعض أهل الكشف، قد اختاره الله تعالى إمامًا لدينه وعباده، ولم يزل أتباعه في زيادة في كل عصر إلى يوم القيامة، لو حُبِسَ أَحَدُهُمْ وَضُرِبَ على أن يخرج عن طريقه ما أجاب، فرضي الله عنه وعن أتباعه وعن كل من لزم الأدب معه ومع سائر الأئمة».
وقال أيضًا - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في " الميزان " (٣):
«إن الله تعالى لما مَنَّ عَلَيَّ بالاطلاع على عين الشريعة، رأيتُ
_________________
(١) ١/ ١٨٢.
(٢) ١/ ٥٩ من الطبعة الأزهرية بمصر ١٣٤٤ هـ.
(٣) ١/ ٢٧.
[ ٥٦ ]
المذاهب كلها متصلة بها، ورأيت مذاهب الأئمة الأربعة تجري جداولها كلها، ورأيت جميع المذاهب التي اندرست، قد استحالت حجارة، ورأيت أطول الأئمة جدولًا الإمامَ أبا حنيفة، ويليه الإمام مالك، ويليه الإمام الشافعي، ويليه الإمام أحمد بن حنبل، وأقصرهم ذلك بطول زمن العمل بمذاهبهم وقصره، فكما كان مذهب الإمام أبي حنيفة أول المذاهب المدونة تدوينًا، فكذلك يكون آخرها انقراضًا، وبذلك قال أهل الكشف».