بعد أن تبين موضوع الرسالة وصحة نسبتها للذهَبِيّ لابد أن أبين أن للذهَبِيّ رسالة أخرى طبعت "بمطبعة الظاهر في مصر سنة ١٣٢٤هـ" بعنوان: "الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم".
وموضوع الرسالتين متقارب، وكثير من رجال هذه الرسالة أوردهم الذهَبِيّ في تلك الرسالة. وهنا أمران مهمان أريد أن أوضحهما:
فأحدهما: أن هذه الرسالة "من تُكُلِّمَ فيه وهو موثق أو صالح الحديث" ليست هي الرسالة الآنفة الذكر: "الثقات المُتَكَلَّم فيهم بما لا يوجب ردهم"، وذلك للآتي:
١- حجم الرسالتين متفاوت فـ"من تُكُلِّمَ فيه وهو موثق" أكبر من الرسالة الأخرى وعدد رجالها أكثر من عدد رجال الثانية فرجال الأولى ٤٠٥ أشخاص -كما سبق- وعدد رجال الثانية: ٩٦ شخصًا تقريبًا بمن ذكرهم في مقدمتها.
[ ١١ ]
٢- مقدمة كل من الرسالتين تختلف عن الأخرى حجمًا ومعنى، فالرسالة الأولى مقدمتها صفحة واحدة تقريبًا، والرسالة الثانية مقدمتها طويلة
-وهي نفيسة ما رأيت مثلها-.
٣- أسلوب الرسالتين في الترجمة للرواة مختلف، فالأولى أخذت جانب الاختصار والإشارة، أما الثانية فأطالت في كثير من الرواة لا سيما في المقدمة وفيما بعدها، ويظهر فيها أسلوب المناقشة بالحجة أكثر مما في الرسالة الأولى.
٤- موضوع الرسالتين وإن تقارب إلا أنه مختلف، وسأوضح هذا أكثر في الأمر الثاني.
ثانيهما: أن بين الرسالتين فرقًا في الموضوع، وهو أن رجال الرسالة الثانية "الصغيرة" ثقات عند الذهَبِيّ، ولا يؤثر فيهم ما رُموا به من الطعن، لأنهم أئمة ثقات مشهورون، والطعن فيهم إنما صدر عن ضعيف، أو قول ضعيف لم يثبت، أو أنه قول لا يراد به رد رواية الراوي جملة وإنما في شيء مخصوص.
ويدل على ما ذكرته عنوان الرسالة نفسها: "الرواة الثقات المُتَكَلَّم فيهم بما لا يوجب ردَّهم". فهي في الثقات الذين جرحهم بعض الأئمة لكن لم يُقْبل منهم ذلك الجرح، وهذه الرسالة هي التي أعنيها بقولي دائما في الحاشية: "وذكره الذهَبِيّ في "الثقات" أو قال في "الثقات" أو "رسالة الثقات" أو نحو هذا.
أما الرسالة الأولى "هذه الرسالة" فهي أصلًا -كما سبق- في الرواة الذين جرحهم بعض الأئمة ووثقهم بعضهم، وهم نوعان: نوع ثقة لا يؤثر فيه ما
[ ١٢ ]
جرح به أو يؤثر في روايته مطلقًا، ونوع فيه لِين، ويؤثر فيه ذلك الجرح في حفظه أو غيره، فيجعله "حسن الحديث" أو "صالح الحديث".
وكأن الإمام الذهَبِيّ نظر في هذه الرسالة بعد تأليفها فاستخرج منها الثقات في الرسالة الأخرى، وأفصح عن حالهم ودافع عنهم بشدة، وهذا هو السبب في توافقهما في بعض الرجال، والله أعلم.
[ ١٣ ]