عن عمر بن حماد بن أبي حنيفة قال: أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي.
فأما زوطي فإنه] ١١١/أ [من أهل كابل، وولد ثابت على الإسلام، وكان زوطي مملوكا لبني تيم الله بن ثعلبة فأعتق، فولاؤه لبني تيم الله بن ثعلبة ثم لبني قفل، وكان أبوحنيفة خزازًا، ودكانه معروف في دار عمر بن حريث بالكوفة.
وقيل: ثابت والد أبي حنيفه من أهل الأنبار، وقيل: أصل أبي حنيفة من ترمذ، وقيل: أصله من نَسَاء، والله أعلم. ذكر ذلك الصيمري٢ في مناقبه٣.
إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة يقول: أنا إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان من أبناء فارس الأحرار، والله ما وقع علينا رق قط، ولد جدي في ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب ﵁ وهو صغير، فدعا له بأن يبارك فيه وفي ذريته، ونحن
_________________
(١) ١ في ص (فصل)، وما أثبته موافق لتقسيم المؤلف في المقدمة وقوله: (الفصل الثاني) فيما سيأتي. ٢ هو أبو عبد الله الحسين بن علي بن جعفر القاضي الصيمري، من كبار الفقهاء، مات سنة ٤٣٦هـ (ر: ترجمته في الفوائد البهية ص٨٧، والجواهر المضيئة١/٣١٤، وشذرات الذهب ٣/٢٥٦، وسير أعلام النبلاء ١٧/٦١٥) . ٣ أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص٢٢١ للصيمري، ونقله الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ١٣/٣٢٤،٣٢٥، والذهبي في سير أعلام النبلاء ٦/٣٩٤.
[ ١٦٣ ]
نرجو من الله أن يكون قد استجاب ذلك لعلي بن أبي طالب ﵁ فينا، قال: والنعمان بن المرزبان أبو ثابت هو الذي أهدى إلي علي بن أبي طالب ﵁ الفالوذج في يوم النيروز١، فقال: نَوْرِزُونا كل يوم. وقيل: كان ذلك في المهرجان٢ فقال: مَهْرِجُونَا كل يوم٣.
_________________
(١) ١ النيروز: أول يوم من السنة الشمسية الإيرانية، معرَّب (نَوْروز)، من أعياد الفرس المشهورة. (ر: القاموس المحيط ص ٦٧٧، والمعجم الوسيط ص ٩٦٢) . ٢ المهرجان: احتفال الاعتدال الخريفي، وهي كلمة فارسية مركبة من كلمتين: الأولى: مِهْر، ومن معانيها الشمس أو المحبة، والثانية: جان، ومن معانيها الروح أو الحياة. (ر: القاموس المحيط ص ٨٩٠، المنجد ص ٢٦) . ٣ ذكره الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص٢، والخطيب في تاريخ بغداد ١٣/٣٢٦، والذهبي في سير أعلام النبلاء ٦/٣٩٥، والمقدسي في مناقب الأئمة الأربعة ص٧٥،٧٦. قلت: الخبر غير صحيح، فإن راوي الخبر هو إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، الكوفي القاضي، حفيد الإمام، ضعفه ابن عدي، وقال عن صالح جزرة: ليس بثقة (ر: الكامل في ضعفاء الرجال ١/٣١٤ لابن عدي، ميزان الاعتدال ١/٨٦٦ للذهبي، تهذيب التهذيب ١/٣٥٤، لسان الميزان ١/٣٩٨ لابن حجر) . ووالده حماد بن أبي حنيفة، ضعفه ابن عدي أيضًا، وغيره من قبل حفظه (ر: الكامل في الضعفاء ٢/٢٥٢، لسان الميزان ٢/٣٤٦ لابن حجر) . ومما يدل على بطلان الخبر ما قد يفهم منه إقرار علي ﵁ لعيدي النيروز أو المهرجان، وهذا غير صحيح - وحاشاه ﵁ من ذلك- فمن المعلوم من الدين أن الإسلام قد ألغى أعياد الجاهلية كلها وأبدلها بعيدي الفطر والأضحى المباركين، لما رواه أنس ﵁ قال: كان لأهل المدينة يومان يلعبون فيهما، فلما قدم النبي ﷺ قال: "ما هذان اليومان؟ " قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله: "إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر" أخرجه أبو داود (ح ١١٣٤)، وأحمد (٣/١٠٣)، والنسائي (ح ١٥٥٦)، والحاكم (١/٢٩٤) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀-: ولا يُعان المسلم المتشبه بهم في ذلك، بل ينهى عن ذلك، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد، مخالفة للعادة في سائر الأوقات، غير هذا العيد لم تقبل هديته، خصوصًا إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم، مثل إهداء الشمع ونحوه في الميلاد، أو إهداء البيض واللبن والغنم في الخميس الصغير الذي في آخر صومهم، وكذلك أيضًا لا يهدى لأحد من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لاسيما إذا كان مما يستعان به على التشبه بهم كما ذكرناه. اهـ (ر: إقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ٢/٥٠٩، لابن تيمية تحقيق: د. ناصر العقل) .
[ ١٦٤ ]
قال البرتي القاضي: سمعت أبا نعيم يقول: كان أبو حنيفة جميلا، حسن الوجه، حسن اللحية، حسن الثوب١.
قال أبو يوسف: كان أبو حنيفة ربعة من الرجال ليس بالقصير، ولا بالطويل، وكان أحسن الناس منطقا، وأحلاهم نغمة وأبينه عما تريد٢.
قال عمر٣ بن جعفر بن إسحاق بن عمر بن حماد بن أبي حنيفة: إن أبا حنيفة كان طويلا تعلوه سمرة، وكان لباسا حسن الهيئة كثير
_________________
(١) ١ الصيمري (المرجع السابق نفسه) ص٢، والخطيب في تاريخ بغداد ١٣/٢٣٠. ٢ الصيمري ص٣، والخطيب في تاريخ بغداد ١٣/٣٣٠،٣٣١، والذهبي في سير الأعلام ٦/٣٩٩، والمقدسي في المناقب ص٧٢. ٣ في كتاب الصيمري ص٣ النسخة المطبوعة، ورد السند كالآتي: قال ثنا محمد بن جعفر ابن إسحاق بن عمر بن حماد بن أبي حنيفة.
[ ١٦٥ ]
التعطر، يعرف بريح الطيب إذا أقبل، وإذا خرج من منزله قبل أن تراه١.
ولد أبو حنيفة سنة ثمانين، قال أبو حنيفة: حججت مع أبي سنة ست وتسعين، ولي ست عشرة سنة، وإذا أنا بشيخ قد اجتمع الناس عليه فقلت] ١١١/ب [لأبي: من هذا الرجل؟ فقال: هذا رجل قد صحب محمدا ﷺ يقال له عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ٢، فقلت: أي شيء عنده؟ قال: أحاديث سمعها من النبي ﷺ فقلت: قدمني إليه حتى أسمع منه، فتقدم بين يدي فجعل يفرج عني الناس حتى دنوت منه فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تفقه في دين الله كفاه الله همه ورزقه من حيث لا يحتسب"٣.
_________________
(١) ١ الصيمري ص٣، والخطيب في تاريخ بغداد ١٣/١٣١، والذهبي في سير الأعلام ٦/٣٩٩، ٤٠٠. قال ابن حجر الهيثمي: ولا تنافي بين كونه ربعة وبين كونه طويلًا، لأنه قد يكون مع كونه ربعة أقرب إلى الطول ا. هـ. (ر: الخيرات الحسان في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان ص٣٢) . ٢ عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي السهمي ﵁، له صحبة، سكن مصر، وروى عن النبي ﷺ أحاديث حفظها، مات سنة ٨٦هـ. (ر: الإصابة في تمييز الصحابة ٤/٥٠ لابن حجر) . ٣ أخرجه الصيمري في أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص٤، وفي إسناده: أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس الحماني، قال عنه ابن عدي: ما رأيت في الكذابين أقل حياء منه. اهـ (ر: الكامل في الضعفاء ١/١٩٩) . وقال عنه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان ١/٢٦٩-٢٧٢ في ترجمة ابن الصلت: كذاب، فلهذا يدلسه بعضهم فيقول ثنا أحمد بن عطية، وبعضهم أحمد بن الصلت، وقد أورد الحافظ ابن حجر ما رواه ابن الصلت عن أبي حنيفة وقال الحافظ معقِّبًا: هذا كذب، فابن جزء مات بمصر ولأبي حنيفة ست سنين، وقد وقع لنا هذا الحديث من وجه آخر وهو باطل أيضا. اهـ وقد نقل ذلك أيضا العلامة الصالحي في عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان ص٥٧،٥٨.
[ ١٦٦ ]
وعن أبي حنيفة قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "الدال على الخير كفاعله، والله يحب إغاثة اللهفان"١.
قال أبو بكر بن هلال: وقد أدرك أبو حنيفة من الصحابة أيضا عبد الله بن أبي أوفى، وأبا الطفيل عامر بن واثلة وهما صحابيان٢.
_________________
(١) ١ أخرجه الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص٤ بالإسناد السابق وفيه: أحمد بن محمد بن الصلت الكذاب. وأما متن الحديث فيقول العلامة الصالحي: قوله ﷺ: "الدال على الخير كفاعله". قال شيخنا أبو الفضل في تبييض الصحيفة: متن الحديث من غير هذا الطريق صحيح ورد من رواية جمع من الصحابة، وأصله في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود ﵁ بلفظ: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله"، وأما قوله ﷺ: "إن الله تعالى يحب إغاثة اللهفان ": قال شيخنا (السيوطي): متنه صحيح ورد من رواية جمع من الصحابة، وصححه الحافظ الضياء المقدسي في المختارة من حديث بريدة ﵁. ثم قال الصالحي معقّبا: ومدار هذه الأحاديث الثلاثة على أحمد بن محمد الصلت بن المغلس الحِمَّاني الكوفي، اتهمه أئمة الحديث بوضع الأحاديث. اهـ (ر: عقود الجمان ص٥٥،٥٦، للصالحي بتصرف يسير) . ٢ أورده الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص٤. قال الحافظ ابن حجر في فتاويه: "أدرك الإمام أبو حنيفة - ﵀- جماعة من الصحابة لأنه ولد في الكوفة سنة ثمانين من الهجرة، وبها يومئذ من الصحابة عبد الله بن أبي أوفى فإنه مات سنة ثمان وثمانين أو بعدها، وقد روى ابن سعد بسند لا بأس به أن الإمام أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه رأى أنس بن مالك ﵁، وكان غير هذين من الصحابة في البلاد أحياء، وقد جمع بعضهم جزءًا فيما ورد من رواية أبي حنيفة عن الصحابة، لكن لا يخلو إسناد منها من ضعف، والمعتمد على ما أدركه ما تقدم وعلى رؤيته لبعض الصحابة ما رواه ابن سعد، فهو بهذا الاعتبار من طبقة التابعين، ولم يثبت ذلك لأحد من أئمة الأمصار المعاصرين له كالأوزاعي بالشام، والحمادين بالبصرة، والثوري بالكوفة، ومالك بالمدينة الشريفة، والليث بمصر، والله أعلم". اهـ نقله العلامة محمد بن يوسف الصالحي في كتابه عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ص٥٠.
[ ١٦٧ ]
قال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي١ في كتاب الفقهاء: قد كان في أيام أبي حنيفة أربعة من الصحابة، أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أو فى الأنصاري، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسهل بن سعد الساعدي، وجماعة من التابعين كالشعبي والنخعي وعلي بن الحسين وغيرهم، ولم يأخذ أبو حنيفة منهم وقد أخذ عنه خلق كثير، توفي أبو حنيفة سنة خمسين ومائة، ورأى أنس بن مالك سنة خمس وتسعين، وسمع منه، ومات ببغداد وهو ابن سبعين سنة٢.
أخبرني أبي قال: أنبأنا أبو نصر أحمد بن يوسف الطبري قال: ثنا أبو مسعود أحمد بن محمد البجلي سنة تسع وعشرين وأربعمائة قال: أنبأنا أبو أحمد مسلم بن الحسن بن الحسن بن مسلم المروزي قال: ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عمرويه المذكر قال: ثنا أحمد بن الصلت بن
_________________
(١) ١ هو إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفيروزآبادي، أبو إسحاق، الفقيه الشافعي، الأصولي، له مصنفات عديدة منها: (التنبيه) و(المهذب) في الفقه الشافعي، توفي ببغداد سنة ٤٧٦هـ. (ر: طبقات الشافعية ٤/٢١٥، سير الأعلام ١٨/٤٥٢) . ٢ طبقات الفقهاء ص٨٦ للشيرازي.
[ ١٦٨ ]
المغلس قال: ثنا بشر بن الوليد قال: ثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي عن أبي حنيفة قال:] ١١٢/أ [سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"١.
_________________
(١) ١ في إسناده: أحمد بن الصلت بن المغلس الكذاب، المتهم بوضع الأحاديث، وقد تقدمت ترجمته. وأما متن الحديث فقد روي عن جماعة من الصحابة منهم علي، وابن مسعود، وأنس، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر، وابن عمر وغيرهم ﵃. (انظر أحاديثهم في مجمع الزوائد ١/١١٩، ١٢٠ للهيثمي، والعلل المتناهية ١/٥٤-٦٦ لابن الجوزي)، قال أبو علي الحافظ النيسابوري: صح عندي عن النبي ﷺ في "طلب العلم فريضة على كل مسلم" - إسناده اهـ (ر: المدخل ص٢٤٢ للبيهقي) . وقال الحافظ المزي: روي من طرق تبلغ رتبة الحسن، وقال السيوطي: وعندي انه بلغ رتبة الصحيح. لأني وقفت له على نحو خمسين طريقا، وقد جمعتها في جزء. اهـ (ر: عقود الجمان ص٢٥٤،٢٥٥ للصالحي، المقاصد الحسنة ص٢٧٦ للسخاوي) . وقال الشيخ الألباني: فيحمل أن يرتقي الحديث إلى درجة الحسن كما قال المزي. (ر: سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/٤١٦، ح٤١٦) .
[ ١٦٩ ]