قال الشافعي ﵀: سئل مالك بن أنس] ١١٣/أ [هل رأيت أبا حنيفة وناظرته؟ فقال: نعم رأيت رجلا لو نظر إلى هذه السارية وهي من حجارة، فقال إنها من ذهب لقام بحجته١.
وروي عن الشافعي ﵀ أنه قال: من أراد الحديث الصحيح فعليه بمالك، ومن أراد الجدل فعليه بأبي حنيفة، ومن أراد التفسير فعليه بمقاتل بن سليمان٢.
وقال الشافعي: من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة٣. وقال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر٤ في ذكر فقهاء الأمصار: وأما أبو حنيفة فهو أصل الرأي بالكوفة، وكان ذكيا فهما، معتمدا في فقهه على علماء بلده، وكان أبصر الناس بالقياس٥.
وكان ابن المبارك٦ يمدحه ويثني عليه بالشعر وغيره.
_________________
(١) ١ الشيرازي في طبقات الفقهاء ص٨٦، والخطيب في تاريخ بغداد ١٣/٢٣٨، والبيهقي في المدخل ص١٧٠، والذهبي في سير الأعلام ٦/٣٩٩. ٢ الشيرازي في طبقات الفقهاء ص٨٦، والخطيب في تاريخ بغداد ١٣/٣٤٦. ٣ المرجعين السابقين. ٤ الإمام ابن عبد البر النمري الأندلسي القرطبي المالكي، حافظ المغرب، وصاحب التصانيف، مات سنة ٤٦٣هـ (ر: سير الأعلام ١٨/١٥٣) . ٥ للإمام ابن عبد البر كتاب (الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء) ذكر فيه فضائل الإمام أبي حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي ﵃. ٦ أبو عبد الرحمن، عبد الله بن المبارك المروزي، الإمام الحافظ شيخ الإسلام، فخر المجاهدين، قدوة الزاهدين، توفي عام ١٨١هـ. (ر: تاريخ بغداد ١٠/١٥٢، وسير الأعلام ٨/٣٧٨) .
[ ١٧٣ ]
قال عبد الله بن المبارك: كان أبو حنيفة آية. فقال له قائل: في الشر يا أبا عبد الرحمن أو في الخير؟ فقال: اسكت يا هذا فإنه يقال غاية في الشر، آية في الخير، ثم تلى هذه الآية: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ ١.
وقال عبد الله بن المبارك: رأيت أعبد الناس، ورأيت أورع الناس، ورأيت أعلم الناس، ورأيت أفقه الناس، فأما أعبد الناس فعبد العزيز بن أبي روّاد٢، وأما أورع الناس فالفضيل بن عياض٣، وأما أعلم الناس فسفيان الثوري، وأما أفقه الناس فأبو حنيفة - ثم قال - ما رأيت في الفقه مثله٤.
قال عبد الله بن المبارك ﵀:
وجدت أبا حنيفة كل يوم يزيد نبالة ويزيد خيرا
وينطق بالصواب ويصطفيه إذا ما قال أهل الجور جورا
يقايس من يقايسه بلب فمن ذا تعلمون له نظيرا
كفانا موت حماد وكانت مصيبته لنا أمرا كبيرا
فرد شماتة الأعداء عنا وأفشى بعده علما كثيرا
_________________
(١) ١ الخطيب في تاريخ بغداد ١٣/٣٣٦، وابن حجر الهيثمي في الخيرات الحسان ص٧٥. ٢ عبد العزيز بن أبي روَّاد، صدوق، عابد، ربما وهم، مات سنة ١٥٩هـ. (ر: التقريب ١/٥٠٩، والتهذيب ٦/٣٠٢ لابن حجر) . ٣ فضيل بن عياض، شيخ الحرم المكي من العباد المشهورين، أخذ عنه الإمام الشافعي وغيره، ولد بسمرقند ثم استقر بمكة وتوفي بها عام ١٨٧هـ (ر: التذكرة ٢٤٥، الطبقات ٥/٥٠٠) . ٤ ذكره الخطيب في تاريخ بغداد ١٣/٣٤٢،٣٤٣، والموفق في مناقب أبي حنيفة ١/٢٨٢، والمزي في تهذيب الكمال ٢٩/٤٣٠.
[ ١٧٤ ]
رأيت أبا حنيفة حين يؤتى ويطلب علمه بحرا غزيرا
إذا ما المعضلات تدافعتها رجال القوم كان بها بصيرا١
قال مساور الوراق٢:
إذا العلماء يوما قايسونا مسألة من الفتيا طريفه
أتيناهم بمقياس صحيح ورأي من طراز أبي حنيفه
إذا سمع الفقيه بها وعاها وأثبتها بحبر في صحيفه٣
وقال صدقة المقابري - وكان صدقة مجاب الدعوة -: لما دفن أبو حنيفة في مقابر الخيزران سمعت صوتا في الليل ثلاث ليال:
لقد زان البلاد ومن عليها إمام المسلمين أبو حنيفه
فما بالمشرقين له نظير ولا بالمغربين ولا بكوفه
ويأتيكم بإسناد صحيح كأيات الزبور على الصحيفه
_________________
(١) ١ ذكر الأبيات الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص٨٣،٨٤، والخطيب في تاريخ بغداد ١٣/٣٥٠، والمزي في تهذيب الكمال ٢٩/٤٤١، وابن عبد البر في الانتقاء ص٢٠٧، وأبو عبد الله المقدسي في مناقب الأئمة ص٧٨. ٢ مساور بن سوار الوراق الكوفي، صدوق، من السابعة. (ر: تهذيب التهذيب ١٠/٩٤، والتقريب ص٥٢٧) . ٣ أورد الصيمري الأبيات ص٨٥ كالآتي: إذا ما أهل مصر بادهونا بداهية من الفتيا لطيفة أتيناهم بمقياس صحيح صليب من طراز أبي حنيفة إذا سمع الفقيه به وعاه وأثبته بفقه في صحيفة وذكر الأبيات كما أوردها المؤلف الحافظ ابن عبد البر في الانتقاء ص٢٠٠ مع بعض الاختلافات اليسيرة في بعض الكلمات.
[ ١٧٥ ]
ومن يأخذ من الشكاك علما كمن يخري ويستنجي بليفه١
يعني ثم سمعت الهاتف يقول:
ذهب الفقه فلا فقه لكم فاتقوا الله وكونوا خلفا
مات نعمان فمن هذا الذي يُحيَى الليل إذا ما سجفا٢
_________________
(١) ١ أورد بعض هذه الأبيات الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص٨٥ ونسبها إلى الإمام عبد الله بن المبارك. ٢ ذكر الأبيات الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص٨٩.
[ ١٧٦ ]