قال الشافعي ﵁: ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صوابًا من موطأ مالك بن أنس١.
أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج في التفسير، وهو عبد الملك بن عبد العزيز٢، ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني إمام أهل اليمن، أصله بصري يكنى أبا عروة، ثم موطأ مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة يكنى أبا عبد الله صنف في الفقه والسنة وبوَّب.
قال الشافعي: ليس في الأرض كتاب بعد القرآن أصح من موطأ مالك٣.
وقرأه عليه الشافعي حفظا، وصار الموطأ لتواطؤ أهل الحرمين على صحته، ثم تصنيف السفيانين ابن عيينة بمكة والثوري بالكوفة، ثم صنف بعد ذلك صاحبا مالك بن أنس، عبد الله بن المبارك بالمشرق، وعبد الله بن وهب بالمغرب، فأكثرا وأحسنا.
_________________
(١) ١ القاضي عياض في ترتيب المدارك ١/١٩١، وأبو نعيم في الحلية ٦/٣٢٩، وابن عبد البر في التمهيد ١/٧٦، والذهبي في سير الأعلام ٨/١١١، وقال الذهبي معلقًا: هذا قاله قبل أن يؤلَّف الصحيحان. اهـ ٢ ابن جريج: عبد الملك بن عبد العزيز، رومي الأصل، ولد بمكة، كان إمام أهل الحجاز في عصره، وأول من صنف التصانيف بمكة وتوفي بها عام ١٥٠هـ. (ر: تاريخ بغداد ١٠/٤٠٠)، سير الأعلام ٦/٣٢٥. ٣ البيهقي في مناقب الشافعي ١/٥٠٧.
[ ١٨٨ ]
قيل: لما حج الرشيد دخل المدينة فقيل له] /١١٧ب [: قد صنف مالك بن أنس كتابا في الشرائع والآثار، فأنفذ إليه يستحضره الكتاب، فقال مالك: هذا كتاب قد جمعت فيه السنن والآثار ثم يسومني حمله إليه، لا فعلت ذلك. فقيل له: إنه جبار ولا نأمنه عليك. قال: فإذا أذل نفسي ولا أذل علمي، فقام إليه، فقال: يا أمير المؤمنين حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "العلم يؤتى ولا يأتي" ١، ونزل عليه جبريل وعنده ابن أم مكتوم، بقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢فرأى الكآبة في ابن أم مكتوم، وعرج ثم هبط في أسرع من طرفة عين بقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾ ِ٣فهذا جبريل قطع هذه المسافة لهذا الحرف، وأنت تسومني أن أحمل كتابا جمعت فيه سنن رسول الله ﷺ والآثار؟! فقال: لا يا أبا عبد الله، بل نأتيك في بيتك فنسمعه منك.
وأمر أن تسرج الدواب فقال: يا أمير المؤمنين حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع"٤
_________________
(١) ١ ذكره العلامة علي القاري في المصنوع في معرفة الحديث الموضوع (ح١٩٨) وفي الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة (ح٣٠٠)، قال القاري: هو من قول مالك للمهدي حين دعاه لسماع ولديه منه، وقاله لهارون حين التمس منه خلوة للقراءة. اهـ ٢ سورة النساء /٩٥. ٣ سورة النساء /٩٥. ٤ أخرجه الإمام أحمد ٤/٢٣٩، ٥/١٩٦، والترمذي (ح٢٦٨٢)، والدارمي (ح٣٤٢)، وأبو داود (ح٣٦٤١،٣٦٤٢) عن أبي الدرداء ﵁.
[ ١٨٩ ]
أفتؤثر ظهور الدواب على أجنحة الملائكة؟! فقال: لا يا أبا عبد الله بل نمشي معك مشيا، وقام فسايره إلى داره، وجلس على السرير، وقال: هات يا أبا عبد الله. فقال: يا أمير المؤمنين حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن العالم إذا اختص بعلمه الخاص دون العام، لم ينتفع بعلمه الخاص ولا العام"١ فتأذن بإقامة النداء بحضور الناس لسماعه معك، فأمر بإقامة النداء من أحب أن يستمع كتاب مالك ابن أنس مع أمير المؤمنين فليحضر، فلما حضر الناس قال: هات يا أبا عبد الله. فقال: يا أمير المؤمنين حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله /١١٨] أ [ﷺ قال: "من تواضع للعلم رفعه الله" ٢وإني أشتهي أن تستوي مع الناس. فنزل عن السرير واستوى معهم ثم قرأ الكتاب عليهم، فلما فرغ قال: إني أعلق هذا الكتاب على أستار الكعبة، وأنادي من حاد عنه جلدته جلد المفتري. فقال: يا أمير المؤمنين إني قد قلت فيه برأيي واجتهدت، ولا أبريء نفسي من الخطأ والغلط، فدع الناس واجتهادهم. فقال: بماذا سميته؟ قال: بل
_________________
(١) ١ أورده العلامة علاء الدين الهندي في كنز العمال ١٠/٢٤٢ وعزاه إلى الديلمي عن ابن عمر ﵄. ٢ لم أقف على من أخرجه بهذا اللفظ في كتب السنة، وإنما ورد بلفظ (من تواضع لله رفعه الله) عن عمر بن الخطاب مرفوعًا، أخرجه الإمام أحمد ١/٤٤، والبزار في مسنده (ح٣٥٨٠)، قال الهيثمي في المجمع ٨/٨٢: رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح. وبنحوه أخرجه مسلم ٤/٢٠٠١، والترمذي (ح٢٠٢٩)، ومالك في الموطأ ٢/١٠٠٠ عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
[ ١٩٠ ]
أنت أولى به. فقال: أسميه بفعل أمير المؤمنين وتوطيته للخلق، هو كتاب الموطأ توطأت فيه للعلم والرعايا١.
جاء رجل إلى المزني فسأله عن شيء من الكلام فقال: إني أكره هذا، بل أنهى عنه كما نهى عنه الشافعي، لقد سمعت الشافعي ﵁ يقول: سئل مالك عن الكلام والتوحيد فقال مالك: محال أن يظن بالنبي ﷺ أنه علَّم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد، التوحيد ما قاله النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" ٢، فما عُصم به المال والدم حقيقة التوحيد"٣.
قال أبو المعافي بن أبي رافع المزني ﵀:
ألا إن فقد الحلم في فقد مالك ولا زال فينا صالح الحال مالك
يقيم طريق الحق والحق واضح ويهدي كما تهدي النجوم الشوابك
فلولاه ما قامت حقوق كثيرة ولولاه لانسدت علينا المسالك
عشونا إليه نبتغي فضل رأيه وقد لزم الغي اللجوج المماحك
فجاء برأي مثله يقتدي به كنظم جمان زينتها السبائك٤
_________________
(١) ١ ذكر القصة أبو نعيم في الحلية ٦/٣٣٢، والذهبي في سير الأعلام ٨/٦٣،٦٤ مختصرًا. ٢ أخرجه البخاري (ر: فتح ٣/٢٦٢)، ومسلم ١/٥١ عن أبي هريرة ﵁. ٣ الإمام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في ذم الكلام ٤/٢٨٣، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٢٦. ٤ أورد الأبيات مع بعض الاختلافات ابن عبد البر في الانتقاء ص٨٩، والقاضي عياض في ترتيب المدارك ١/٢٤٦،٢٤٧، والمزني في تهذيب الكمال ٢٧/١١٨،١١٩.
[ ١٩١ ]
وكتب إلي الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي على يد والدي ﵀ من بغداد /١١٨] ب [لنفسه:
إذا قيل من نجم الحديث وأهله أشار ذوو الألباب يعنون مالكا
إليه تناهى علم دين محمد فوطأ فيه للرواة المسالكا
ونظم بالتصنيف أشتات نثره وأوضح ما قد كان لولاه حالكا
ووقت درس العلم شرقا ومغربا تقدم في تلك المسالك سالكا
وقد جاء في الآثار من ذلك شاهد على أنه في العلم خص بذلكا
فمن كان ذا طعن على علم مالك ولم يقتبس من نوره كان هالكًا
وأنشد أبو الحسن عمران بن موسى المغربي الطولقي لنفسه من قصيدة:
حتى إذا ختموا منها بعالمها أضاء للعلم نجم غير منكدر
بمالك وضحت سبل العلوم لنا فلاح غامضها كالشمس للبصر
هو الإمام الذي اخترت مذهبه وما تخيرته إلا على خبر
ذكر محنة مالك ﵁
سُعي بمالك إلى جعفر بن سليمان وقالوا: إنه لا يرى أيمان بيعتكم بشيء. فغضب جعفر فدعا به وجرده فضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلع كتفه، وارتكب منه أمرا عظيما، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة، وكأنما كانت السياط حُلِيًاّ حُلِّي به١.
_________________
(١) ١ القاضي عياض في ترتيب المدارك ١/٢٢٨، وابن عبد البر في الانتقاء ص٨٧،٨٨، والذهبي في سير الأعلام ٨/٨٠.
[ ١٩٢ ]
قال ابن وهب: ضرب جعفر بن سليمان مالكَ بن أنس في طلاق المكره فلما ضرب حُلِقَ وَهُلَّ على بعير فقيل له: نادِ على نفسك. فقال: ألا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، وأنا أقول طلاق المكره ليس بشيء. فبلغ جعفر بن سليمان أنه ينادي على نفسه بذلك فقال: أدركوه، اتركوه١.
_________________
(١) ١ أبو نعيم في الحلية ٦/٣١٦، والذهبي في سير الأعلام ٨/٩٦.
[ ١٩٣ ]