قال الشافعي: أحمد إمام في ثمان خصال: في الحديث، والفقه، واللغة، والقرآن، والفقر١، والزهد٢، والورع، والسنة٣.
وقال المزني: أحمد بن حنبل، أبوبكر يوم الردّة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم صفين٤.
قال قتيبة بن سعيد: لولا الثوري مات الورع، ولولا أحمد بن حنبل أُحدث في الدين. فقيل له: تقيس أحمد بالثوري؟، قال: أقيس أحمد بعلية التابعين، إن أحمد قام في الأمة مقام النبوة٥.
قال إسحاق بن إبراهيم: أحمد بن حنبل حجة بين الله وبين عبيده في أرضه٦.
_________________
(١) ١ لفظ (الفقر) في الشرع: يراد به الفقر من المال، ويراد به فقر المخلوق إلى خالقه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّه﴾ (ر: مجموع الفتاوى ١١/١٩٦ للإمام ابن تيمية) . ٢ الزهد المشروع: هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة، وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله. (ر: مجموع الفتاوى ١٠/٢١ للإمام ابن تيمية) . ٣ نقله القاضي ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة ١/٥، والمقدسي في مناقب الأئمة ص١٣١. ٤ البيهقي في مناقب الشافعي ٢/٣٥٧، وابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ص١٦٤، والذهبي في سير الأعلام ١١/٢٠١، والمقدسي في مناقب الأئمة الأربعة ص١٤٥. ٥ الخطيب في تاريخ بغداد ٤/١٤٧، وابن الجوزي في المناقب ص١١٢، والمقدسي في مناقب الأئمة ص١٤١، والذهبي في سير الأعلام ١١/١٩٥. ٦ الخطيب في تاريخ بغداد ٤/٤١٧، وابن الجوزي في المناقب ص١٥٦، والمقدسي في مناقب الأئمة ص١٤١.
[ ٢٤٣ ]
قال هلال بن العلاء: ثلاثة أشياء لا بد للناس منها: فقه الشافعي، فإنه ما ترك كتابًا من الكتاب والسنة، ومحنة أحمد بن حنبل والسياط تأخذه، لولا ذلك لذهب الدين، وغريب الحديث لأبي عبيد، فإن أصحاب الحديث كانوا يكتبون الحديث ولا يدرون ما هو حتى جاء أبو عبيد ففسَّره١.
سئل بشر بن الحارث عن أحمد بن حنبل؟ فقال: أنا أُسْأل عن أحمد؟! إن أحمد أُدخل الكيرَ فخرجت ذهبه حمراء٢.
قال حسين بن حبيب: حدثني محمد قال: رأيت النبي ﷺ في النوم وكان في مسجد] ١٣٤/أ [الخيف فقلت: يا رسول الله كيف بشر الحافي٣ عندكم؟ قال: أنزل وسط الجنة هو وأحمد بن حنبل٤.
قال أبو الحسن التميمي: سمعت أبي عن جدي يقول: لما توفي أحمد بن حنبل جهدت أن أصل إلى قبره سبعة أيام فلم أقدر فلما خفَّ الناس وصلت٥، وإذا عنده حلقتان فتقدمت إلى إحداهما فرأيت أبا بكر
_________________
(١) ١ ابن الجوزي في المناقب ص١٦٧، والمزي في تهذيب الكمال ١/٤٦٣، والمقدسي في مناقب الأئمة ص١٥٤ بنحوه. ٢ ابن الجوزي في المناقب ص١٥٦، والمزي في تهذيب الكمال ١/٤٥٤، والذهبي في سير الأعلام ١١/١٩٧، والمقدسي في مناقب الأئمة ص١٣٤. ٣ هو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن المروزي، كان زاهدًا، عالمًا ربانيًا، توفي سنة ٢٢٧هـ (ر: ترجمته في حلية الأولياء ٨/٣٣٦، وتاريخ بغداد ٧/٦٧) . ٤ بنحوه ذكره ابن الجوزي في المناقب ص٥٧٢. ٥ ذكره ابن الجوزي في المناقب ص٥٠٨.
[ ٢٤٤ ]
المروزي - غلام أحمد - فقلت: شيخكم بما كان يأمركم بالعبادة أم بالمعاش؟ قال: كان يأمرنا بالعبادة.
ثم تقدمت إلى الحلقة الأخرى فإذا عبد الله ابن أحمد فسألته فقال: كان يأمرنا بالعبادة والمعاش، فأعجبني اختلافهما، فرأيت فيما يرى النائم خلقًا عظيمًا وجلبة فسألت عنها، فقالوا: أحمد بن حنبل يزور رب العزّة، فوصلت إليه وعلى رأسه تاج من ذهب وفي رجليه نعلان من ذهب وهو في زلال من نور، فقلت: يا شيخ كنت تنهى عن مثله؟ فقال: هذا زي أولياء الله إذا زاروا ربَّهم. فقلت: يا أبا عبد الله سألتُ المروزي: بماذا كان يأمركم شيخكم فقال: كان يأمرنا بالعبادة. فقال: صدق أبوبكر رضيت له بما رضي الله لنبيه ﷺ حيث قال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقا﴾ ١. فقلت: وسألت عبد الله فقال: كان يأمرنا بالعبادة والمعاش، فقال: صدق، رضيت له بما رضي الله لنبيه داود ﵇ إذ قال: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْد] ١٣٤/ب [وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ ٢ فأمره بهما جميعًا٣.
وأورد الحافظ أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء قال: بعث أمير
_________________
(١) ١ سورة طه /١٣٢. ٢ سورة سبأ /١١. ٣ قال الإمام الذهبي في تعليقه على المنامات التي روئيت للإمام أحمد ونقلها ابن الجوزي وابن البناء وغيرهما - قال: وليس أبو عبد الله ممن يحتاج تقرير ولايته إلى منامات، ولكنها جند من جند الله، تسر المؤمن، ولا سيما إذا تواترت. اهـ (ر: سير الأعلام ١١/٣٥٣) .
[ ٢٤٥ ]
المؤمنين عشرين حازرًا ليحزروا كم صلّى على أحمد بن حنبل ﵁، فحزروا ألف ألف وثلاثمائة ألف سوى من كان في السفن١.
قال أبو زرعة الرازي: بلغني أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الذي وقف الناس عليه حيث صلي على أحمد بن حنبل - ﵀ -، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة ألف، وصلى عليه محمد بن عبد الله بن طاهر٢.
قال الخطيب أبوبكر في تاريخ بغداد: لما صلوا على جنازة أحمد بن حنبل كان الجَمْع كثيرًا، فأمر المتوكل أمير المؤمنين أن يمسح الموضع، وكانوا صلوا عليه في الصحراء، فمسحوا وقدروا أنه صلى عليه ألف ألف وستون ألفا دون من كان على السور ودون النساء والصبيان، فأسلم يوم مات أحمد بن حنبل عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس٣.
_________________
(١) ١ أبو نعيم في الحلية ٩/١٨٠، وابن الجوزي في المناقب ص٥٠٤،٥٠٥. ٢ ابن الجوزي في المناقب ص٥٠٥، والذهبي في سير الأعلام ١١/٣٤٠، والمقدسي في مناقب الأئمة الأربعة ص١٥٧. ٣ تاريخ بغداد ٤/٤٢٣، وأبو نعيم في الحلية ٩/١٨٠، وابن الجوزي في المناقب ص٤١٩، والمزي في تهذيب الكمال١/٤٦٨، والذهبي في سير الأعلام ١١/٣٤٣، وقال الذهبي: هذه حكاية منكرة (أي قصة إسلام عشرين ألفا من اليهود والنصارى في يوم وفاة الإمام أحمد)، تفرد بنقلها هذا المكي عن هذا الوركاني، ولا يُعرف، ثم العادة والعقل تُحيل وقوع مثل هذا: وهو إسلام ألوف من الناس لموت ولي الله، ولا ينقل ذلك إلا مجهول لا يعرف، فلو وقع ذلك لاشتهر، ولتواتر لتوفر الهمم والدواعي على نقل مثله، بل لو أسلم لموته مائة نفس لقضى من ذلك العجب، فما ظنك؟! ا. هـ. وبنحو ذلك ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام ١٨/١٤٣.
[ ٢٤٦ ]
وأورد الخطيب أبوبكر في تاريخ بغداد: قال علي بن المديني: أيَّد الله هذا الدين برجلين لا ثالث لهما، بأبي بكر الصديق ﵁ يوم الرِّدة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة١.
وقال ابن عدي الحافظ: جميع الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ تدور على هذين الرجلين، يعني أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فما قبلاه فهو المقبول وما ردَّاه فهو المردود.
جاء يحيى بن معين إلى أحمد بن حنبل] ١٣٥/أ [وهو مريض فسلَّم عليه، فلم يرد السلام، وكان أحمد قد حلف بالعهد أن لا يكلّم أحدًا ممن أجاب في الفتنة حتى يلقى الله، فما زال يعتذر ويقول: حديث عمار وقال الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَان﴾ ٢ فحوَّل أحمد وجهه إلى الجانب الآخر فقال يحيى: لا تقبل عذرًا، فخرجت بعده وهو جالس على الباب فقال: إيش قال أحمد بعدي؟ قلت: قال: يحتج بحديث عمار وحديث عمار: مررت بهم وهم يسبونك فنهيتهم فضربوني، وأنتم قيل لكم نريد أن نضربكم. فسمعت يحيى بن معين مُسِّر: يا أحمد غفر الله لك، فما رأيت والله تحت سماء الله أفقه في دين الله منك٣.
_________________
(١) ١ تاريخ بغداد ٤/٤١٨، والذهبي في سير الأعلام ١١/٢٠١. ٢ سورة النحل /١٠٦. ٣ ذكره ابن الجوزي في المناقب ص٤٧٤، ٤٧٥ وقال ابن الجوزي: إذا ثبت أن القوم أجابوا مكرهين فقد استعملوا الجائز، فلمَ هجرهم أحمد؟. فالجواب من ثلاثة وجوه: أحدها: أن القوم توعدوا ولم يضربوا فأجابوا، والتواعد ليس بإكراه، وقد بان هذا بما ذكرناه من حديث يحي بن معين. والثاني: أنه هجرهم على وجه التأديب ليعلم تعظيم القول الذي أجابوا عليه، فيكون ذلك حفظًا لهم من الزيغ. والثالث يقال: إن معظم القوم لما أجابوا قبلوا الأموال وترددوا إلى القوم وتقربوا منهم، ففعلوا ما لا يجوز، فلهذا استحقوا الذم والهجر. اهـ
[ ٢٤٧ ]
وقد رثاه المتقدمون والمتأخرون ما حكى لي أبو طاهر الأصبهاني قال: سمعت الإمام أبا المظفر محمد بن أبي العباس الأبيوردي الأموي١ قال: رأيت عبد الله بن أحمد في المنام يقول: لم لا تقول فطال ما نصرتم السنة. فلما أصبحت قلت:
سقى الأوْطَف الساري ضريح ابن حنبل ورفَّ به روض من الزهر أَغْيَدُ
ففيه النهى والعلم والحلم والتقى وتحت صفيح القبر مجدٌ وسُودد
أعيد به الإسلام غضًا فلم يزل يرفع من بنيانه ويشيد
وما الردة الأولى وقد قل عربها عتيق وبيض الهند في الهام تغمد
بأدهى من الأخرى التي شَبَّ نارها وقد كاد أنوار الشريعة تخمد
رمى أحمد الغاوي بها فرقة الهدى فأطفاها شيخ الأئمة أحمد
ولم يثنه عن نصرة الدين موطن به الدم يمريه الحسام المهنَّد
وساوره أعداؤه ثم أحجموا فولوا شلالًا والفرائص ترعد
وقوَّم در الملحدين بحجة يقوم لها الجهمي طورًا ويقعد
_________________
(١) أبو المظفر الأموي العنبسي اللغوي، شاعر وقته، وصاحب التصانيف، موصوف بالدين والورع، توفي سنة ٥٥٧هـ (ر: ترجمته في وفيات الأعيان ٤/٤٤٤، سير الأعلام ١٩/٢٨٣ للذهبي) .
[ ٢٤٨ ]
فغضبته لله أودت ببدعة لو انتشرت عنهم لما كان يعبد
وكل حديث لم يصححه مظلم على ناقليه طرقه حين يُسندُ
هو الربعي المحضُ ليس يعبه من المضريين الثناء المخلد
سأهدي إليه كل يوم قصيدة تُلَذُّ بأفواه الرواة نشد
محبَّرة سنية أموية تغور بها هوج المطايا وتنجد
ومن كان لا يصفيه في الله وُدُّه ولا يتقرى هديه فهو ملحد] ١٣٦/أ [
[ ٢٤٩ ]