قال بلال الخواص: كنت في تيه بني إسرائيل فإذا رجل يماشيني فتعجبت، ثم ألهمت أنه الخضر فقلت له: بحق الحق من أنت؟ فقال: أخوك الخضر. فقلت له: أريد أن أسألك. فقال: سل. فقلت: ما تقول في الشافعي؟ فقال: هو من الأوتاد. قلت: فما تقول في أحمد بن حنبل؟ قال: رجل صدّيق. قلت: فما تقول في بشر بن الحارث؟ فقال: لم يُخْلِفْ بعده مثله. فقلت: بأي وسيلة رأيتك؟ قال: ببرك أمك٢.
_________________
(١) ١ إضافة يقتضيها السياق بدليل ما سبق وما سيأتي في تقسيم المؤلف، ولعلها سقطت من الناسخ. ٢ أبو القاسم القشيري في الرسالة القشيرية ص٣١، وابن الجوزي في المناقب ص١٨٨. قلت: إن الأئمة ﵏ في غنى عن هذه الأساطير والخرافات الصوفية في إثبات فضائلهم ومناقبهم وكراماتهم، فإن الخضر ﵊ من أنبياء الله الكرام، لم يكتب الله له ولا لغيره من الخلق الخلود في الدنيا. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ سورة الأنبياء /٣٤، وقال ﷺ: "أرايتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مئة سنة منها لا يبقى على ظهر الأرض ممن هو اليوم عليها أحد" أخرجه البخاري ١/٥٨، ومسلم ٤/١٩٦٥. وقد أجمع المحققون من العلماء كالإمام البخاري والإمام إبراهيم الحربي والقاضي ابن العربي والإمام ابن تيمية وابن القيم والحافظ ابن حجر وغيرهم كثير - أجمعوا على أن الخضر ﵊ قد مات منذ أمد بعيد. وأما ما يروى في بقاء الخضر من الروايات فيقول الإمام ابن القيم في كتابه المنار المنيف ص٦٧: "والأحاديث التي يذكر فيها الخضر وحياته كلها كذب، ولا يصح في حياته حديث واحد". اهـ وبمثله ذكره ابن الجوزي والحافظ ابن كثير والحافظ ابن حجر. (ر: للتوسع: المنار المنيف في الصحيح والضعيف لابن القيم، الزهر النضر في نبأ الخضر للحافظ ابن حجر) .
[ ٢٢٠ ]
وقد روى أبو هريرة وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تسبّوا قريشًا فإن عالمها يملأ الأرضعلمًا" ١ وفي رواية قال: "عالمها يملأ طبق الأرض".
فأجمعت الأمة على أن هذا في الشافعي ﵁] ١٢٧/ب [فما خرج من قريش فقيه وإمام يبلغ علمه جميع البلاد والأكناف والأطراف، يمنًا وحجازًا وشامًا وعراقًا والثغور وخراسان وما وراء النهر إلا الشافعي رضي الله عنه٢.
قال أحمد بن حنبل ﵁: إني لأدعو لمحمد بن إدريس في صلاتي منذ أربعين سنة، فما كان فيهم - يعني الفقهاء - أتبع لحديث رسول الله ﷺ منه٣.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي
_________________
(١) ١ أخرجه أبو نعيم في الحلية ٩/٦٥، والخطيب في تاريخ بغداد ٢/٦٠،٦١، والبيهقي في مناقب الشافعي ١/٢٦، وذكره الذهبي في سير الأعلام ١٠/٨٢ وقال: في إسناده النضر بن حميد، قال فيه أبو حاتم: متروك الحديث. اهـ. قلت: كما في الجرح والتعديل ٨/٤٧٦، ٤٧٧. ٢ ذكر ذلك أبو نعيم والخطيب البغدادي، ونقله البيهقي في المناقب ١/٢٩، ٣٠ مطوّلًا. ٣ ابن عبد البر في الانتقاء ص١٢٩، والبيهقي في المناقب ٢/٢٥٤.
[ ٢٢١ ]
فإني أسمعك تكثر من الدعاء له؟ فقال لي: يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو منهما عِوض١.
قال الفضيل بن زياد: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما أحد أمسك في يده محبرة وقلمًا إلا وللشافعي في عنقه مِنَّة٢.
وقال أحمد: يروى في الحديث عن النبي ﷺ: "أن الله يمن على أهل دينه في رأس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي يَسُنُّ لهم أمر دينهم"٣ وإني نظرت في مائة سنة فإذا هو رجل من آل رسول الله ﷺ عمر بن عبد العزيز، وإني نظرت في المائة الثانية فإذا هو محمد بن إدريس الشافعي٤.
قال المزني: سمعت الشافعي يقول في معنى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ
_________________
(١) ١ ابن عبد البر في الانتقاء ص١٢٥، والمزي في تهذيب الكمال ٢٤/٣٧١، والمقدسي في مناقب الأئمة ص١٠٨. ٢ ابن عبد البر في الانتقاء ص١٢٩، والبيهقي في المناقب ٢/٢٥٥، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٤٧، وابن حجر في توالي التأسيس ص٥٧. ٣ أخرجه ابو داود (ح٤٢٩١) والخطيب في تاريخ بغداد ٢/٦١،٦٢، والبيهقي في المناقب ١/٥٣،٥٤، والحاكم ٤/٥٢٢ عن أبي هريرة ﵁. قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره للحديث في توالي التأسيس ص٤٨: إسناده قوي. اهـ ٤ ابن عبد البر في الانتقاء ص١٢٦، والخطيب في تاريخ بغداد ٢/٦٢، وأبو نعيم في الحلية ٩/٩٧، والبيهقي في المناقب ١/٥٥،٥٦، والمزي في تهذيب الكمال ٢٤/٣٦٥، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٤٦، والحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ٩/٢٥.
[ ٢٢٢ ]
عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ ١ قال: إن عدتم إلى الذنب عُدْنا إلى المهل لتتوبوا.
وللشافعي ﵁] ١٢٨/أ [:
يا ناظري بالكسوة البالية تحت ثيابي همة عالية
وإنما الناس بآدابهم والمال في أيديهم عارية٢
سئل إسحاق بن راهويه عن وضع الشافعي هذه الكتب وإنما كان عمره قصيرًا؟ فقال إسحاق - ﵀ -: إنما عجَّل الله ﷿ عقله لقلة عمره٣.
قال أحمد بن حنبل: ما زالت أقفيتنا في أيدي أصحاب الرأي، حتى جاء الشافعي فانتزعها من أيديهم٤.
قال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال: تعال حتى أريك رجلًا لم تر عيناك مثله. قال: فأقامني على الشافعي٥.
وعن هلال بن العلاء قال: منَّ الله ﷿ على هذه الأمة بأربعة، بالشافعي لفقهه في زمانه، وبأبي عبيد القاسم بن سلاّم٦ فسّر غرائب
_________________
(١) ١ سورة الإسراء /٨. ٢ أبو نعيم في الحلية ٩/١٣١ مع بعض الاختلافات اللفظية. ٣ البيهقي في المناقب ١/٢٥٨. ٤ أبو نعيم في الحلية ٩/٩٨، والبيهقي في المناقب ١/٢٢٤. ٥ ابن عبد البر في الانتقاء ص١٢٤،١٢٥، والبيهقي في المناقب ٢/٢٥١. ٦ القاسم بن سلام الهروي الخزاعي، إمام في التفسير والحديث واللغة والفقه، توفي سنة٢٢٤هـ (ر: ترجمته في تاريخ بغداد ١٢/٤٠٣، وسير الأعلام ١٠/٤٩٠) .
[ ٢٢٣ ]
حديث النبي ﷺ، وبيحيى بن معين١ نفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة٢.
وعن الحسين بن محمد الكرابيسي قال: ما رأيت مجلسًا أنبل من مجلس الشافعي، كان يحضره أهل الحديث وأهل الفقه والشعر، وكل يتعلم منه ويستفيد.
وقال أيضًا: ما رأيت مثل الشافعي، ولا رأى الشافعي مثل نفسه٣.
وعن أبي ثور قال: لو لم يقدم علينا الشافعي للقيت الله ضالًا٤.
وعن أبي عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد المعروف بغلام ثعلب قال: سمعت ثعلبًا يقول: الشافعي إمام في اللغة٥.
وعن أبي عبد الله نفطويه قال: مثل الشافعي في العلماء مثل البدر في نجوم السماء٦.
وعن الربيع قال: كان الشافعي يناظر الناس على قدر أفهامهم، ولو ناظرهم على فهمه ما فهموا] ١٢٨/ب [عنه٧.
_________________
(١) ١ يحيى بن معين، الإمام الحافظ المتقن، كان بصيرًا بعلل الحديث، توفي سنة ٢٣٣هـ. (ر: ترجمته في تاريخ بغداد ١٤/١٧٧) . ٢ البيهقي في المناقب ٢/٢٧٧، ٢٧٨، ٢٧٩. ٣ البيهقي في المناقب ٢/٢٦٤، ٢٦٦، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٤٦. ٤ البيهقي في المناقب ١/٢٢١، ٢٢٢. ٥ المرجع السابق ٢/٥١. ٦ المرجع السابق ٢/٢٨١. ٧ البيهقي في المناقب ١/٧٨ بنحوه.
[ ٢٢٤ ]
وعن البويطي قال: سمعت الشافعي يقول: لَوَدَدْت أنه يعمل بحديث رسول الله ﷺ ولا أعد من أهل العلم١.
وعن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي - وحضر ميتًا فلما سجَّينا عليه نظر إليه - فقال: اللهم بغناك عنه وفقره إليك اغفر له٢.
قال إسحاق بن راهَويْه: الشافعي إمام٣.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلًا قط أعقل وأكمل من الشافعي٤.
قال الحسن بن علي القراطيسي: كنت عند أبي ثور فجاء رجل فقال: أصلحك الله، فلان يقول قولًا عظيمًا. قال: وما سمعته يقول؟ قال سمعته يقول: الشافعي أفقه من الثوري. قال: هو عندي أفقه من الثوري ومن النخعي.
قال يونس بن عبد الأعلى: رأيت الشافعي عند عبد الله بن وهب فلما قام قال لي ابن وهب: ما رأيت رجلًا أيقظ ولا أفهم برد الجواب ولا أعظم مروءة من هذا - يعني الشافعي-. وقد لقي ابن وهب مالكًا والليث وابن أبي ذئب والماجشون وغيرهم.
_________________
(١) ١ ابن عبد البر في الانتقاء ص١٣٨،١٣٩، والمقدسي في مناقب الأئمة ص١١٢ بنحوه. ٢ ذكره البيهقي في مناقب الشافعي ٢/١٧٩، وابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه ص٨٥. ٣ البيهقي في المناقب ٢/٢٦١، والرازي في المناقب ص٢١، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٤٧، وابن حجر في توالي التأسيس ص٥٧. ٤ البيهقي في المناقب ٢/١٨٥،٢٥١، وابن حجر في توالي التأسيس ص٥٥، وابن كثير في البداية والنهاية ١٠/٢٥٣.
[ ٢٢٥ ]
وكان الحميدي إذا جرى عنده ذكر الشافعي قال١: حدثنا سيد الفقهاء٢. قال: وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: ما رأت عيني قط مثل الشافعي٣.
قال الحسين بن علي الكرابيسي٤: بِتُّ مع الشافعي ثمانين ليلة كان يصلي نحو ثلث الليل، لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله لنفسه وللمؤمنين أجمعين، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوّذ بالله منها، وسأل النجاة لنفسه ولجميع المسلمين، وكأن جُمع له الرجاء والرهبة٥.
قال أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي] ١٢٩/أ [- وكان رجلًا ورعًا عفيفًا صائنًا- رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله أكتب رأي أبي حنيفة؟ قال: لا. قلت: يا رسول الله أكتبُ رأي مالك؟ قال: لا تكتب من رأي مالك إلا ما وافق حديثي. قلت: أكتب رأي الشافعي؟
_________________
(١) ١ في (ص) زاد "قال" وهو خطأ من الناسخ. ٢ البيهقي في المناقب ٢/٢٦٩، والمزي في تهذيب الكمال ٢٤/٣٧٤. ٣ البيهقي في المناقب ٢/٢٧٢. ٤ أبو علي الحسين بن علي الكرابيسي، كان متكلما عارفا بالحديث، له تصانيف كثيرة في أصول الفقه وفروعه، مات سنة خمس وقيل ثمان وأربعين ومائتين. (ر: طبقات الفقهاء ص١٠٢ للشيرازي) . ٥ ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٢/٦٣، والمزي في تهذيب الكمال ٢٤/٣٦٧، والبيهقي في مناقب الشافعي ٢/١٥٨، والذهبي في سير الأعلام١٠/٣٥، وأبو عبد الله المقدسي في مناقب الأئمة الأربعة ص١٠٥.
[ ٢٢٦ ]
فرفع رأسه وانتهرني وهو غضبان وقال: لا تقل رأي الشافعي فإنه ليس برأي، ولكنه ردَّ من خالف سنتي١.
قال أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري صاحب التصانيف الكثيرة: رأيت النبي ﷺ في المنام ببغداد في المحرم سنة ست وتسعين وثلثمائة فقلت: يا رسول الله ما تقول في صحيح البخاري؟ قال: كله صحيح أو جيد لو أدخل الشافعي فيه٢.
_________________
(١) ١ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء ص١٠٥،١٠٧، وأبو نعيم في الحلية ٩/١٠٠، والبيهقي في المناقب ١/٢٧٢، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٤٣. قال محقق السير معلقًا: "ومتى كان المنام حجة عند أهل العلم؟ فمالك وأبو حنيفة وغيرهما من الأئمة العدول الثقات اجتهدوا، فأصاب كل واحد منهم في كثير مما انتهى إليه اجتهاده فيه وأخطأ في بعضه، وكل واحد منهم يؤخذ من قوله ويرد، فكان ماذا؟. اهـ قلت: فإن الأئمة المجتهدين كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم لم يقل واحد منهم لأتباعه: اتبعوني وخذوا بجميع أقوالي واتركوا النظر في الدليل، وإنما ثبت عن كل واحد من الأئمة قوله: "إذا خالف قولي قول رسول الله ﷺ فالحجة في قول رسول الله ﷺ واضربوا بقولي عرض الحائط"، وجميعهم أصحاب فضل وعلم واجتهاد، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد، فالموفق للخير من والى هؤلاء الأئمة، وعرف فضلهم، وقدّر جهودهم ولم يعتقد العصمة فيهم. ٢ قال الحافظ الخطيب البغدادي: فترك البخاري الاحتجاج بالشافعي، إنما هو لا لمعنى يوجب ضعفه، لكن غَنِيَ عنه بما هو أعلى منه، إذ أقدم شيوخ البخاري مالك، والدَّراوَرْدي، وداود العطار، وابن عييينة، والبخاري لم يدرك الشافعي بل لقي من هو أسن منه، كعبيد الله ابن موسى، وأبي عاصم ممن رووا عن التابعين، وحدَّثه عن شيوخ الشافعي عدة، فلم ير أن يروي عن رجل عن الشافعي عن مالك. قال الخطيب: والبخاري يتَّبع الألفاظ بالخبر في بعض الأحاديث ويراعيها، وإنا اعتبرنا روايات الشافعي التي ضمَّنها كتبه، فلم نجد فيها حديثًا واحدا على شرط البخاري أغرب به، ولا تفرد بمعنى فيه يشبه ما بيناه - وهو أن البخاري لم يرو حديثًا نازلًا وهو عنده عالٍ، إلا لمعنى ما يجده في العالي - ومثل ذلك القول في ترك مسلم إياه، لإدراكه ما أدرك البخاري من ذلك، وأما أبو داود فأخرج في (سننه) للشافعي غير حديث، وأخرج له الترمذي، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم. ا. هـ (نقله الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٠/٥٦) . وقال الحافظ ابن كثير: "وإنما لم يخرِّج له - أي الإمام الشافعي - صاحبا الصحيح لنزول إسناده عندهما، وإلا فجلالته وإمامته مجمع عليها. (ر: مناقب الإمام الشافعي ص١٤٠) . وقد سبق التعليق على أن الرؤى والمنامات ليست من طرق العلم وإثبات الأدلة عند أهل العلم.
[ ٢٢٧ ]