اعلم أن الدين مبني على أصلين: على الشرع المنقول، وعلى قضيات العقول١، فالنقل والعقل أصلان يتصلان مرة وينفصلان أخرى.
اعلم أن العقل لا يهتدي إلا بالشرع، والشرع لا يتبيَّن إلا بالعقل، وذلك أن الإنسان لا يدخل تحت خطاب الشرع إلا بوجود العقل فيه، قال النبي ﷺ: رفع القلم عن [ثلاثة] ٢، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق ٣. وقال النبي ﷺ: "قسم الله العقل ثلاثة أجزاء، فمن كن فيه كمل عقله، ومن لم يكنَّ فيه فلا عقل له، حسن المعرفة
_________________
(١) ١ العقل يقع بالاستعمال على أربعة معان: الغريزة المدركة، والعلوم الضرورية، والعلوم النظرية، والعمل بمقتضى العلم. (ر: إحياء علوم الدين ١/٨٥،٨٦ لأبي حامد الغزالي، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٩/٢٨٧،٣٠٥،١٦/٣٣٦، ودرء تعارض العقل والنقل ١/٨٩، منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد ١/١٥٨-١٦ عثمان بن علي) . ٢ في ص (ثلاث) والتصويب من نص الحديث. ٣ أخرجه أحمد١/١١٦، ١١٨، ١٤٠، وأبو داود (ح ٤٣٩٩، ٤٤٠٠، ٤٤٠١، ٤٤٠٢، ٤٤٠٣)، والترمذي (ح١٤٢٣)، والحاكم٢/٥٩، ٤/٣٨٩ عن علي ﵁ بلفظ مقارب. قال الترمذي: حديث حسن غريب، وصححه الحاكم. وأخرجه أحمد ٦/١٠٠، وأبو داود (ح٤٣٩٨) . عن عائشة ﵂. قال الألباني: حديث صحيح روي عن جماعة من الصحابة. (ر: إرواء الغليل ٢/٤،٥) .
[ ٩١ ]
بالله، وحسن الطاعة له، وحسن الصبر على أمره"١.
قال بعض العلماء٢: معرفة الله تعالى أن يعلم أن الله خالق العالم بما فيه، وهذه المعرفة للكفار أيضًا، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٣ وحسن المعرفة أن يوحّده وينفي عنه التشبيه في الذات والتعطيل من الصفات، فيصفه بما وصف به نفسه من الصفات وبما وصفه به رسول الله ﷺ، ولا يمثله في صفاته وذاته
_________________
(١) ١ حديث موضوع، أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ١/٢١، ٣/٣٢٣، وابن الجوزي في الموضوعات ١/١٧٢، والسيوطي في الدر المنثور ١/١٥٩ وفي اللآلئ المصنوعة ١/٦٦، وابن عراق في تنزيه الشريعة ١/١٧٥. قال أبو الفتح الأزدي: لا يصح في العقل حديث، قاله أبو جعفر العقيلي، وأبو حاتم بن حبان، نقل ذلك الإمام ابن القيم وقال: أحاديث العقل كلها كذب (ر: المنار المنيف في الصحيح والضعيف ص٦٦،٦٧ لابن القيم) . وقال الشيخ الألباني: ومما يحسن التنبيه عليه أن كل ما ورد في فضل العقل من الأحاديث لا يصح فيها شيء، وهي تدور بين الضعف والوضع. (ر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة١/١٣) . ٢ لعله الإمام أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني المتوفى سنة ٤٨٩هـ، فقد نقل بعض معنى كلامه المذكور الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني في كتابه (الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة) في مواضع متفرقة انظر: ١/٣١٤-٣٢٢، ٢/١١٥،١١٦. ٣ سورة لقمان /٢٥.
[ ٩٢ ]
بالمخلوقات، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ] ٩٨/أ [وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
والطاعة الانقياد لأمره، وحسنها اجتناب الرياء والشرك الخفي، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٢.
والصبر على أمره السكون تحت حكمه، وحسن الصبر الرضى بقضائه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ ٦ وقال النبي ﷺ: "أكثر أهل الجنة البُله"٧ وعليون لأولي الألباب.
_________________
(١) ١ سورة الشورى /١١. ٢ سورة الكهف /١١٠. ٣ سورة الرعد /١٩. ٤ سورة العنكبوت /٤٣. ٥ سورة ق /٣٧. ٦ سورة آل عمران /١٩٠. ٧ أخرجه ابن عدي في الكامل ٣/٣١٣ في ترجمة سلامة بن روح عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس ﵁ مرفوعًا. قال ابن عدي: وهذا الحديث بهذا الإسناد منكر، لم يروه عن عقيل غير سلامة. اهـ وقال الهيثمي في المجمع ٨/٨٢، ١٠/٢٦٧: رواه البزار وفيه سلامة بن روح، وثقه ابن حبان وغيره، وضعّفه أحمد بن صالح وغيره، وروايته عن عقيل وجادة.
[ ٩٣ ]
إلا أن العقل لا يهتدي إلا بالشرع كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ ١. والعقل لا مدخل له في إيجاب ولا حظر وإنما خلقه الله تعالى لإدراك العلوم كسائر الحواس.
ثم الأصل الثابت: الشرع المنقول الذي شرعه الله تعالى على لسان الأنبياء ﵈ وأمر العقلاء باتباعه، قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٤ الآية، ولم يقل فردوه إلى مجرد العقول.
قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا َذَكَّرُونَ﴾ ٥ وقال تعالى مخبرًا عن نبيه يوسف ﵇: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوب﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ
_________________
(١) ١ سورة المائدة /١٦. ٢ سورة الكهف /١١٠، سورة فصلت /٦. ٣ سورة الأنبياء /٢٥. ٤ سورة النساء /٥٩. ٥ سورة الأعراف /٣. ٦ سورة يوسف /٣٨.
[ ٩٤ ]
بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ١] ٩٨/ب [، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ ٣.
وقال النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" ٤.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ٧، فبيّن سبحانه أنه لا يعذب قبل بعثة الرسل، فَعُلم أن وجوب الأشياء بالسمع، وأن الشرع كالأمير والعقل كالوزير، يأمر الأمير فينفذ الوزير أمره ويتبع حكمه، والعقل جُعل آلة للتمييز كالميزان للموزون.
_________________
(١) ١ سورة البقرة /١٣٧. ٢ سورة الزمر /١٨. ٣ سورة الأعراف /١٥٧. ٤ أخرجه البخاري (ر: فتح الباري ١/١١)، ومسلم ١/٥١-٥٢ وأحمد ١/١١،١٩، والترمذي (ح٢٦٠٦،٢٦٠٧)، وأبو داود (ح١٥٥٦) عن أبي هريرة ﵁. ٥ سورة الإسراء /١٥. ٦ سورة طه /١٣٤. ٧ سورة غافر /٥٠.
[ ٩٥ ]
والحجة هي أمر من وجب الإذعان لطاعته، وإنما يُعرف ذلك الأمرُ بالعقل، ويتوجَّه على من رزق العقل دون من حُرِمه.
فلما استقر في العقل وجود الباري ﷾ وكونه آمرًا مفترض الطاعة، وثبت فيه وجوب القبول من الرسول ﷺ بعد قيام الأدلة بصدقه ونبوته وامتناع الكذب عليه، لم يبق للعقل أكثر من تأمل الأوامر والمصير إليها، فالشرع حاكم على العقل والعقل ليس بحاكم عليه، والعقل أيضًا كالمرآة التي جعلت لرؤية الأشياء في مقابلتها إذا كانت غير صدية، وقيل: العقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمدّه، وقيل: الشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما يتعاضدان ولكون الشرع عقلًا من خارج سلب الله تعالى اسم العقل من الكافر في غير موضع من القرآن فقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ] ٩٩/أ [لا يَعْقِلُونَ﴾ ١، ولكون العقل شرعًا من داخل قال في صفة العقل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ٢، ولكونهما متحدين قال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ٣ أي نور العقل ونور الشرع ثم قال: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٤ فجعلهما نورًا واحدًا.
_________________
(١) ١ سورة البقرة /١٧١. ٢ سورة الروم /٣٠. ٣ سورة النور /٣٥. ٤ سورة النور/٣٥، قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ورد عن ابن عباس ﵄ في تفسيره قال: يعني بذلك إيمان العبد وعمله، وقال السدي: نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه، وقوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي يرشد الله إلى هدايته من يختاره. (ر: تفسير الطبري ١٨/١٤٣، تفسير ابن كثير٣/٣٠٢، وفتح القدير ٤/٣٤) .
[ ٩٦ ]
واعلم أن العقل بنفسه من غير شرع لا ينفع، فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة والأفعال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا والآخرة، ومن عدل عنه فقد ضلَّ سواء السبيل.
فالشرع وأحكامه من وجه دواء للآلام وشفاء للأسقام، تولى إيجاده من له الخلق والأمر، يفيد الحياة الأبدية والسلامة الدائمة كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ ١ ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤.
ومن وجه ماءٌ مطهر مزيل للأنجاس، قال تعالى في صفة القرآن: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ ٥ جاء في التفسير٦: أنزل من السماء كتابًا فاحتمله قلوب الرجال على قدر عقولها.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام /١٢٢. ٢ سورة فصلت /٤٤. ٣ سورة يونس /٥٧. ٤ سورة الإسراء /٨٢. ٥ سورة الرعد /١٧. ٦ بنحوه في تفسير الطبري ١٣/١٣٤، وتفسير ابن كثير ٢/٥٢٦.
[ ٩٧ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١.
ومن وجه نور وسراج مزيل للظلمة كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ ٢ الآية. وكما قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية٣.
ومن وجه الطريق المستقيم كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ ٤.
ومن وجه معتَصمٌ كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ ٥، فوجب اتباع الشرع على كافة الأنام.
فإن قيل: إذا أمرتم بالاتباع فهو تقليد والتقليد حرام، قال الله تعالى في ذم التقليد: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ ٦.
الجواب: أن التقليد قبول قول الغير من غير حجة، وقول الله] ٩٩/ب [تعالى وقول رسوله ﷺ نفس الحجة. قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب /٣٣. ٢ سورة المائدة /١١٥. ٣ سورة النور/٣٥. ٤ سورة الأنعام /١٥١. ٥ سورة آل عمران /١٠٣. ٦ سورة الزخرف /٢٢،٢٣. ٧ سورة النساء /١٦٥.
[ ٩٨ ]