والركن الثاني للإسلام نص السنة الصحيحة١ بنقل العدول
_________________
(١) ١ السنة في اللغة: الطريقة والسيرة حسنة كانت أو سيئة. وفي الاصطلاح يختلف معناها عند كل من المحدثين والأصوليين والفقهاء، وإن كانوا يتفقون على أنها سنة النبي ﷺ. فالسنة عند المحدّثين هي: "ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، أوصفة خُلُقية أو خَلْقية، سواء كان قبل البعثة أو بعدها"، إذ غرضهم معرفة ما كان عليه النبي ﷺ في أحواله كلها سواء أفاد حكمًا شرعيًا أم لم يفد. والسنة عند الفقهاء: "هي ما ثبت عنه ﷺ من حكم هو دون الفرض والواجب"، لأن الفقهاء عنوا بالبحث عن حكم الشرع على أفعال العباد وجوبًا أو حرمة أو إباحة. وأما عند الأصوليين فهي: "ما نقل عنه ﷺ من قول أو فعل أو تقرير"، لأنهم عنوا بمصادر الشريعة والأدلة الشرعية، فنظروا إلى السنة من جهة كونها مصدرًا أو دليلًا تثبت الأحكام وتقررها. (ر: منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد ١/٨٢،٨٣ عثمان بن علي حسن) . وهذا التعريف هو المراد في قول المؤلف - ﵀- في بيانه لأركان مصادر علم الشريعة، وإن كانت الأدلة والآثار التي أوردها المؤلف تدل على معنى أوسع وأشمل للسنة - التي تقابلها البدعة - فالسنة في تعريف السلف - ﵏- هي كما يقول الحافظ ابن رجب: والسنة هي الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو ﷺ وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة، ولهذا كان السلف قديمًا لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك.اهـ (ر: جامع العلوم والحكم ص٢٤٩) . ويقول الإمام ابن تيمية: ولفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي الاعتقادات، وإن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات، وهذا كقول ابن مسعود وأُبيُ بن كعب وأبي الدرداء - ﵃-: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة. اهـ (ر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص٧٧) .
[ ٦٦ ]
الثقات، قال الله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ١. جاء في التفسير أن الحكمة السنةُ٢. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٤. وجاء في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ٥، قيل: لَزِمَ السنة والجماعة٦، عن سعيد بن جبير٧. وقال تعالى: ﴿فَلا
_________________
(١) ١ هذه الآية جزء من ثلاث آيات وردت في القرآن الكريم: أ- سورة البقرة/١٢٩ ب- سورة آل عمران/١٦٤، ج- سورة الجمعة /٢. ٢ قاله الحسن وقتادة ومقاتل بن حيان وأبو مالك وغيرهم. (ر: تفسير الطبري ١/٥٥٧، والإبانة ١/٣٤٥ لابن بطة، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة١/٧١ لللالكائي، وتفسير ابن كثير١/١٩٠) . ٣ سورة الحشر /٧. ٤ سورة النساء /٨٠. ٥ سورة طه /٨٢. ٦ أخرجه الإمام ابن بطة في الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية (رقم ٧٨،٨٧)، والإمام اللالكائي في شرح الأصول (رقم ٧٢) وفي إسناده عبد الله بن خراش الشيباني. ذكره الذهبي في ترجمة عبد الله بن خراش، وذكر عن البخاري أنه منكر الحديث (ر: الميزان ٢/٤١٣) . ٧ هو الإمام الحافظ المقرئ المفسر أبو محمد سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الكوفي، من خيار التابعين وأئمتهم، ثقة ثبت، قتله الحجاج سنة ٩٤هـ بسبب خروجه مع ابن الأشعث (ر: الحلية: ٤/٢٧٢، الطبقات ٦/٢٥٦، سير أعلام النبلاء٤/٣٢١) .
[ ٦٧ ]
وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢.
وقال النبي ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٣. وقال ﷺ: "من أحيا سنتي فقد أحياني، ومن أحياني كان معي في الجنة" ٤. وفي رواية أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أكل طيبًا، وعمل في سُنَّةٍ، وأَمِنَ الناس بَوَائِقَهُ دخل الجنة". فقال رجل: يا رسول الله إن هذا اليومَ في الناس لكثير. قال: "وسيكون في قرون بعدي" ٥.
_________________
(١) ١ سورة النساء /٦٥. ٢ سورة النور /٦٣. ٣ أخرجه أبو داود ح٤٦٠٧، والترمذي ح٢٦٧٦، وابن ماجه ح٤٢،٤٣ عن العرباض بن سارية ﵁ مرفوعًا. قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه الشيخ الألباني (ر: صحيح سنن ابن ماجه١/١٣ ح٤٠،٤١) . ٤ عزاه صاحب كنز العمال (ح١٩٩٨١) إلى الترمذي، وقد أخرجه الترمذي (ح٢٦٧٨) عن أنس ﵁ مرفوعًا بلفظ: " ومن أحيا سنتي فقد أحَبَّني، ومن أحبني كان معي في الجنة". قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وتعقبه الألباني بأن في إسناده: علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. (ر: حاشية مشكاة المصابيح ١/٦٢) . وأخرجه اللالكائي في شرح الأصول (ح٨) وابن بطة في الإبانة (ح٥١) من طريق أخرى فيه راويان مجهولان، فسنده ضعيف. ٥ أخرجه الترمذي ح٢٥٢٠، والحاكم ٤/١٠٤ وصححه ووافقه الذهبي، قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث إسرائيل. اهـ وقال الألباني - بعد ذكر استغراب الترمذي -: "وعلته أبو بشر راويه عن أبي وائل وهو مجهول، وصححه الحاكم من هذا الوجه ووافقه الذهبي فوهما" (ر: حاشية مشكاة المصابيح ١/٦٤، ضعيف الجامع ح٥٤٧٦) .
[ ٦٨ ]
وغير ذلك في الآثار والأخبار الواردة فيها، فإن الكتب مشحونة بها فاقتصرت على هذه الإشارة، ولم أذكر الإسناد لئلا يطول بذكره الكتاب.
وعن الأوزاعي١ قال: كان يقال خمس كان عليها أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في] ٩٥/أ [سبيل الله٢.
وقال سفيان الثوري٣: إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة وآخر بالمغرب فابعث إليهما بالسلام وادع لهما، ما أَقَلَّ أهل السنة والجماعة٤. قال
_________________
(١) ١ هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، ثقة فقيه جليل، توفي ببيروت سنة ١٥٧هـ. (ر: طبقات ابن سعد ٧/٤٨٨، الحلية٦/١٣٥، سير أعلام ٧/١٠٧، تهذيب التهذيب ٦/٢٣٨) . ٢ أبو نعيم في الحلية ٦/١٤٢، واللالكائي في شرح الأصول (رقم ٤٨)، والبغوي في شرح السنة ١/٢٠٩. ٣ هو الإمام المعروف: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، العالم الزاهد والفقيه العابد، ت ١٧٧هـ. (ر: طبقات ابن سعد ٦/٣٧١، الحلية ٦/٣٥٦، سير أعلام ٧/٢٢٩) . ٤ اللالكائي في شرح الأصول (رقم ٥٠) .
[ ٦٩ ]
أبوبكر بن عَيَّاش١: السنة في الإسلام، أعز من الإسلام في سائر الأديان٢.
وقال قتيبة٣: إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيى بن سعيد٤، وعبد الرحمن بن مهدي٥، وأحمد بن محمد بن حنبل٦، وإسحاق بن راهَويه٧ - وذكر قومًا آخرين- فإنه على السنة، ومن
_________________
(١) ١ هو أبوبكر بن عيَّاش بن سالم الأسدي الكوفي، المقرئ الفقيه المحدث، وفي اسمه أقوال أشهرها شعبة: ثقة عابد، ساء حفظه بعد كبره، وكتابه صحيح، ت ١٩٣هـ. (ر: الحلية ٧/٣٠٣، سير أعلام ٨/٤٩٥، تهذيب التهذيب ١٢/٣٤، والتقريب ٢/٣٩٩) . ٢ أبو نعيم في الحلية ٧/٣٠٣، واللالكائي في شرح الأصول (رقم ٥٤) . ٣ هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي، مولاهم البَلْخي البَغلاني، شيخ الإسلام، المحدث الإمام الثقة، راوية الإسلام. ت ٢٤٠هـ (ر: طبقات ابن سعد ٧/٣٧٩، تاريخ بغداد ١٢/٤٦٤، ٤٧٠، سير أعلام ١١/١٣، تهذيب التهذيب٨/٣٢١) . ٤ هو أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان التميمي البصري الأحول الحافظ، أحد الأئمة الثقات، قال عنه الإمام أحمد: "لم يكن في زمانه مثله" ت ١٩٨هـ (ر: طبقات ابن سعد ٧/٢٩٣، تهذيب التهذيب ١١/٢١٦) . ٥ عبد الرحمن بن مَهْدِي بن حسان، الإمام الناقد المجود، سيد الحفاظ، أبو سعيد العنبري، مولاهم البصري اللؤلؤي، قال ابن المديني: "لو حلفت بين الركن والمقام لحلفت أني لم أر مثل عبد الرحمن" ت ١٩٨هـ (ر: طبقات ابن سعد ٧/٢٩٧، الحلية ٩/٦٣، سير أعلام ٩/١٩٢، تهذيب ٦/٢٧٩) . ٦ ستأتي ترجمته مفصلة إن شاء الله تعالى. ٧ إسحاق بن رَاهَوَيْه، أحد الأعلام، كان إمامًا في الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد، ت ٢٣٨هـ. (ر: الحلية ٩/٢٣٤، سير أعلام ١١/٣٥٨، تهذيب ١/٢١٦) .
[ ٧٠ ]
خالف هؤلاء فاعلم أنه مبتدع١.
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ ٢، فكأن٣ علامة حبه إياهم اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
وعن عطاء٥ في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ٦، قال: "أولي الفقه وأولي العلم، وطاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة"٧.
وعن ميمون بن مهران٨ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ
_________________
(١) ١ أخرجه اللالكائي في شرح الأصول (رقم ٥٩) . ٢ سورة آل عمران /٣١. ٣ في رواية اللالكائي (وكان) . ٤ أخرجه اللالكائي في شرح الأصول (رقم ٦٨) عن الحسن رحمه الله تعالى. ٥ هو عطاء بن أبي رباح، أبو محمد القرشي، مولاهم المكي، الإمام مفتي الحرم، من ثقات التابعين، ت ١١٠هـ (ر: طبقات ابن سعد ٥/٤٦٧، سير أعلام ٥/٨٧، التهذيب٧/١٩٩) . ٦ سورة النساء /٥٩. ٧ أخرجه الطبري في تفسيره (٥/١٤٧-١٤٩)، والدارمي (رقم٢٢٥)، واللالكائي في شرح الأصول (رقم ٧١،٧٥)، والبيهقي في المدخل ص٢١٤ مختصرًا. ٨ هو أبو أيوب ميمون بن مهران الجزري الرَّقي، الإمام الحجة، عالم الجزيرة وفقيهها، ثقة فقيه، ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، ت ١١٧هـ (ر: طبقات ابن سعد ٦/٢٨٨، الحلية ٤/٨٢، سير أعلام ٥/٧١، تهذيب التهذيب ١٠/٣٩٠) .
[ ٧١ ]
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١: "ما دام حيًّا فإذا قبض فإلى سنته"٢.
قال الشافعي: الكتاب والسنة أو العَسْلى٣ والزنار٤.
وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة فقبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير٥، وكانت طائفة
_________________
(١) ١ سورة النساء /٥٩. ٢ أخرجه الطبري في تفسيره (٥/١٥١)، وابن بطة في الإبانة (رقم ٥٨،٥٩،٨٥،٨٦)، واللالكائي في شرح الأصول رقم: (٧٦)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ٢/١٨٧. ٣ العَسْل: يقال: عَسْلًا له، أي تعسًا له (ر: القاموس المحيط ص٥٠٦) . ٤ الزُنَّار: على وزن تفاح، حبل يشده النصارى على وسطهم، يقال: تزنر النصراني، أي شدّ الزنار على وسطه. (ر: القاموس ص٣٠٨، المصباح المنير ص٢٥٦) . ومعنى كلام الإمام الشافعي -والله أعلم- أن المسلم عليه أن يتمسَّك ويعمل بكتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ، وإذا لم يفعل ذلك فالتعاسة والخيبة له، ولبس الزنار أي الخروج من الإسلام والدخول في النصرانية، ويدَّل على صحة هذا المعنى ما رواه الحميدي قال: سأل رجل الشافعي بمصر عن مسألة فأفتاه وقال: قال النبي ﷺ كذا، فقال الرجل: أتقول بهذا؟ قال: أرأيت في وسطي زنارًا؟! أتراني خرجت من الكنيسة؟! أقول قال النبي ﷺ وتقول لي: أتقول بهذا! أروي عن رسول الله ﷺ ولا أقول به!!. اهـ (ر: المناقب ١/٤٧٤ للبيهقي، الحلية ٩/١٠٦ لأبي نعيم، وبنحوه في طبقات السبكي ٢/١٣٨) . ٥ الكلأ والعشب والحشيش كلها أسماء للنبات، لكن الكلأ يطلق على النبت الرطب واليابس معًا، والعشب للرطب فقط، والحشيش مختص باليابس، وفي الحديث ذكر العشب بعد الكلأ من باب ذكر الخاص بعد العام. (ر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٥/٤٦، فتح الباري١/١٧٦) .
[ ٧٢ ]
منها أجادب١ أمسكت الماء، فنفع الله [بها] ٢ الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها إنما هي قيعان٣ لا تُمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فَقُهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به"٤.
_________________
(١) ١ أجادب: جمع جَدَب وهي الأرض الصلبة التي تمسك الماء فلا ينضب منها، وقيل: هي الأرض التي لا نبات فيها، مأخوذ من الجَدْب وهو القحط. (ر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٥/٤٦، فتح الباري ١/١٧٦، والنهاية في غريب الحديث ١/٢٤٢ لابن الأثير) . ٢ في "ص" (به)، والتصويب من رواية الصحيحين. ٣ قيعان: جمع قاع وهو الأرض المستوعبة الماء التي لا تنبت، ويجمع أيضًا على أقوع وأقواع. (ر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٥/٤٦، فتح الباري ١/١٧٧) . ٤ أخرجه البخاري (ر: فتح الباري ١/١٧٥) ومسلم ٤/١٧٨٧ في كتاب الفضائل. والحديث يبين لنا أقسام الناس تجاه نصوص الوحي، حيث شبه النبي ﷺ لما جاء به من الدين بالغيث العام، وشبَّه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث: فالمثل الأول تندرج تحته طائفتان هما: الأولى: العالم العَامِل المُعَلِّم، فهو بمنزلة الأرض الطيبة، شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها. الثانية: الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه غير أنه لم يعمل بنوافله، أو لم يتفقه فيما جمع لكنه أدَّاه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به. والمثل الثاني يندرج تحته أيضا طائفتان هما: الأولى: من دخل في الدين ولم يسمع العلم أو سمعه فلم يعمل به ولم يعلّمه، ومثالها من الأرض السباخ وأشير إليها بقوله ﷺ "من لم يرفع بذلك رأسًا" أعرض عنه فلم ينتفع به ولا نفع. والثانية: من لم يدخل في الدين أصلًا، بل بلغه فكفر به، ومثالها من الأرض الصَّماء الملساء المستوية التي يمر عليها الماء فلا ينتفع به، وأشير إليها بقوله ﷺ "ولم يقبل هدى الله الذي جئت به". (ر: فتح الباري: ١/١٧٧ بتصرف يسير، وقارن ما ذكره ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية في اجتماع الجيوش الإسلامية ص١٦ وما بعدها) .
[ ٧٣ ]