اعلم أن الإمامة هي: التقدم في معنىً بالناس إلى معرفته حاجة، أو قضى عليهم الخوض فيه وارتكابه وإن كان بهم عنه غِنىً١.
والأئمة على ضربين: أحدهما: أئمة الهدى والدَّلالة، والثاني: أئمة الرَّدى والضلالة.
فأما أئمة الهدى فهم الذي قال الله تعالى فيهم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ٢، وقال ﷿: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ أورد هذا التعريف الإمام أبو نصر عبيد الله السجزي في كتابه: (رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت ص٢٠٥) تحقيق: د. محمد باكريم، وعرّف الراغب الأصفهاني الإمام بأنه: "المؤتمُّ به إنسانًا كأن يَقْتَديَ بقوله أو فعله، أو كتابًا أو غير ذلك، محقًا كان أو مبطلًا" (ر: المفردات ص٢٤) . وتطلق الإمامة في الاصطلاح على معان ثلاثة هي:
(٢) الإمامة الكبرى وهي الخلافة أو الملك أو رئاسة الدولة.
(٣) الإمامة الصغرى وهي إمامة الصلاة.
(٤) العالم المقتدى به. (ر: أحكام الإمامة والائتمام في الصلاة ص٦٢ د/ عبد المحسن المنيف) . والمقصود هنا من هذه المعاني: المعنى الثالث. ٢ سورة السجدة /٢٤. ٣ سورة القصص /٥.
[ ٨٥ ]
وهم: المتبعون الكتاب والسنة والمتمسكون بآثار سلفهم الذين أمروا بالاقتداء بهم، كما أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالاقتداء بمن تقدّمه من الأنبياء والمرسلين فقال] ٩٦/ب [تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ ١، وقال في حق هذه الأمة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ ٢.
فعلامة المُتَّبِعين أن يعرفوا علم التفسير وعلم الحديث وعلم التّفقه عليهما، وعلم الوعد والوعيد للتقوى والورع، وعلم السِّير والمبتدأ للاعتبار، سمعوا العلم من الثقات والعدول، وقرءوا على الأئمة المعروفين بالسنة، ورووا عن الشيوخ الموسومين بالتقوى، ونقلوا من الكتب الصحيحة والأصول المعروفة المشهورة، إذ لا يجوز الاعتماد على كل كتاب ولا الرواية عن كل أحد، فقد وضعت الملاحدة٣ والزنادقة٤
_________________
(١) ١ سورة الأنعام/٩٠. ٢ سورة التوبة/١٠٠. ٣ المُلحد لغةً: المائل عن الحق، ويطلق على من أنكر الخالق ﷿ والنبوة والدين والبعث، ويُسمَّى أيضًا بالدهري والمادي والشيوعي والوجودي، ويطلق الإلحاد أيضا على الشرك بالله. (ر: القاموس المحيط ص٤٠٤، المفردات ص٤٤٨، الفصل ١/٤٧ لابن حزم، الملل والنحل ٢/٣،٢٣٥ للشهرستاني، ذيل الملل والنحل ص٩٢ محمد سيد كيلاني) . ٤ قال الإمام ابن تيمية: فلفظ الزندقة لا يوجد في كلام النبي ﷺ، كما لا يوجد في القرآن وهو لفظ أعجمي معرّب، أخذ من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام وعرِّب. وقد تكلم به السلف والأئمة في توبة الزنديق ونحو ذلك. فأما الزنديق الذي تكلم الفقهاء في قبول توبته في الظاهر، فالمراد عندهم المنافق: الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وإن كان مع ذلك يصلي ويصوم ويحج ويقرأ القرآن، وسواء كان في باطنه يهوديًا أو نصرانيًا أو مشركًا أو وثنيًا، وسواء كان معطلًا للصانع وللنبوة، أو للنبوة فقط، أو لنبوة نبينا محمد ﷺ فقط، فهذا زنديق، وهو منافق، وما في القرآن والسنة من ذكر المنافقين يتناول مثل هذا بإجماع المسلمين. ا. هـ. (ر: بغية المرتاد ص٣٣٨ لابن تيمية، القاموس المحيط ص١١٥١) . فعلى هذا يمكن التفريق بين الملحد والزنديق، بأن الملحد من أظهر كفره وإلحاده، والزنديق من أبطن كفره وأظهر الإسلام.
[ ٨٦ ]
والجهمية١ والمشبهة٢ والمعطلة٣ أخبارًا باطلة على ما يشتهون وخلطوها
_________________
(١) ١ الجهمية: هم أتباع جهم بن صفوان السمرقندي الضال المبتدع، تلميذ الجعد بن درهم، قُتِل سنة ١٢٨هـ خارجًا على السلطان، وكان يقول بإنكار صفات الله ﷿، وبخلق القرآن الكريم، وبالإرجاء، حيث زعم بأن الإيمان: المعرفة في القلب، وبالجبر في أفعال العباد، وبأن الجنة والنار تفنيان. (ر: مقالات الإسلاميين ١/٣٣٨، الملل والنحل ١/١٠٩، سير أعلام النبلاء ٦/٢٦، ميزان الاعتدال ١/٤٢٦) . ٢ المشبهة: وهم صنفان: صنف شبّهوا ذات الباري ﷿ بذات غيره، مثل الروافض الغلاة كالسبئية والمغيرية ونحوهم، وصنف شبّهوا صفاته ﷿ بصفات غيره، مثل الكرامية والهشامية الرافضة. (ر: مقالات الإسلاميين ١/٢٩٠، الفرق بين الفرق ص٢٢٥-٢٢٧، الملل والنحل ص١٠٥) . ٣ المعطلة: هم الذين عطّلوا الله ﷿ عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله. (ر: الجواب الكافي ص١٥٣ لابن القيم) . أو أنهم: الذين أنكروا ما سمى الله تعالى ووصف به نفسه إنكارًا كليًا أو جزئيا، ً وحرفوا من أجل ذلك نصوص الكتاب والسنة، وهم أربع طوائف: ١- الأشاعرة والماتريدية ٢- المعتزلة ٣- غلاة الجهمية والباطنية ٤- غلاة الغلاة من الفلاسفة والجهمية والباطنية. (ر: تقريب التدمرية ص٢٥-٣٦ لابن عثيمين – باختصار) .
[ ٨٧ ]
بالأخبار الصحيحة حتى اشتبهت على كثير من الناس إلا من كان عارفًا بطرق الصحيح، وعالما بالأصول المتقنة من تصانيف الأئمة المشهورين.
والضرب الثاني: أئمة الضلالة، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ ١، وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ ٢.
وهم قوم أجلاف زعموا أنهم لمن قبلهم أخلاف، وادعوا أنهم أكثر منهم في المحصول في حقائق المعقول، وأهدى إلى التحقيق وأحسن نظرًا منهم في التدقيق، وعابوا المتقدمين من السلف بأنهم لم يكونوا قوامين بطرق الجدال، فأبدلوا من الطيب خبيثًا ومن القديم حديثًا، وعدلوا عما كان عليه رسول الله ﷺ وبعثه به [٩٧/أ] .
فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ ٣، فوعظ الله ﷿ عباده بكتابه وحثهم على اتباع سنة رسول
_________________
(١) ١ سورة التوبة /١٢. ٢ سورة القصص /٤٢. ٣ سورة البقرة /٢٣١.
[ ٨٨ ]
الله ﷺ. وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ ١.
وروى عبد الله بن مسعود قال: خطّ لنا رسول الله ﷺ خطًاّ ثم قال: "هذا سبيل الله"، ثم خطَّ خطوطًا يمينًا وشمالًا ثم قال: "هذه سُبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٢ ٣.
قال ابن مسعود٤: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"٥.
فجاءت هذه الطائفة والشرذمة فخالفت ذلك ودعوا الناس إلى غيره، كما قال تعالى: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٦،
_________________
(١) ١ سورة النحل /١٢٥. ٢ سورة الأنعام /١٥٣. ٣ أخرجه الطيالسي في مسنده ح (٢٤٤)، وأحمد ١/٤٣٥،٤٦٥، وابن وضاح في البدع ص٣١ وابن أبي عاصم في السنة ح (١٧)، والدارمي ١/٦٧، والحاكم ٢/٢٣٩،٣١٨ وصححه ووافقه الذهبي والألباني (ر: ظلال الجنة في تخريج السنة ١/١٣) . ٤ هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁. ٥ أخرجه وكيع في الزهد (رقم ٣١٥)، وعنه أحمد في الزهد ص١٦٢، والدارمي في المقدمة (١/٦٩ ح٢١١)، وابن وضاح في البدع ص١٠، والطبراني في الكبير ٩/١٦٨، واللالكائي في شرح الأصول ١/٨٦، والبيهقي في المدخل (ص١٨٦ رقم ٢٠٤)، وقال الهيثمي في المجمع ١/١٨١: رجاله رجال الصحيح. ورواه ابو خيثمة في العلم (رقم٥٤) وصحح الألباني إسناده. ٦ سورة الشورى /٢١.
[ ٨٩ ]
وأخذوا كلام الفلاسفة المعطلة وكلمات أهل الزيغ والضلالة، فأوردوها وسموها تحقيقا وأصولًا، يتكلمون في صفات الله بآرائهم ويقيسون الدين بأهوائهم١، ويدّعون من الدرجات ما لم يبلغوها ومن الكرامات ما لم يدركوها، لو روجع أحدهم في آية من القرآن لم يحفظها، أو سُئِل عن واجب من الشرع لم يعلمه، أو فريضة من الدين لم يفهمها، أو طولب بمعرفة سيرة الصحابة ﵃ والتابعين والأئمة المهديين والمشائخ المتقين وجدته من الجاهلين، ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ ٢.
فينبغي للمؤمن أن يتفقد] ٩٧/ب [أحوالهم، ويعرف أئمة الهدى من أئمة الضلالة بما ذكرت من سماتهم. والله يعصمنا من الزلل ويوفقنا لصالح القول والعمل.
_________________
(١) ١ هذا منهج المبتدعة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية ومن سار على منهجهم في تقديم العقل على النقل وتأويل النصوص الشرعية تأويلًا فاسدًا. ٢ سورة الأعراف /١٦٩.
[ ٩٠ ]