سأل رجل أبا حنيفة: بم يستعان على الفقه حتى يحفظ؟ قال: بجمع الهم. قال: قلت: وبم يستعان على جمع الهم؟ قال: بحذف العلائق. قال: قلت: وبم يستعان على حذف العلائق؟ قال: بأخذ الشيء عند الحاجة ولا تزد١.
وقال أبو يوسف: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء الحديث عن النبي ﷺ من الثقات أخذنا به، فإذا جاء عن أصحابه لم نخرج عن أقاويلهم، فإذا جاء عن التابعين زاحمناهم٢.
قال المزني: سمعت الشافعي ﵁: يقول: الناس عيال على أبي حنيفة في القياس والاستحسان٣.
قال يزيد بن هارون: كتبت عن ألف شيخ حملت عنهم العلم، ما رأيت والله فيهم أشد ورعا من أبي حنيفة ولا أحفظ للسانه٤.
قال أبو يوسف: سمعت أبا حنيفة يقول: لولا الفرق من الله أن
_________________
(١) ١ الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص٨. ٢ المرجع السابق ص١١، وذكره الإمام ابن عبد البر في الانتقاء في فضائل الأئمة ص٢٦٦، وأبو عبد الله المقدسي في مناقب الأئمة الأربعة ص٧١. ٣ الصيمري ص١٢، والخطيب في تاريخ بغداد ١٣/٣٤٦، والمزي في تهذيب الكمال ٢٩/٤٣٤، والذهبي في سير أعلام النبلاء ٦/٤٠٣، وقال الإمام الذهبي معلقا على كلام الإمام الشافعي: قلت: الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه. اهـ ٤ الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص٣٠،٣٣.
[ ١٧٠ ]
يضيع العلم ما أفتيت أحدا، يكون لهم المهنأ وعلي الوزر١.
قيل: كان حفص بن عبد الرحمن شريك أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة تجهز عليه، فبعث إليه دفعة متاعا وأعلمه أن في ثوب كذا عيبا فإذا بعته فبيِّن، فباع حفص المتاع ونسي أن يبين العيب ولم يعلم ممن باعه، فلما علم أبو حنيفة بذلك تصدق بثمن المتاع كله٢.
قال الفيض بن محمد الرقي: لقيت أبا حنيفة ببغداد فقلت له: إني أريد الكوفة، فلك حاجة؟ قال: إيت ابني حمادا فقل له: يا بني إن قوتي في الشهر [درهمان] ٣ فمرة للسويق، ومرة للخبز، وقد حبسته عني فعجِّله عليَّ٤.
وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت] ١١٢/ب [:
كفى حزنا أن لاحياة نيئة ولا عمل يرضي به الله صالح٥
وكان أبو حنيفة قد جعل على نفسه أن لا يحلف بالله في عرض حديثه إلا تصدق بدرهم، فحلف فتصدق، ثم جعل على نفسه أن لا يحلف بالله إلا تصدق بربع دينار فتصدق بربع دينار، فجعل على نفسه إن حلف يتصدق بدينار، وكان إذا حلف صادقًا في عرض الكلام تصدق
_________________
(١) ١ الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص٣٤، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه٢/١٦٨. ٢ المرجع السابق ص٣٤، والخطيب في تاريخ بغداد١٣/٣٥٨. ٣ في ص (درهمين) والصواب ما أثبته. ٤ الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص٣٥،٣٦. ٥ الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص٣٦.
[ ١٧١ ]
بدينار، وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها.
وكان إذا اكتسى ثوبا جديدا أكسى بقدر ثمنه لشيوخ العلماء، وكان إذا وضع بين يديه الطعام أخذ منه فوضعه على الخبز، حتى يأخذ منه بقدر ما يأكل فيضعه على الخبز ثم يعطيه لإنسان فقير، فإن كان في الدار في عياله إنسان يحتاج إليه دفعه إليه، وإلا أعطاه مسكينا١.
وكان يقول: جعلت عملي أثلاثا: ثلثا لنفسي، وثلثا لوالدي، وثلثا لابني حماد.
قال مسعر ٢: رايت أبا حنيفة يجلس للناس جميع النهار فقلت: متى يتفرغ هذا لعبادة ربه؟ فتعاهدته يصلي العشاء مع الناس ودخل داره، فلما تفرق الناس خرج إلى المسجد فصلى إلى قريب من الصبح، فتعاهدته ليالي وكان ذلك دأبه٣.
قال: ورأيته ليلة يصلي فأخذت كفا من حصى فوضعته على ذيل أبي حنيفة وهو ساجد ومضيت إلى داري، فلما رجعت سحرا فوجدته وإذا الحصى على ذيله بحاله، فعلمت أنه قد زجى الليل كله في سجدة واحدة٤.
_________________
(١) ١ الخطيب في تاريخ بغداد ١٣/٣٥٨ عن وكيع بن الجراح، ونقله الموفق في مناقب أبي حنيفة ١/٢٨٤. ٢ مسعر بن كدام بن ظهير الهلالي العامري، أبو سلمة، أحد الأعلام، من ثقات أهل الحديث، توفي بمكة ١٥٥هـ. (ر: حلية الأولياء ٧/٢٠٩، تهذيب التهذيب ١٠/١٠٢) . ٣ الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص٤٢، والخطيب في تاريخ بغداد ١٣/٣٥٦. ٤ الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص٤٢،٤٣.
[ ١٧٢ ]