توفي الشافعي في آخر رجب سنة أربع ومائتين١، وترك من الأولاد أربعة:
أبا عثمان، وفاطمة وزينب من أم واحدة، وابنه أبا الحسن من جاريته المسماة دنانير٢.
وجعل ولاية ولده [إلى] أبي الحسن، وولاية القيام بوصاياه ودوره الموقوفة إلى أبي الحسن أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، وعبيد الله بن إسماعيل بن مقَرِّط الصرّاف، وهما وصياه بمكة وبمَا لَهُ من تركة وولد وغيره.
وأوصى بمصر في أمر ولده وإنفاذ وصيته إلى عبد الله بن عبد الحكم القرشي ويوسف، وإذا خرج إلى مكة فوصيه ووليه أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي وعبيد الله بن إسماعيل.
قال محمد بن المنذر الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول لأبي عثمان بن الشافعي: إني لأحبك لثلاث خلال، لأنك رجل من قريش، وأنك ابن أبي عبد الله، وأنك من أهل السنة٣.
_________________
(١) ١ الخطيب في تاريخ بغداد ٢/٥٩، والبيهقي في المناقب ٢/٢٩٧،٢٩٨، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٧٦ وغيرهم. ٢ البيهقي في المناقب ٢/٣٠٦-٣٠٩. ٣ البيهقي في المناقب ١/٧٧، وابن حجر في توالي التأسيس ص٤٥.
[ ٢٠٣ ]
تصانيفه: الأم، الرسالة، مختلف الحديث، المسند الأم، رسالة في إثبات النبوة والرسالة، أحكام القرآن، اختلاف العراقيين في الرد على محمد بن الحسن، قوله القديم ببغداد، قوله الجديد بمصر، خلاف علي وابن مسعود في الفرائض، اختلاف مالك والشافعي١.
رواة كتبه /١٢٢] أ [:
رواة كتبه القديمة: أحمد بن حنبل، وأبو علي الزعفراني، والحسين بن علي الكرابيسي، [وأبو ثور إبراهيم٢ بن خالد] .
ورواة كتبه الجديدة: المزني، وأبو يعقوب البويطي، والربيع المرادي صاحب الأم، والربيع الجيربي، وسمع هو من مالك بن أنس، وإبراهيم بن سعد، وسفيان بن عيينة، وداود بن عبد الرحمن، وعبد العزيز الدراوردي، ومسلم بن خالد الزنجي، وأحمد بن محمد بن حنبل الشيباني في آخرين.
قال المزني: سمعت الشافعي ﵁ يقول: رأيت علي بن أبي طالب ﵁ في النوم فسلم علي وصافحني وخلع خاتمه فجعله في أصبعي، وكان لي عم ففسرها لي فقال: أما مصافحتك لعلي أمان من العذاب، وأما خلع
_________________
(١) ١ ذكر كتبه البيهقي في مناقب الإمام الشافعي ١/٢٣٧-٢٥٧، والحافظ ابن حجر في توالي التأسيس ص١٤٧-١٥٧. ٢ في ص (أبو ثور وإبراهيم بن خالد) وهو خطأ، والصواب ما أثبته، وهو: أبو ثور، إبراهيم بن خالد الكلبي، أحد الأئمة فقهًا وعلمًا وورعًا، توفي سنة ٢٢٤ بمكة. (ر: التهذيب ١/١١٨) .
[ ٢٠٤ ]
خاتمه في أصبعك فسيبلغ اسمك ما بلغ اسم علي في الشرق والغرب١.
قال الشافعي ﵁: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين٢.
وكان يختم في كل ليلة ختمة، فإذا كان شهر رمضان ختم في كل ليلة منها ختمة، وفي كل يوم ختمة، وكان يختم في شهر رمضان ستين ختمة، وفي كل يوم ختمة٣.
قال الشافعي: فارقت مكة وأنا ابن أربع عشرة سنة، لا نبات بعارضي من الأبطح إلى ذي طوى /١٢٢] ب [فرأيت ركبا فحملني شيخ منهم إلى المدينة، فختمت من مكة إلى المدينة ست عشرة ختمة، ودخلت المدينة يوم الثامن بعد صلاة العصر، فصليت العصر في مسجد رسول الله ﷺ،
_________________
(١) ١ الخطيب في تاريخ بغداد ٢/٦٠، والبيهقي في مناقب الشافعي ١/١٤٨، ١٤٩،١٥٠، والحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ٩/٢٤. ٢ الخطيب في تاريخ بغداد ٢/٦٢،٦٣، والمزي في تهذيب الكمال ٢٤/٣٦٦، وابن حجر في توالي التأسيس ص٥٠، والذهبي في سير الأعلام ١٠/١١ وقال الذهبي معلقا على الخبر: في إسناد الخبر الأقطع (أحمد بن إبراهيم الطائي) مجهول. اهـ ٣ أبو نعيم في الحلية ٩/١٣٤، والخطيب في تاريخ بغداد ٢/٦٣، والرازي في مناقب الشافعي ص١٢٧، والبيهقي في المناقب ١/٢٧٩،٢٨٠، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٣٦،٩٠. قال محقق السير: "وهدي النبي ﷺ هو الواجب الاتباع، فإنه لم يأذن لعبد الله بن عمرو بن العاص أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث وقال ﷺ: "لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث" أخرجه أبو داود (ح١٣٩٤) والترمذي (ح٢٩٥٠) من حديث عبد الله بن عمرو، وإسناده صحيح. اهـ
[ ٢٠٥ ]
ولذت١ بقبره، فرأيت مالك بن أنس ﵀ متزرا ببردة متشحا بأخرى، يقول: حدثني نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر - يضرب بيده قبر رسول الله ﷺ - فلما رأيت ذلك هبته الهيبة العظيمة٢.
قال الشافعي: وقدمت على مالك وقد حفظت الموطأ فقال لي: احضر من يقرأ لك. فقلت: أنا قارئ، فقرأت الموطأ حفظا، فقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام.
قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول في قوله ﷿: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوع﴾ الآية٣، فقال: معناه - والله أعلم - الخوف: خوف العدو، والجوع: جوع شهر رمضان، ونقص من الأموال: الزكوات، ومن الأنفس: الأمراض، والثمرات: قيل: موت الأولاد، وبشر الصابرين: على أدائها٤.
_________________
(١) ١ اللَّوْذُ بالشيء: الإستتار، والإحتصان به، والإلتجاء، والإحاطة، وجانب الجبل وما يطيف به، ومنعطف الوادي. (ر: القاموس المحيط ص ٤٣١، الصحاح ٢/٥٧٠) وبهذه المعاني فإنه يتضح المعنى الصحيح للجملة، في أن الإمام الشافعي - بعد أدائه في المسجد النبوي - فإنه انعطف وتوجه واستتر بقبر النبي ﷺ للسلام عليه، ويدل على هذا المعنى سياق الكلام بعده. ٢ رحلة الشافعي بقلمه، رواية تلميذه الربيع بن سليمان الجيزي ص٨، طبعة المطبعة السلفية سنة ١٣٥٠هـ القاهرة. ٣ سورة البقرة /١٥٥. ٤ أخرجه البيهقي في أحكام القرآن ١/٣٩.
[ ٢٠٦ ]
قال يونس بن عبد الأعلى١: قال لي محمد بن إدريس في قوله ﷿: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ ٢ قال: هي منسوخة بالفرائض، كانت المرأة تقيم سنة ينفق [عليها] ٣، فإن خرجت قبل السنة لم يكن لها نفقة /١٢٣] أ ٤ [.
قال الشافعي: ما نسخ من القرآن فهو على ثلاثة أوجه: منه ما نسخ حكمه ونسخ رسمه، ومنه: ما نسخ حكمه وثبت رسمه، ومنه: ما نسخ رسمه وثبت حكمه.
فأما الذي نسخ رسمه وثبت حكمه مثل قول عمر بن الخطاب ﵁ كنا نقرأ على عهد رسول الله ﷺ: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة﴾، ولولا أن يقول الناس زاد عمر في القرآن لجعلتها بين الدفتين٥.
وأما الذي نسخ حكمه وثبت رسمه فمثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ ٦ فكان الحكم في هذه الآية إذا توفي الرجل وترك إمرأته وجب
_________________
(١) ١ يونس بن عبد الأعلى، أبو موسى الصدقي المصري الفقيه، توفي سنة ٢٦٤هـ (ر: التذكرة ص٥٢٧، الميزان ٤/٤٨١) . ٢ سورة البقرة /٢٤٠. ٣ ساقطة من (ص) واثبتناها من أحكام القرآن. ٤ كتاب الأم ٥/٢٠٥ للشافعي، والبيهقي في أحكام القرآن ١/٢٥٢. ٥ أخرجه الإمام مالك في الموطأ ٢/٨٢٤، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص١١٥، ١١٦. ٦ سورة البقرة /٢٤٠.
[ ٢٠٧ ]
عليه أن يوصي لها بنفقة سنة، ولا تحل للأزواج حتى تنقضي سنتها فنسختها آية العدة، ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ ١ الآية، فحلت للأزواج في مضي أربعة أشهر وعشر، ونسخ الوصية لها آية الميراث: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ الآية٢.
وأما الذي نسخ رسمه، ونسخ حكمه فمثل ما روى الزهري عن أبي أمامة بن سهل عن رجل أنه قام من الليل يستفتح سورة كان قد حفظها، فلم يذكر منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فقال:"نعم تلك سورة قد نسخت البارحة من صدور الرجال /١٢٣] ب [ومن كل شيء كانت فيه"٣.
وقال الشافعي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾ َ٤ هو خاص يراد به العام، ومثله قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ٥ فمن فعل ذلك فقد أتى الاختيار، ومن تركه ما كان إثما ولم يحرم عليه ذلك
_________________
(١) ١ سورة البقرة /٢٣٤. ٢ سورة النساء /١٢. (أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار ٣/٤١٨، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص١١٠-١١٢، ر: الرسالة ١٠٦، ١١٠ للإمام الشافعي، قواطع الأدلة في أصول الفقه ٣/٩٧-١٠٢ للإمام أبي المظفر منصور السمعاني، تحقيق: د. عبد الله الحكمي، ونواسخ القرآن ص١٠٨-١١٥ لابن الجوزي) . ٤ سورة الطلاق /١. ٥ سورة النور /٣٢.
[ ٢٠٨ ]
ما ملك، ولا أبطل عليه الطلاق لمخالفة الأمر، فإن ابن عمر ذكر أنه اعتد بما مضى من طلاقه في الحيض١.
قال يونس بن عبد الأعلى: ما كان الشافعي يأخذ في شيء إلا ويقول: هذه صناعته، وإذا أخذ في أيام العرب يقول: هذه صناعته٢.
وعن حرملة قال: قال الشافعي: ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم معرفة لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس٣،٤.
قال محمد بن مسلم بن وارة الرازي: قدمت من مصر فدخلت على أحمد بن حنبل - ﵀- فقال لي: من أين جئت؟ قلت: من مصر، قال: أكتبت كتب الشافعي؟ قلت: لا. قال: ولم؟ ما عرفنا ناسخ سنن رسول الله ﷺ من منسوخها، ولا خاصها من عامها، ولا مجملها من مفسرها حتى جالسنا الشافعي - ﵀-.
_________________
(١) ١ البيهقي في أحكام القرآن ١/١٧٥. ٢ الذهبي في سير الأعلام ١٠/٧٥. ٣ أرسطوطاليس بن نيقوماخوس، ويقال اختصارًا: أرسطو، فيلسوف يوناني وثني مشهور، مؤسس مذهب (فلسفة المشائين) له مؤلفات عديدة، توفي سنة ٣٢٢ ق. م. (ر: الموسوعة العربية ١/١١٧، المنجد في الأعلام ص٣٤) . ٤ الذهبي في سير الأعلام ١٠/٧٤ وقال معقِّبا: هذه حكاية نافعة، لكنها منكرة، ما أعتقد أن الإمام تفوّه بها، ولا كانت أوضاع أرسطوطاليس عُرِّبت بعد البتة، رواها أبو الحسن علي بن مهدي الفقيه، حدثنا محمد بن هارون، حدثنا هُميم بن هَمَّام، حدثنا حرملة، ابن هارون مجهول. اهـ
[ ٢٠٩ ]
قال ابن وراة: فحملني ذلك أن رجعت إلى مصر فكتبتها١.
وعن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي - ﵀- يقول: لو كان الكفاءة في النسب لم يكن أحد من خلق الله كفوا لبنات رسول الله ﷺ، وقد زوَّج ﷺ ابنته أبا العاص بن الربيع٢.
قال الشافعي: أصحاب الحديث وفد الله.
وعن حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعي] ١٢٤/أ [يقول: سميت ببغداد ناصر الحديث٣.
وعن الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: كنت عند مالك بن أنس وهناك سفيان بن عيينة ومسلم بن خالد الزنجي، إذ أقبل رجلان أحدهما متعلق بصاحبه، فقال لمالك: يا أبا عبد الله أنا رجل أبيع القماري، وإني بعت من هذا الرجل اليوم قمريا، وحلفت له بالطلاق الثلاث أنه لا يهدأ من الصياح، فوزن لي ثمنه وقبضته وانصرف، فلما كان بعد ساعة أتاني فقال: زعمت أنه لا يهدأ من الصياح وقد سكت وهدأ، فرد علي دراهمي، وقد حنثت في يمينك، فقال مالك: هو كما يقول: قال: نعم. قال: بانت امرأتك، ووجب عليك رد الدراهم. فقاما من عند مالك فقال الشافعي: ما قال لكما مالك؟ فأخبراه
_________________
(١) ١ البيهقي في مناقب الشافعي ١/٢٦٢، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٥٥. ٢ أبو نعيم في الحلية ٩/١٠٧، والبيهقي في المناقب ٢/١٦١. ٣ أبو نعيم في الحلية ٩/١٢٨، والخطيب في تاريخ بغداد ٢/٦٨، والمزي في تهذيب الكمال ٢٤/٣٧٤، والمقدسي في مناقب الأئمة ص١٠٩، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٤٧،٨٧.
[ ٢١٠ ]
بالمسئلة وبفتيا مالك، فقال الشافعي للبائع: ما أردت بقولك: إنه لا يهدأ على مر الزمان أو أردت أن كلامه أكثر من سكوته؟ فقال: يا أبا عبد الله قد علمت أنه ينام ويأكل ويشرب، وإنما أردت أن كلامه أكثر من سكوته. فقال الشافعي: لا رد عليك، أمسك عليك امرأتك. فرجعا إلى مالك فقالا له: إن رأيت أن تنظر في مسئلتنا. فقال مالك: إن كان السؤال ما سألتما فإن الجواب عنه ما سمعتما. قالا: فإن الشافعي زعم أنه لا شيء عليه. فدعاه مالك وصاح عليه وقال: من أين قلت؟ فقال: حديث فاطمة بنت قيس لما قالت لرسول الله ﷺ: إن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم بن حذيفة يخطبانني فأيهما أحب إليك؟ فقال: "إن معاوية] ١٢٤/ب [صعلوك لا مال له، وإن أبا جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه في أهله"١، وكان أبو جهم ينام ويستريح، فإنما خرج كلامه ﷺ على الأغلب من الشيء، كان الشيء إذا كثر كان كمداومته. قال فأعجب ذلك مالكا، وبقي متحيرا، فقال له مسلم بن خالد: أفت والله، فقد آن لك أن تفتي. وهو ابن خمس عشرة سنة٢.
وعن حرملة قال: سئل الشافعي عن رجل وضع تمرة في فيه، فقال لامرأته: إن أكلتها فأنت طالق، وإن طرحتها فأنت طالق؟ فقال الشافعي: يأكل نصفها ويطرح نصفها٣.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام مالك في الموطأ ٢/٥٨٠، والشافعي في الرسالة ص٣٠٩،٣١٠، ومسلم في صحيحه ٢/١١١٤. ٢ ذكر القصة البيهقي في المناقب ٢/٢٣٥-٢٣٩. ٣ أبو نعيم في حلية الأولياء ٩/١٤٣، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٥٣.
[ ٢١١ ]
وقال بعض الخلفاء للشافعي: لأي عِلَّةٍ خلق الله الذباب؟ فأطرق ثم قال: مذلة للمملوك يا أمير المؤمنين، لقد سألتني وما عندي جواب، فأخذني من ذلك الزمع١، فلما رأيت الذبابة قد سقطت منك بموضع لا يناله من معه عشرة الآف سيف وعشرة الآف رمح انفتح لي منها الجواب.
قال الشافعي ﵀: العلوم ثلاثة: علم الأبدان، وعلم الأديان، وعلم الديوان، فأما علم الأبدان فالطب، وأما علم الأديان فالفقه، وأما علم الديوان فالحساب٢.
قال الشافعي: العجب ممن يتعشى ببيض وينام كيف يعيش؟! ومن يخرج من الحمام ثم لا يأكل كيف يعيش؟! وممن يحتجم ثم يأكل كيف يعيش /١٢٥] أ [؟! ٣.
وكان الشافعي جالسا مع الحميدي ومحمد بن حسن، يتفرسون الناس فمر رجل فقال محمد بن الحسن: يا أبا عبد الله انظر في هذا. فنظر إليه وأطال فقال ابن الحسن: أعياك أمره؟ قال: أعياني أمره، لا أدري خياط أو نجار. قال الحميدي: فقمت إليه فقلت له: ما صناعة الرجل؟ قال: كنت نجارا وأنا اليوم خياط٤.
_________________
(١) ١ الزَّمَعُ: شِبهُ الرِّعدة تأخذ الأسنان، والدَّهَشُ، والخوف. (ر: القاموس المحيط ص ٩٣٧) . ٢ البيهقي في المناقب ٢/١١٤، ١١٥. ٣ أبو نعيم في الحلية ٩/١٤٣، والبيهقي في المناقب ٢/١١٨، ١١٩. ٤ أبو نعيم في الحلية ٩/١٣٩، والبيهقي في المناقب ٢/١٣٠، ١٣١.
[ ٢١٢ ]
وأيضا قال الشافعي: الوراق يأكل من دية عينيه١.
وقال أيضا الشافعي: لو يعلم الناس ما في الكلام لفروا منه كما يُفر من الأسد٢.
وقيل للشافعي: قد أوتيت لسانا وبيانا فلم لا تناظر أهل الكلام؟ قال: لأني إذا ناظرت في الفقه فأكثر ما يقال لي أخطأت، وكذلك أقول لهم أخطأت، وفي الكلام يقال لي: كفرت٣.
قال عبد الله بن عبد الرحمن الزجاج: رأيت الشافعي بنصيبين قبل
_________________
(١) ١ البيهقي في المناقب ٢/١٢٣. ٢ أبو نعيم في الحلية ٩/١١١، والذهبي في سير الأعلام ١٠/١٦، ١٨. ٣ البيهقي في مناقب الشافعي ١/٤٦٠، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٢٨، وبنحوه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ص١٨٥. وقد اتفق السلف الصالح - رحمهم الله تعالى- وتواترت النصوص عن الأئمة في ذم علم الكلام والنهي عنه، والتحذير منه، وتجهيل أهله والتحذير منهم. وإليك نصيحة إمام أهل السنة أحمد بن حنبل في ذلك فقال: "عليكم بالسنة والحديث، وما ينفعكم الله به، وإياكم والخوض والجدال والمراء، فإنه لا يفلح من أحب الكلام، وكل من أحدث كلاما لم يكن آخر عمره إلا إلى بدعة، لأن الكلام لا يدعو إلى خير، ولا أحب الكلام ولا الخوض ولا الجدال، وعليكم بالسنن والآثار والفقه الذي تنتفعون به، ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء، أدركنا الناس ولا يعرفون هذا، ويجانبون أهل الكلام، وعاقبة الكلام لا تؤول إلى خير، أعاذنا الله وإياكم من الفتن، وسلَّمنا وإياكم من كل هلكة. اهـ (ر: الإبانة الكبرى ٢/٥٣٩ للإمام الحافظ ابن بطة) .
[ ٢١٣ ]
أن يدخل مصر، فلم أره آكلا بنهار ولا نائما بليل١.
قال يونس بن عبد الأعلى: كان الشافعي إذا أخذ في التفسير كأنه شهد التنزيل٢.
قال الشافعي: المراء في العلم يقسي القلب، ويورث الضغائن٣.
وقال: الغربة ذلة، فإن تبعتها قلة، وردفتها علة، فيا لها من نفس مضمحلة.
وللشافعي - ﵀ -:
أريد من الإخوان كل مواتي وكل غَضِيض الطرف من عثراتي
يساعدني في كل أمر أريده ويحفظ
_________________
(١) ني حيًّا وبعد وفاتي فمن لي بهذا ليت أني وجدته أقاسمه مالي ومن حسناتي تصفحت إخواني فكان أقلهم على كثرة الإخوان أهل ثقات٤ وقال: لا تأس في الدنيا على فائت وعندك الإسلام والعافية إن فات أمرٌ كنت تسعى له ففيهما من فائت كافيه٥ ١ البيهقي في المناقب ١/٢٣٧،٢٨٤، وفي أحكام القرآن ١/١٩، وابن حجر في توالي التأسيس ص٥٨، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٨١. ٢ البيهقي في أحكام القرآن ١/١٩، ٢٠، وفي المناقب ١/٢٨٤، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٨١، والمقدسي في مناقب الأئمة ص١٢١. ٣ البيهقي في المنافب ٢/١٥٠، ١٥١، وفي المدخل ٢٠٢ (رقم ٢٣٩) . ٤ ذكر الأبيا ت البيهقي في المناقب ٢/٧٩، وابن حجر في توالي التأسيس ص١٤١. ٥ البيهقي في المناقب ٢/٦٦.
[ ٢١٤ ]
وقال الشافعي: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نَبُلَ مقداره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن نظر في اللغة رقَّ طبعه، ومن لم يصُنْ نفسه لم ينفعه علمه١.
وقال الشافعي في ذم الكلام:
لم يبرح الناس حتى أحدثوا بدعًا في الدين بالرأي لم تبعث بها الرسل
حتى استخف بدين الله أكثرهم وفي الذي حُمِّلوا من حقه شُغُل٢
قال علي بن سهل: لما قرأ الرشيد كتاب الولاية للأمين والمأمون بمكة سكت الناس، فقام شاب فقال: يا أمير المؤمنين:
لا قصَّرا عنها ولا بَلَغَتْهما حتى يطول بها لديك طوالها
فبكى هارون الرشيد وأبكى الناس وقال: من هذا الفتى؟ فقالوا: هذا فتىً يقال له محمد بن إدريس الشافعي - ﵀- ٣.
قال الشافعي: لما رجعت إلى مكة وقد شاطرني مالك جميع ماله وصلحت حالي بهدايا جاءتني من دق خراسان وقباطي٤ مصر، خرجت العجوز - يعني أمه - فضمتني إلى صدرها فلما هممت بالدخول فقالت لي العجوز: أين] ١٢٦/أ [
_________________
(١) ١ الخطيب في الفقيه والمتفقه ١/٣٦ والبيهقي في المدخل ص٣٢٤ (رقم٥١١) من طريق المزني عنه، وأبو نعيم في الحلية ٩/١٢٣ من طريق الربيع عنه، والرازي في مناقب الشافعي ص٧٠، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٢٤. ٢ أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في ذم الكلام ٤/٣١٠. ٣ البيهقي في مناقب الشافعي ١/١٥٧، ٢/٨٥. ٤ نوع من الثياب القبطية المصرية (ر: القاموس المحيط ص٨٨٠) .
[ ٢١٥ ]
عزمت؟ فقلت: إلى المنزل. فقالت لي: يا سبحان الله تخرج من مكة بالأمس فقيرًا لا مال لك، وتعود إليها مثريًا تفتخر على بني عمك بذلك. فقلت: فما أصنع؟ قالت: تضرب فارتك١ هذه بالأبطح، وناد في العرب تشبع الجائع وتحمل المنقطع وتكسو العاري، وتربح ثناء الدنيا وثواب الآخرة. ففعلت ما أمرتني العجوز، وسار بذلك الرجال على آباط الإبل، وبلغ ذلك مالكًا فأرسل إلي يستحثّني على ذلك الفعل، ويعدني أنه يحمل إلي في كل عام مثله، وما دخلت مكة إلا ومعي بغلة وخمسون دينارًا، فوقعت المقرعة من يدي فناولتني إياها أمة على كتفها قربة فدفعته إليها فما بِتُّ تلك الليلة إلا مدينًا، وأقام مالك يحمل إلي كل عام مثل ما كان دفع، فلما مات مالك ضاق بي الحجاز وخرجت إلى مصر، فعوضني الله تعالى عبد الله بن عبد الحكم فأقام بالكفاية٢.
وقال الشافعي: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم هو المسمّى أو غير المسمّى فاشهد بأنه من أهل الكلام ولا دين له٣.
قال الزعفراني: قال الشافعي: حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف عليهم في العشائر والقبائل، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة٤.
_________________
(١) ١ الفارة: يقال للبرذون والحمار والدابة. (ر: المصباح المنير ص٤٧١) . ٢ رحلة الشافعي ص٢٨، ٢٩. ٣ البيهقي في المناقب ١/٤٠٥، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام ٤/٢٩٦، وابن عبد البر في الانتقاء ص٧٩، وابن تيمية في مجموع الفتاوى ٦/١٨٧. ٤ أبو نعيم في الحلية ٩/١١٦، والبيهقي في المناقب ١/٤٦٢، والحافظ ابن حجر في توالي التأسيس ص٦٤، والرازي في مناقب الشافعي ص٢٣،٢٤، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٢٩ وغيرهم. قال الذهبي: لعل هذا متواتر عن الإمام. اهـ
[ ٢١٦ ]
وقال الشافعي: لأن يلقى اللهَ ﷿ العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام١.
وتكلم الشافعي ﵁ بمكة في] ١٢٦/ب [قوله ﷺ: "وهل ترك عقيل لنا من دار"٢ وكان إسحاق بن راهويه حاضرًا فقال إسحاق: ثنا يزيد عن الحسن وأنبا أبو نعيم وعبده عن سفيان عن منصور عن إبراهيم أنهما لم يكونا يريانه، وعطاء وطاووس لم يكونا يريانه. فقال الشافعي لبعض من عرفه: من هذا؟ قال: هذا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ابن راهويه الخراساني. فقال الشافعي: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم، ما أحوجني أن يكون غيرك في [موضعك] ٣ فكنت آمر بعرك أذنيه، أقول قال رسول الله ﷺ وأنت تقول قال عطاء وطاووس، وهل لأحد مع رسول الله ﷺ حجة؟! ٤.
_________________
(١) ١ أبو نعيم في الحلية ٩/١١١، ١١٢، وابن بطة في الإبانة الكبرى ٢/٥٣٤، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام ٤/٢٩١، والبيهقي في المناقب ١/٤٥٢، وابن حجر في توالي التأسيس ص٦٤. ٢ الحديث أخرجه البخاري (ر: فتح ٣/٤٥٠)، ومسلم ٢/٩٨٤، وأبو داود (ح٢٩١٠) عن أسامة بن زيد ﵄. ٣ في ص (موضع)، والتصويب من مناقب الشافعي للبيهقي، وسير الأعلام للذهبي. ٤ البيهقي فيي المناقب ١/٢١٤،٢١٥، والرازي في مناقب الشافعي ص١٠٠، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٦٩.
[ ٢١٧ ]
قال الشافعي: إذا رأيت رجلًا من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ، فجزاهم الله خيرًا فهم حفظوا لنا الأصل، فلهم علينا فضل١.
وقال الشافعي: العشرة٢ أشكال٣ لهم أن يغيّر بعضهم على بعض، والمهاجرون الأولون والأنصار أشكال لهم أن يغيّر بعضهم على بعضٍ، فإذا ذهب أصحاب محمدٍ ﷺ فحرام على تابعٍ إلاّ اتّباعٌ بإحسان حذوًا بحذو٤.
سئل الشافعي عن صفات الله تعالى؟ فقال: لله تعالى أسماءٌ وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ أمته، لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة أن القرآن نزل به وصح عنده بقول النبي ﷺ فيما روى عنه العدل، وجب عليه القبول والمعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسول الله ﷺ، لا يُدرك حقيقة ذلك بالفكر والرؤية، فلا يكفر] ١٢٧/أ [بالجهل بها أحدٌ إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبرًا يقوم في
_________________
(١) ١ أبو نعيم في الحلية ٩/١٠٩، والبيهقي في المدخل ص٣٩١ (رقم ٦٨٩)، وفي المناقب ١/٤٧٧. ٢ المراد بهم العشرة المبشرون بالجنة ﵃. ٣ الشَّكْلُ: الشَّبَه، والمثل، وما يوافقك ويصلح لك، تقول: هذا من هواي ومن شكلي، وجمعه: أشكال، وشكول، والأشكال: حلي من لؤلؤ أو فضة يشبه بعضه بعضًا، يُقَرَّط به النساء، الواحد: شَكْلٌ. اهـ (ر: القاموس المحيط ١٣١٧) . ٤ البيهقي في المناقب ١/٤٤٣،٤٤٤.
[ ٢١٨ ]
الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته والشهادة عليه، كما عاين وسمع من رسول الله ﷺ مِثل ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ١ ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه﴾ ٢ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَه﴾ ٣ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك﴾ ٤. ومثل ما جاء في الأخبار: "حتى يضع الرب فيها قدمه"٥ "وأنه يضحك من عبده المؤمن"٦. ولكن نثبت هذه الصفات وننفي التشبيه كما نفى عن نفسه تعالى ذكره فقال:٧ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٨.
_________________
(١) ١ سورة المائدة /٦٤. ٢ سورة الزمر /٦٧. ٣ سورة القصص /٨٨. ٤ سورة الرحمن /٢٧. ٥ أخرجه البخاري (ر: فتح ٨/٥٩٤، ومسلم ٤/٢١٨٧ عن أنس ﵁. ٦ أخرجه البخاري (ر: فتح ٦/٣٩)، ومسلم ٣/١٥٠٤ عن أبي هريرة ﵁. ٧ سورة الشورى /١١. ٨ ورد النص في جزء الاعتقاد المنسوب للشافعي من رواية أبي طالب العشاري، ونقله الموفق ابن قدامة في ذم التأويل ص١٢٤، وابن أبي يعلى في الطبقات ١/٢٨٣، وابن القيم في اجتماع الجيوش ص١٦٥، والذهبي في سير الأعلام ١٠/٧٩، والمقدسي في مناقب الأئمة ص١٢٠، ١٢١.
[ ٢١٩ ]