قال ابن عبد البر: كان لأبي حنيفة أصحاب جلة رؤساء في الدنيا، ظهر فقهه على أيديهم، أكبرهم: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري١،لجده صحبة ذكر في الصحابة، كان قد روى الحديث وكتبه، ثم لازم أبا حنيفة فغلب عليه رأيه، وكان قاضي القضاة لثلاثة خلفاء: للمهدي٢، والهادي٣، والرشيد٤، ولا أعلم قاضيا كان إليه تولية القضاة في الآفاق من المشرق والمغرب إلا أبا يوسف هذا في زمانه، وأحمد ابن أبي دؤاد٥ - لعنه الله - في زمانه.
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص٩٠ للصيمري، وتاريخ بغداد ١٤/٢٤٢، طبقات الفقهاء ص١٣٤ للشيرازي. ٢ هو أبو عبد الله محمد بن المنصور عبد الله، تولى الخلافة العباسية سنة ١٥٨ وتوفي سنة ١٦٩هـ (ر: البداية والنهاية ١٠/١٤٧ لابن كثير، الجوهر الثمين في سير الخلفاء والملوك والسلاطين ص٩٥ لابن دقماق) . ٣ هو أبو محمد موسى بن المهدي محمد، بويع له بالخلافة بعد أبيه سنة ١٦٩هـ، ومات سنة ١٧٠هـ (ر: المرجعين السابقين ١٠/١٥٢، ص٩٨) . ٤ هو أبو جعفر هارون بن محمد بن عبد الله، بويع له بالخلافة بعد أخيه الهادي سنة ١٧٠هـ، توفي سنة ١٩٣هـ (ر: المرجعين السابقين ١٠/١٥٩، ص١٠٠) . ٥ هو القاضي الجهمي رأس المعتزلة أبو عبد الله، أحمد بن فرج بن حريز الإيادي البصري، عدو إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، كان داعية إلى خلق القرآن، مات منكوبا في عهد المتوكل سنة ٢٤٠هـ. (ر: سير الأعلام ١١/١٦٩، شذرات الذهب ٢/٩٣، ميزان الاعتدال١/٩٧) .
[ ١٧٧ ]
لم يزل أبو يوسف ببغداد بعد مقدمه من جرجان إلى أن مات بها سنة اثنتين وثمانين ومائة في خلافة هارون الرشيد.
قال أحمد بن حنبل ﵁ سمعت أبا يوسف القاضي ﵀ يقول: إن للعيون جنايا بالغدوات ما ليس لها بالعشيات.
ومنهم: أبو عبد الله زفر بن الهذيل العنبري١ من أصحاب أبي حنيفة، كان أبو حنيفة يفضله، ويقول: إنه أقيس أصحابه، وكان ذا عقل ودين وفهم وورع، وكان ثقة في الحديث.
قال أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري٢: هلك زفر بالبصرة سنة أربع وخمسين ومائة.
وقال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي في كتاب الفقهاء: ولد زفر سنة عشر ومائة، ومات سنة ثمان وخمسين [ومائة] ٣، ومات وله ثمان وأربعون سنة، وكان قد جمع بين العلم العبادة٤.
ومنهم: محمد بن الحسن الشيباني٥ الفقيه، أبو عبد الله] ١١٤/ب [مولى
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص١٠٣ للصيمري، وفيات الأعيان ٢/٣١٧، سير الأعلام ٨/٣٨، شذرات الذهب ٢/٢٤٣، الجواهر المضيئة ٢/٢٠٧، الفوائد البهية ص٧٥. ٢ هو هبة الله بن الحسن الرازي الطبري اللالكائي، الإمام الحافظ، من أئمة أهل السنة، صاحب التصانيف الكثيرة ومنها: شرح اصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، توفي سنة ٤١٨هـ (ر: تاريخ بغداد ١٤/٧٠، والبداية والنهاية ٢/٢٤) . ٣ ساقطة من (ص) بدليل السياق، وأثبتها من طبقات الفقهاء للشيرازي. ٤ طبقات الفقهاء ص١٣٥. ٥انظر ترجمته في أخبار أبي حنيفة واصحابه ص١٢٠، وتاريخ بغداد ٢/١٧٢، وسير أعلام النبلاء ٩/١٣٤، والجواهر المضيئة ٣/٢٢، والفوائد البهية ص١٦٣.
[ ١٧٨ ]
لبني شيبان، أخذ عن أبي حنيفة وعن أبي يوسف، وكتب الحديث وكان فقيهًا عالما شهما نبيلا.
وقال الشافعي: سمعت من محمد بن الحسن وقر بعير، وما رأيت رجلا سمينا أفهم منه، وكان إذا تكلم خيل أن القرآن نزل بلغته١.
قال أبو عمر: أصله من الشام وولد بالجزيرة، وولاه الرشيد قضاء الرقة فأقام بها مدة ثم عزله، ثم أخرجه مع نفس إلى الري وولاه قضاءها، فمات بها هو والكسائي النحوي علي بن حمزة في يوم واحد، فرثاهما اليزيدي بشعر حسن فقال:
تصرمت الدنيا فليس خلود وما قد ترى من بهجة سيبيد
لكل امرءٍ كأس من الموت منهل وما إن لنا إلا عليه ورود
ألم تر شيبا شاملا ينذر البلى وإن الشباب الغض ليس يعود
سيكفيك ما أفنى القرون التي مضت فكن مستعدا فالفناء عتيد
أَسيتُ على قاضي القضاة محمد فأذريت دمعي والفؤاد عميد
وقلت إذا ما الخطب أشكل من لنا بإيضاحه يوما وأنت فقيد
وأوجعني موت الكسائي بعده وكادت بي الأرض الفضاء تميد
وأذهلني عن كل لهو ولذة وأرق عيني والعيون هجود
هما عالمانا أوديا وتخرما وما لهما في العالمين نديد
فدمعي متى يخطر على القلب خطرة لذكراهما حتى الممات جديد٢
_________________
(١) ١ الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص١٢٣،١٢٤. ٢ ذكر القصة مطولة والأبيات الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص١٢٦-١٢٩ مع بعض الاختلافات اللفظية ودون ذكر البيت الآتي: وأذهلني عن كل لهو
[ ١٧٩ ]