في أصحابه كثرة، والمشهورون منهم: ابناه، صالح وعبد الله، وأبو بكر المروذي.
- أما صالح فهو أكبر أولاده١، ولي القضاء بطرسوس، ثم ولي بعده القضاء بأصبهان، ولد سنة ثلاث ومائتين، ومات بأصبهان ودفن بقرب قبر حُمَمَة الدَّوسي، صاحب رسول الله ﷺ في شهر رمضان سنة ست وستين ومائتين، وله ثلاث وستون سنة، وكان له أولاد: زهير وأحمد، وكان لأحمد بن صالح ولدٌ سماه محمدًا وكناه بأبي جعفر، حدَّث عن عم أبيه.
- عبد الله٢، ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين، سمع المسند من أبيه وهو ثلاثون ألف حديث، والتفسير وهو مائة ألف حديث وعشرون ألفًا، سمع منها ثمانين ألفًا، والناسخ والمنسوخ، والتاريخ، مات سنة تسعين ومائتين وصلى عليه زهير ابن أخيه، ودفن ببغداد في مقابر باب التين.
وقال: صحَّ عندي أن بها نبيًّا مدفونا٣، وكان سنه يوم توفي: سبع وسبعون سنة، ويكنى أبا عبد الرحمن، حدّث عن أبيه
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في مناقب الإمام أحمد ص٣٨١ لابن الجوزي. ٢ انظر ترجمته في تاريخ بغداد ٩/٣٧٥، مناقب الإمام أحمد ص٣٨٣ لابن الجوزي، سير أعلام النبلاء ١٣/٥١٦. ٣ ر: تاريخ بغداد ٩/٣٧٦، وطبقات الحنابلة ١/١٨٨.
[ ٢٥٠ ]
وعبد الأعلى بن حماد١ وكامل بن طلحة ويحيى بن كثير في خلق كثير.
روى عنه أبو القاسم البغوي وعبد الله بن إسحاق المدائني ومحمد بن خلف في آخرين.
- أبو بكر المَرُّوذِي٢ - ﵀ -، أحمد بن محمد بن الحجاج، أبوبكر المروذي كان] ١٣٦/ب [فاضلًا ورعًا، وهو الذي غسَّل أحمد بن حنبل، وروى عنه مسائل كثيرة٣.
قال الخلال: خرج المروذي إلى الغزو، فشيَّعه الناس إلى سامرا، فجعل يردّهم فلا يرجعون قال: فحزروا فإذا هم بسامرا سوى من رجع نحو خمسين ألف إنسان فقيل له: يا أبا بكر احمد الله فهذا عَلمٌ قد نشر لك. قال: فبكى ثم قال: ليس هذا العلم لي وإنما هذا عَلم أحمد بن حنبل٤.
وكان يقول: قليل التقوى يهزم كثير الجيوش.
مات في جمادى الأولى سنة خمس وسبعين ومائتين، ودفن قريبًا من قبر أحمد بن حنبل - ﵄ -.
_________________
(١) ١ عبد الأعلى بن حماد النرسي الباهلي البصري، أبو يحيى، لا بأس به، مات سنة ٢٣٧هـ. (ر: التهذيب ٦/٩٣، والتقريب١/٤٦٤ لابن حجر) . ٢ انظر ترجمته في تاريخ بغداد ٤/٤٢٣، وفي طبقات الحنابلة ١/٥٦، وفي مناقب الإمام أحمد ص٦١١ لابن الجوزي، وسير أعلام النبلاء ١١/٣٣٠. ٣ الخطيب في تاريخ بغداد ٤/٤٢٣. ٤ الخطيب في تاريخ بغداد ٤/٤٢٤، وابن الجوزي في المناقب ص٦١١.
[ ٢٥١ ]
قال إسحاق بن داود: لا أعلم أحدًا أقوم بأمر الإسلام من أبي بكر المروذي وأصحابه١.
قال أبوبكر بن صدقة: لاتُخْدَعن عن المروذي، فإني ما علمت أحدًا كان أذب عن دين الله منه٢.
لما مات المروذي أغفا إنسان عند قبره، فانتبه من نومه فزعًا، فقيل له: أي شيء القصة؟ قال: رأيت أحمد بن حنبل راكبًا فقلت: إلى أين يا أبا عبد الله؟ فقال: إلى شجرة طوبى نلحق أبا بكر المروذي. ذكر ذلك كله الخطيب أبوبكر في تاريخ بغداد٣.
_________________
(١) ١ تاريخ بغداد ٤/٤٢٣. ٢ تاريخ بغداد ٤/٤٢٣. ٣ تاريخ بغداد ٤/٤٢٤،٤٢٥، وابن الجوزي في المناقب ص٦١١.
[ ٢٥٢ ]
ذكر طرف من محنته
قال أبوبكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروذي] ١٣٧/أ [: كنت بين يدي أحمد بن حنبل فإذا بداق يدق الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ. فخرجت فإذا أنا بأعرابي بدوي فقال لي: أها هنا منزل أحمد بن حنبل؟ فقلت: نعم. فقال: استأذن لي عليه. فاستأذنت له فقال: ليدخل. فدخل الأعرابي فسلَّم على أبي عبد الله وقال: إن النبي ﷺ يقرأ عليك السلام. فقال له: من أين رأيت النبي ﷺ؟ قال: كنت نائمًا بالمدينة بين القبر والمنبر، فرأيت النبي ﷺ في منامي فقال لي: يا أعرابي تمضي لي في حاجة وأضمن لك على ربي الجنة؟ فقلت: نعم يا رسول الله. قال: تمضي إلى العراق وتسأل عن أحمد بن حنبل، وتقرأ ﵇ مني وتقول له: إن الله سيبتليك بمحنة فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.
قال المروذي: ما كان بعده إلا ثلاثة أيام حتى أخذ الشيخ١.
قال الربيع: قال لي الشافعي بمصر: خذ كتابي هذا فامض به وسلّمه إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل وآتني بالجواب. فَشَخَصَ الربيع إلى بغداد ومعه الكتاب فصادف أحمد بن حنبل فصلى معه الفجر، فلما انفتل من المحراب سلَّم إليه الكتاب وقال له: هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر
_________________
(١) ١ ذكر القصة ابن الجوزي في المناقب ص٥٥٨،٥٥٩ وفيه: قال أبو بكر المروزي: وكان بين منصرف الأعرابي وبين المحنة خمسة وعشرون يومًا. اهـ
[ ٢٥٣ ]
فقال له أحمد: نظرت فيه؟ فقال: لا. فكسر أبو عبد الله الختم، فقرأ الكتاب فتغرغرت] ١٣٧/ب [عيناه بالدموع فقال له الربيع: أي شيء فيه يا أبا عبد الله؟ فقال: يذكر أنه رأى النبي ﷺ في النوم، فقال له: اكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل واقرأ عليه مني السلام، وقل له إنك ستمتحن، وتدعا إلى خلق القرآن، فلا تجبهم فسيرفع الله لك علمًا إلى يوم القيامة. فقال له الربيع: البشارة يا أبا عبد الله. فخلع عليه قميصه الذي يلي جلده، فأخذه الربيع وخرج إلى مصر، وسلّم جواب الكتاب إلى الشافعي فقال له: إيش دفع إليك؟ فقال: القميص الذي يلي جلده. فقال له الشافعي: ليس نفجعك به، ولكن بُلَّه وادفع إلي الماء حتى أتبرك به١.
_________________
(١) ١ ذكر القصة ابن عساكر في تاريخ دمشق ٧/٢٧٠،٢٧١، وابن الجوزي في المناقب ص٥٥١-٥٥٣، وابن كثير في البداية والنهاية ١٠/٣٣١. وهي حكاية باطلة نص الإمام الذهبي على عدم صحتها فقال في ترجمة الربيع في سير أعلام النبلاء ١٢/٥٨٧،٥٨٨: ولم يكن صاحب رحلة، فأما ما يروى أن الشافعي بعثه إلى بغداد بكتابه إلى أحمد بن حنبل فغير صحيح. اهـ ويؤيد كلام الذهبي أن الخطيب البغدادي لم يترجم للربيع في تاريخ بغداد مع التزامه ترجمة كل من ورد بغداد، مع أن الربيع كان من العلماء المشهورين. كما أن الشافعي - ﵀- قد لقي من هو أكبر وأفضل من الإمام أحمد ولم يتبرك به - كالإمام مالك وسفيان بن عيينة ﵏. يضاف إلى ما سبق أن أسانيد هذه الحكاية الباطلة فيها انقطاع، ورواة لا يعرفون، وبعضهم متهمون كأبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، قال عنه الذهبي في سير الأعلام ١٧/٢٥٢: "وفي الجملة ففي تصانيفه - محمد السلمي- أحاديث وحكايات موضوعة". اهـ (انظر: التبرك، أنواعه وأحكامه ص٣٨٤،٣٨٦ د. ناصر الجديع) .
[ ٢٥٤ ]
قال أحمد بن حنبل - ﵁ -: ما ثبتني في الأمر الذي نزل بي ما ثبتني أعرابي لقيني في رحبه مالك بن طوق،١ قال لي: يا أحمد إن يقتلك الحق تمت شهيدًا، وإن تعش تعش حميدًا٢.
قال أبوبكر أحمد بن كامل في تاريخه: ضرب المعتصم أحمد بن حنبل في المحنة في القرآن سنة سبع وعشرين ومائتين.
أدرك أحمد سبعة من الخلفاء، وطلبه المأمون فمات قبل أن يصل إليه، وضربه المعتصم، ومنعه الواثق من الخروج وجعل داره] ١٣٨/أ [عليه حبسًا، وأخرجه المتوكل - ﵀- وخلع عليه وأكرمه ورفع المحنة في القرآن.
- لما حمل أحمد بن حنبل إلى المعتصم وكلموه في القرآن استدل بقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٣ قال: فإن يكن القول من الله فإن القرآن كلام الله، واستدل بقوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْر﴾ ٤ قال: وقد فرَّق بين الخلق والأمر،
_________________
(١) ١ رحبة مالك بن طوق: تقع بين الرقة وبغداد، على شاطئ الفرات وتبعد عن بغداد مائة فرسخ، وعن الرقة نيفًا وعشرين فرسخًا. (ر: معجم البلدان ٣/٣٤ ياقوت الحموي) . ٢ الذهبي في سير الأعلام ١١/٢٤١،٤٥٩، وابن كثير في البداية والنهاية ١٠/٣٣٢ ٣ سورة السجدة /١٣. ٤ سورة الأعراف /٥٤.
[ ٢٥٥ ]
واستدل أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١ فلو كان قوله: ﴿كُنْ﴾ مخلوقًا لاحتاج إلى قول آخر، وذلك القول إلى آخر، فيتسلسل ولا يتحصل.
قال: وكان يقول: اعطوني آية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله ﷺ حتى آخذ به. فقال له ابن أبي دؤاد - لعنه الله - ما تقول في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيّا﴾ ٢؟ فقال أحمد: الجعل في القرآن على وجوه، هاهنا ليس معناه الخلق إنما معناه: أنزلناه بلسان العرب، قال الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَج﴾ ٣ قال ابن عباس: "غير مخلوق".
وكلامه من علمه، وعلمه من صفته، وصفته غير مخلوق٤.
فلما مدوه ليُضرب انحل سراويله، فحرَّك شفتيه فارتفع السراويل من بعد انخفاضه، وانعقد من بعد انحلاله٥، وأخذ المعتصم الصفار
_________________
(١) ١ سورة النحل /٤٠. ٢ سورة الزخرف /٣. ٣ سورة الزمر /٢٨. ٤ خبر الإمام أحمد مع المعتصم، أورده أبو نعيم في الحلية ٩/١٩٧-٢٠٤، وابن الجوزي في المناقب ص٣٩٧، والذهبي في سير الأعلام ١١/٢٤٣. ٥ أبو نعيم في الحلية ٩/١٩٥،٢٠٦، والذهبي في سير الأعلام ١١/٢٥٥،٢٥٦ وقال الإمام الذهبي معلقًا: هذه حكاية منكرة، أخاف أن يكون داود- يقصد داود بن عرفة - وضعها. اهـ وذكر القصة بإسناد آخر وقال: وهذه الحكاية لا تصح، وقد ساق صاحب "الحلية" من الخرافات السمجة هنا ما يستحيا من ذكره. اهـ
[ ٢٥٦ ]
وكان] ١٣٨/ب [ينتبه في الليل مذعورًا، وربما سُمِعَ يقول: ما لي ولأحمد، كأنه يُعذَّب إلى أن مات١.
قال عبد الله بن محمد الهروي٢ فيه:
ديني حديث المصطفى وشريعتي آثار من تبعوه بالإحسان
وإمام العوام لله الذي دفنوا حميد الشأن في بغدان
جمع التقى والزهد في دنياهم والعلم بعد طهارة الأردان
خَصْم النبي وصيرفي حديثهِ ومُفْلق أعرافها بمعان
حَبْر العراق ومحنة لذوي الهوى يدرى ببغضته ذوو الأظغان
عرف الهدى فاجتاب ثوبي نصره وسخا بمهجته على عرفان
متجردًا فوق السياط تنوشه أيدي سياط أئمة العدوان
ورعى حفيظة عُصبة صحبتهم لله عاصِمة من الإيهان
عرضت له الدنيا فأعرض سالمًا نها كفعل الراهب الخمصَان
وأبى على الغاوين مَا قد موَّهوا من زخرف ورموه من هذيان
هانت عليه نفسه في دينه ففدى الإمامُ الدينَ بالجثمان
_________________
(١) ١ بنحوه في كتاب محنة الإمام أحمد بن حنبل ص١١٥ للحافظ تقي الدين عبد الغني المقدسي (ت٦٠٠هـ) تحقيق: د. عبد الله التركي. ٢ تقدمت ترجمته
[ ٢٥٧ ]
ومنها:
لله ما لقي ابن حنبل صابرًا عزمًا وتبصرة بلا أعوان
فعلى ابن حنبل أحمد بن محمد وعلى الذين تلوه في البلدان
صلى الإله وصَبَّ فوق عظامهم صَوْبَ الربيع يسح في تهتان١] ١٣٩/أ [
تم الكتاب بحمد الله ومنه، فالله ينفع الكافة من المسلمين به بمنه وكرمه. آمين.
_________________
(١) ١ ذكر بعض هذه الأبيات ابن الجوزي في المناقب ص٥٢٦ مع بعض الاختلافات اللفظية.
[ ٢٥٨ ]