أركان علم الشريعة أربعة:
الأول: نَصُّ الكتاب المنزل على النبي المرسل ﷺ، قال الله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقّ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.
والكتاب قد جمع علم الأولين والآخرين، وتضمّن ثمرة كتبه التي أولاها أوائل الأمم، وصار خزانة لأنواع الحكم، قال الله تعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ٥. وضمّنه تعالى الحجج الواضحة والبراهين اللائحة] ٩٢/ب [والدلائل الساطعة على ما خص به من الإيجاز والإعجاز، بحيث عجز عنه الفصحاء، وأذعن له البلغاء وتبلد منه الشعراء، وتحيَّر فيه الحكماء، فهو عذب المسموع، سهل الموضوع، باللفظ الجزل ومتشابه الرصف، وتلاحم أجزاء الأول بالآخر، واتفاق قرائن الأوسط بالطرفين، ينظم أبهة الفخامة إلى رقة الحلاوة، ويجمع رصانة الجزالة ومهابة الجلالة إلى بهجة الرشاقة ومحبة القبول، له مبادئ بديعة ومخالص
_________________
(١) ١في (ص): الفصل، والمثبت من المحقق بدلالة تقسيم المؤلف في المقدمة ودفعًا للتكرار والاشتباه. ٢ إضافة من المحقق، ولعلها سقطت من الناسخ بدلالة ما سيأتي. ٣ سورة الجاثية /٢٩. ٤ سورة الأعراف /٣. ٥ سورة البينة /٢،٣.
[ ٦١ ]
مجيبة ومقاطع غريبة، يزيده مرور الليالي والأيام جِدَّة وطراوة، وتكسبه كرور الشهور والأعوام رونقًا وطلاوةً، ولا يمجه السمع [ولا ينبو] ١ عنه القلب والطبع، لا يبليه كثرة الدرس والقراءة، ولا تخلقه شدة التلاوة والإعادة، يقص أخبار الأمم السالفة ويعبّر عن أنباء الملل وعقائد النحل، ويترجم عن الجلود المتمزقة والرمم البالية والأيام الخالية، جمع خير الدنيا والآخرة بما انتظم من الجواهر الفاخرة، قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٦، وهو وإن كان كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٧. لا يُخلي الناظر فيه من
_________________
(١) ١ في (ص) (ينبوا) والصواب ما أثبته. ٢ سورة يس /١٢. ٣ سورة الأنعام /٣٨. ٤ سورة القصص /٥١. ٥ سورة العنكبوت /٥١. ٦ سورة فصلت /٤٢. ٧ سورة لقمان /٢٧.
[ ٦٢ ]
نورِ ما] ٩٤/أ [يريده ونفع يوليه.
كالبدر من حيث التفت رأيته يهدي إلى عينيك نورًا ثاقبًا
كالبحر يقذف للقريب جواهرًا جودًا، ويبعث للبعيد سحائبًا
كالشمس في كبد السماء وضوئها يغشي البلاد مشارقًا ومغاربًا١
لكن محاسن أنواره لا تثقبها إلا البصائر الجلية، وأطناب ثماره لا يقطفها إلا الأيدي الزكية، ومنافع شفائه لا تنالها إلا النفوس النقية والقلوب التقية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ٢. ثم إنه تعالى إنما جعل حجج الكتاب الأوضح دون الأدق الأغمض، لما أراد من تفهيم كافة البشر فإنهم مخاطبون به إلى يوم القيامة، فهو القول الفصل والميزان العدل، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٣. ﴿مُتَشَابِهًا﴾: يعني يشبه بعضه بعضًا في الجزالة والفصاحة،
_________________
(١) ١ هذه الأبيات من الكامل للشاعر أبي الطيب المتنبي المتوفى سنة ٣٥٤هـ: ديوانه بشرح أبي البقاء العكبري ١/١٣٠ ضبط وتصحيح مصطفى السقا وزميلاه، درا المعرفة، بيروت. ٢ سورة الواقعة /٧٩. ٣ سورة الزمر /٢٣.
[ ٦٣ ]
﴿مَثَانِيَ﴾: ثنَّى فيه القصص، فتضمنت القصة في الإعادة زيادة فائدة١، ولا غرو ان تكرر ذلك كذلك وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ٢. والقرآن مجمل ومفصل ومحكم ومتشابه، وقد كثرت أقاويل المفسرين٣
_________________
(١) ١ قال الإمام سعيد بن جبير في قوله تعالى: "كتابًا متشابهًا": يشبه بعضه بعضًا، ويصدّق بعضه بعضًا، ويدل بعضه على بعض. وقال في قوله تعالى: "مثاني":تثنى فيه الأنباء والأخبار والقضاء والأحكام والحجج. (ر: تفسير ابن جرير الطبري ٢٣/٢١٠، وتفسير ابن كثير٤/٥٥) . ٢ سورة الإسراء /٨٨. ٣ إن الله تعالى وصف القرآن بأنه محكم، وبأنه متشابه، وبأن بعضه محكم وبعضه متشابه، فالإحكام الذي وصف به جميع القرآن هو: الإتقان والجودة في اللفظ والمعنى، وكمال الصدق والعدل. والتشابه الذي وصف به جميع القرآن هو: تشابه القرآن في الكمال والإتقان والإئتلاف، فلا يناقض بعضه بعضًا في الأحكام، ولا يكذب بعضه بعضًا في الأخبار. أما الإحكام الذي وصف به بعض القرآن فهو: الوضوح والظهور، بحيث يكون معناه واضحًا بينًا لا يشتبه على أحد، وهذا كثير في الأحكام والأخبار. وأما التشابه الذي وصف به بعض القرآن فهو: الاشتباه، أي خفاء المعنى بحيث يشتبه على بعض الناس دون غيرهم، فيعلمه الراسخون في العلم دون غيرهم. وبهذا يعلم أن وصف القرآن جميعه بالإحكام، ووصفه جميعه بالتشابه لا يتعارضان، والجمع بينهما أن الكلام المحكم المتقن يشبه بعضه بعضًا في الكمال والصدق. وأما وصف القرآن بأن بعضه محكم وبعضه متشابه فلا تعارض بينهما أصلًا، لأن كل وصف وارد على محل لم يرد عليه الآخر، فبعض القرآن محكم ظاهر المعنى، وبعضه متشابه خفي المعنى. فالراسخون في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا، وإذا كان من عنده فلن يكون فيه اشتباه يستلزم ضلالًا أو تناقضًا، ويردون المتشابه إلى المحكم فصار مآل المتشابه إلى الإحكام. والتشابه الواقع في القرآن الكريم نوعان: حقيقي ونسبي: فالتشابه الحقيقي: ما لا يعلمه إلا الله - ﷿ - مثل حقيقة ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، فإنا - وإن كنا نعلم معاني تلك الأخبار- لا نعلم حقائقها وكنهها. وأما النسبي: فهو ما يكون مشتبهًا على بعض الناس دون بعض، فيعلم منه الراسخون في العلم والإيمان ما يخفى على غيرهم، فهذا النوع يسأل عن بيانه لأنه يمكن الوصول إليه، فقد قال ﷿: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ . (ر: الرسالة التدمرية ص٣١-٣٦ للإمام ابن تيمية، تقريب التدمرية ص٨٨-٩٥ للشيخ محمد العثيمين، ويراجع أقوال العلماء في المحكم والمتشابه: تفسير الطبري ٣/١٣٠-١٣٤، وتفسير ابن كثير ١/٣٤٤-٣٤٧، والبرهان في علوم القرآن ٢/٦٨ للزركشي، والإتقان ٣/٣ للسيوطي) .
[ ٦٤ ]
في تعبير المحكم والمتشابه، فنحن نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه، ونقول كما قال الله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا] ٩٤/ب [يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران /٧.
[ ٦٥ ]