فصل في ذكر مالك
أما مالك فإنه لممالك الفضائل مالك، ولمسالك التقوى والورع سالك، إمام دار الهجرة بالاتفاق، ومفتي الحجاز بالإطباق، فقيه الأمةوسيد الأئمة، زكي الطبع والهمة، أول من صنف كتابا في الإسلام، جمع فيه شرائع الحلال والحرام، ونظم عقود الشرع فيه أحسن نظام، بين فيه عيون الدلائل، وفنون المسائل في الأحكام، فغدا كتابه غرة في جبين الدين، ودرة في تاج الفضل واليقين.
وسار في البدو والحضر مسير الشمس والقمر، وصار حجة على الأنام وقدوة يأتم بها أولو الأحلام، فمالك جم المناقب والفضائل، يم المواهب والفواضل، اتسع في الفضل مجاله، وفاض في الأفضال سجاله، واتسق في التقوى قوله وفعاله، وأصبح قريع١ عصره، وفريد دهره ومصره، علما سار بذكره الركبان وتعطر بنشره /١١٥] ب [الزمان، جمع بين فصاحة البيان وسماحة البنان.
نظم من جواهر الكلام عقدًا يزان بمثله نحر الإسلام، وصاغ من تبر٢ الشريعة تاجا، وفتح للسنة البيضاء رتاجا٣، وقسم ميراث النبوة
_________________
(١) ١ أي سيد عصره (ر: القاموس المحيط ص٩٦٨) . ٢ التبر: الذهب والفضة أو فتاتهما قبل أن يصاغا. (ر: القاموس المحيط ص٤٥٤) . ٣ الرَّتج: الباب العظيم (ر: المرجع السابق ص٢٤٣) .
[ ١٨١ ]
بين الأمة الهادية وبَرَّد بماء الحياة عليل الأنفس الصادية، خص بالمناقب الشريفة المبيَّنة، والمراتب المنيفة المتينة، وشرف بقول الرسول ﷺ: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم، فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة" ١، كان مجلسه محفوفا بالهيبة والسلطان، ومكنونا بالحجة والبرهان، كما قال فيه عبد الله بن المبارك إمام خراسان ﵀:
يأبى الجواب فما يكلم هيبة والسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقاروعز سلطان التقى فهو المطاع وليس ذا سلطان٢
_________________
(١) ١ سيأتي تخريجه (ر: ص ١٧٤) . ٢ ذكر الأبيات أبو نعيم في حلية الأولياء ٦/٣١٨،٣١٩، وابن عبد البر في الانتقاء ص٨٩ وعزاه إلى عبد الله بن سالم الخياط، والقاضي عياض في ترتيب المدارك ١/١٦٧، والذهبي في سير الأعلام ٨/١١٣ وعزاه إلى مصعب بن عبد الله.
[ ١٨٢ ]