فصل في ذكر أحمد بن محمد بن حنبل - ﵁ -
أحمد بن محمد بن حنبل هو شيخ الأئمة ومزكي الأمة، وأوحد الملة رفيع القدر والهمة، صيرفي الأخبار وقدوة العلماء في معرفة الآثار، إليه في فنونها الرَّد والقبول، وله في عيونها الغُرر والحجُول، إمام الأنام مفتي الأمة في الحلال والحرام، في علم الحديث بحر زخار، وفي علم الفقه سماء مدرار، وفي الزهد والتقوى الحسن البصري، وفي الرقائق والدقائق ذو النون المصري١، وفي الورع سفيان الثوري، مالك أزمة العلوم في عصره، القائم بإحياء الدين ونصره، عزَّ بمكانه التقى، وتحصَّن في جنابه الهدى، واعتدل ميْل الإسلام برأيه، وانهزم خيل الباطل من حججه وآيه، أقوى من ضرب في عصره عن بيضة الدين بالحسام المرهف، وأعلم] ١٣٠/ب [من تمكّن في وقته في شاهق الملة الحنيفية من الشعب الأشرف، مشاهده في الذب عن حريم السنة مشهورة، ومآثره في جمع الحديث مأثورة، وآية صبره في نصره السنة على جبينها مسطورة، تفسيره للقرآن در منظوم، ومسنده للحديث روض مرهوم٢، وسائر تصانيفه في أنواع العلوم وشيٌ مرقوم،
_________________
(١) ١ ذو النون بن إبراهيم المصري، أبو الفيض، ويقال ثوبان بن إبراهيم وذا النون لقب، الزاهد المشهور، توفي سنة ٢٤٥هـ. (ر: ترجمته في تاريخ بغداد ٨/٣٩٣، وحلية الأولياء ٩/٣٣١، وسير أعلام النبلاء ١١/ ٥٣٢) . ٢ الرِّهمة، بالكسر: المطر الضعيف الدائم، يقال: روضة مرهومة. (ر: القاموس المحيط ص١٤٤١) .
[ ٢٣٢ ]
مسائله في الفقه جنة عالية، قطوفها دانية، ورَدُّه على الزنادقة دعوى التناقض على القرآن روضة زاهرة زاهية، ومقاماته في تمهيد قواعد السنة ظاهرة بادية، أبقى لنفسه بذلك ذكرًا سائرًا وشرفًا شاهرًا، سحب بمكانه أذيال الفخر على السحائب، وجاز به أعلى المراتب والمناصب، رضيت حكمته الحكماء واختص بثمرة قوله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١، سار فضله في البدو والحضر مسير الشمس والقمر، شجرته في النسب خليلية الأصول والأغصان، إسماعيلية الفروع والقضبان، ربيعية الأوراق والأفنان، شيبانية الأعراق والقنوان، دهلية الأخلاق في جميع الشأن، فهو إمام الأئمة للإسلام بمدينة السلام، عليه أفضل التحية والسلام.
وختمي بالسلام على إمام بنى في قمة العلياء بيتًا
وإني كلما أَمَّمْت قصدًا نجيحًا صُغت في معناه بيتًا] ١٣١/أ [
_________________
(١) ١ سورة فاطر /٢٨.
[ ٢٣٣ ]