إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله ﷿ قد تكفل بحفظ هذا الدين الذي أنزله على خاتم أنبيائه ورسله نبينا محمد ﷺ فقال تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١ فهيّأ الله ﷿ لنبيه ﷺ أصحابًا - هم صفوة الخلق وخيرته بعد الأنبياء - وجعلهم وزراء له وأنصارا وأتباعًا، فحملوا الأمانة من بعده ﷺ، فأدّوها ورعوها حق رعايتها، وجاهدوا في الله حق جهاده، وسار التابعون لهم بإحسان على طريقتهم ومنهجهم إلى يوم الدين.
ولما نشأت البدع وظهرت الفرق التي حذرنا منها النبي ﷺ وأمرنا بالتمسك بما كان عليه ﷺ وصحابته من بعده، فقد سخر الله من عباده الصالحين في كل مكان وزمان من يدعون إلى السنة ويبينونها للناس، ويردون على البدعة ويحذرون منها.
_________________
(١) ١ سورة الحجر /٩.
[ ٧ ]
قال الإمام أبو القاسم اللالكائي: ثم إنه لم يزل في كل عصر من الأعصار إمام من سلف أو عالم من خلف قايم لله بحقه وناصح لدينه فيها، يصرف همته إلى جمع اعتقاد أهل الحديث على سنن كتاب الله ورسوله وآثار صحابته، ويجتهد في تصنيفه، ويتعب نفسه في تهذيبه رغبة منه في إحياء سنته وتجديد شريعته، وتطرية ذكرهما على أسماع المتمسكين بهما من أهل ملته، أو لزجر غال في بدعته، أو مستغرق يدعو إلى ضلالته، أو مفتتن بجهالته لقلة بصيرته اهـ١.
ومن هؤلاء العلماء الذين بذلوا مهجهم ونذروا أوقاتهم لهذا الواجب العظيم، الإمام الواعظ أبو زكريا يحيى بن إبراهيم الأزدي السلماسي الذي بيّن في كتابه – الذي بين أيدينا- منازل الأئمة الأربعة، أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد ﵃ أجمعين - اتفاق المعتقد عند الأئمة الأربعة الكرام، المقتدى بهم في الإسلام، والمعتمد على أقوالهم وفقههم بين الأنام.
فإن اعتقاد هؤلاء الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة الأعلام هو ما نطق به الكتاب والسنة، وما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ولم يكن بين هؤلاء الأئمة - ولله الحمد والمنة - خلاف في المعتقد وأصول الدين، وإنما وقع الخلاف بينهم في بعض فروع الشريعة وجزئياتها.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن اعتقاد الشافعي فأجاب - رحمه
_________________
(١) ١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/٢٦.
[ ٨ ]
الله - بقوله: اعتقاد الشافعي - ﵁ -، واعتقاد سلف الإسلام، كمالك، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، هو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم، كالفضيل بن عياض، وأببي سليمان الدارمي، وسهل بن عبد الله التستري، وغيرهم، فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة وأمثالهم نزاع في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة - ﵀ -، فإن الاعتقاد الثابت عنه في التوحيد والقدر ونحو ذلك، موافق لاعتقاد هؤلاء، واعتقاد هؤلاء هو ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وهو ما نطق به الكتاب والسنة اهـ١.
وإن في بيان وحدة معتقد الأئمة الأربعة، وإيضاح مجمل اعتقادهم وموافقته للسنة والمأثور عن سلف الأمة، إقامة للحجة على كل من يتبع مذاهب هؤلاء وهو على غير طريقتهم. وأمر آخر هو أن بيان معتقد هؤلاء الأئمة الأعلام من مصادرها المعتبرة هو تزييف وإبطال للآراء المنسوبة للإمام وهو منها بريء٢.
هذا هو موضوع الكتاب الذي بين أيدينا والذي عقدت العزم - مستعينا بالله - على تحقيقه ودراسته والتعليق عليه وإخراجه، بحول الله وقدرته وتوفيقه.
وقد قسمت البحث في دراسة الكتاب وتحقيقه إلى قسمين كالآتي:
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٥/٢٥٦، وبنحوه في منهاج السنة ٢/١٠٦، وكتاب الإيمان ص٣٥٠،٣٥١. ٢ أصول الدين عند الأئمة الأربعة واحدة، د. ناصر القفاري، ص٣٤.
[ ٩ ]
القسم الأول: دراسة المؤلف وكتابه، ويشتمل على ثلاثة مباحث هي:
المبحث الأول: التعريف بالمؤلف
المبحث الثاني: دراسة الكتاب
المبحث الثالث: منهجي في التحقيق
القسم الثاني: نص الكتاب المحقق.
ثم وضعت فهارس متنوعة للبحث إعانةً لقارئيه، سائلا الله العظيم أن يتقبل مني هذا العمل، وسائر أعمالي وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وألا يحرمني ووالدي أجرها إنه سميع مجيب. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
محمود بن عبد الرحمن قدح
[ ١٠ ]