القسم الثاني: نص الكتاب المحقق "منازل الأئمة الأربعة"
بسم الله الرحمن الرحيم] ٨٩/ب [
الحمد لله على نعمه الباطنة والظاهرة وأياديه المتواترة المتظاهرة، والصلاة على خاتم النبيين محمد ذي المفاخر الفاخرة والمناقب الشاهرة والفضائل الباهرة، وآله وعترته الطاهرة، وصحابته الأنجم الزاهرة، ما ضحكت أصداف الرياض من بكاء السحب الهامية١ الهامرة.
يقول العبد المذنب الفقير إلى رحمة الله تعالى يحيى بن إبراهيم بن أحمد بن محمد السلماسي - ختم الله له بالحسنى عمله -: إني آنست من جماعة من أبناء العصر وانشاء هذا الزمان والدهر، تعاطي علم الوعظ والتذكير، والتصدي للإرشاد والتبصير، قد اقتصروا من العلم على مجرد الرواية، وعدول عن منهج الديانة والدراية، حفظوا كلمات ملفقة مزخرفة، وحكايات مخترعة مؤلفة، من تأليف من لَمْ يقتبس من مشكاة الكتاب والسنة، ولم يرد على مشارع الشرع والملة، أكثرها منكر من القول وزور، وصاحبها بروايتها مطالبٌ مأزور، من غير اقتداء بإمام ناصح، ولا اهتداء بشيخ صالح، ولا استناد إلى أصل من الأصول، ولا مناسبة للشرع المنقول، ولا استبصار بمسالك المعقول، ولا تمسك بقضيات العقول، قد لهجوا بإنشاد الأبيات، واعتكفوا على إنشاء الإشارات المؤذنة
_________________
(١) ١ سحابة هموم: صبوب للمطر (ر: القاموس المحيط ص١٥١٢) .
[ ٤٩ ]
بفساد النيات، تركوا ما أمر الله تعالى به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واشتغلوا بإيراد الرمز] ٩٠/أ [والمضمر دون الواضح المظهر، وأضربوا صفحًا عن ذكر الوعد والوعيد، وشرح ما بينه الله تعالى في القرآن المجيد، من ذكر الموت والمعاد وما أعدَّ الله في الدار الآخرة للعباد من النعيم المقيم والعذاب الأليم، فبهذا بعث رُسُلَه وأنزل كتبه أفلا يعقلون؟! ألا يسمعون قوله؟! ألا يتلون؟!: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ ١.
قد نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم فهم عنه معرضون، وللفتنة والبلاء متعرضون، عن الهوى ينطقون، وما يضرهم ولا ينفعهم يتعلمون، يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون، يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون، يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق فسوف يعلمون، بالجبت والطاغوت يؤمنون، وبالحق والصدق يكفرون، ويدّعون الإيمان والتوحيد وغير الله يعبدون، وإذا قيل: السُّنة كذا ينكرون، وإذا ذُكِّرُوا لا يذكرون. وإذا يتلى عليهم القرآن والحديث يستكبرون، وما لا يرضى من القول يُبيِّتون، ومع الله إلهًا آخر يَدْعون، والوصول إلى الدرجات العالية والمقامات
_________________
(١) ١ سورة يس /١-٦.
[ ٥٠ ]
السامية يَدَّعون، تالله فهم إلى نار جهنّم يُدَعُّون، وهم عن صلاتهم ساهون، ويشهدون الجماعة والجمعة كسالى، يعملون] ٩٠/ب [ما يشتهون، يُنفقون ولا يُنفقون إلا وهم كارهون، ويحكمون ولكن حكم الجاهلية يَبْغُون، ويَعِدُون ويخلفون ولا يَفُون، رضوا من دينهم بتحسين الملابس وتزيين المراكب، وتكثير المجالس وتعظيم المواكب، يتأنقون في لبس العمائم ويترفعون على الناس ترفع النعائم، يتملقون بين يدي كل غاشم وظالم، ولا يتحاشون من ارتكاب الفواحش والمظالم، كما قال بعضهم:
زمانك ذا زمانُ بَني الغَرَامَة وما هذا زمان الاستقامة
رضوا بالطيلسان١ إذا اكتسوه وتفخيم البرانس والعمامة
كذا دَجَجُ البيوت لهن ريش ولكن لا يطرن مع الحمامة٢
خالطوا الطغاة المرقَة وحَالَفُوا العُتَاة الفسقة، ينادمونهم ليلًا ونهارًا، ويسامرونهم سرًا وجهارًا لا يرجون لله وقارًا، دأبهم الاستخفاف واللمز، ودينهم الاستهزاء والهَمْز، الغيبة والوقيعة في أهل الدين مذهبهم وشعارهم، والاستهانة بأحكام الله ملبسهم ودثارهم، قصارى هممهم جمع الحطام والاختطاف من السحت الحرام، فإذا ذُكِّروا بالكتاب والسنة وما فيها من بيان طريق النار والجنة، وما أمر الناس به من اتخاذ العدة
_________________
(١) ١ الطيلسان: جمعه طَيَالس وطَيَالسة، وهو كساء أخضر يلبسه الخواص من المشايخ والعلماء، وهو من لباس العجم. (ر: المصباح المنير ص٣٧٥، المنجد ص٤٦٩) . ٢ لم أقف على قائل هذه الأبيات.
[ ٥١ ]
والجُنَّة١، من الخطاب الشامل لجميع الناس قالوا: هذا من علم العوام والصبيان أين أنتم عن حقائق العرفان؟!، يتكلمون في الله تعالى وفي صفاته وأسمائه بما لم يأذن به الله في أرضه وسمائه] ٩١/أ [ولا فيما أنزل الله على أنبيائه، ونسوا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِِ﴾ ٢، لَوْ رُوجع أحدهم في فرض من فرائض الأعيان لعجز عن الجواب فيه والبيان، ولَوْ سُئِل عن خبر من أخبار الرسول ﷺ لأنكره ورمى بالبهتان، يفتخرون بمخالطة الظلمة وينتصرون بالعَميدِ٣ والشِّحْنَة٤، ويقطعون مجلس وعظهم بمدحهم والثناء عليهم رغبةً فيما يرون من الحطام لديهم، يزعمون أنهم أعلم الناس وأفقه الأنام، ويرتكبون فواحش الآثام، يستنكفون من التوقف عن الجواب فيما لا يعلمون فيجيبون بما يجهلون، يَضِلون ويُضِلُّون، كأنهم في عداد ما ذكرهم الله تعالى داخلون: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ ٥ ﴿ذَرْهُمْ
_________________
(١) ١ الجُنَّة، بضم الجيم: كل ما وقى، وما استتر به من السلاح، وجمعه الجُنن. (ر: القاموس المحيط ص١٥٣٢) . ٢ سورة الأعراف /١٨٠. ٣ العميد: رئيس العسكر (ر: القاموس ص٣٨٥) . ٤ الشِّحنة: العداوة، وشِحْنَةُ البلدِ: من أقامهم السلطان لضبط البلد كالشرطة. (ر: القاموس ص١٥٦٠) . ٥ سورة الفرقان /٤٤.
[ ٥٢ ]
يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ١، يحسبون أن الحكمة في جمع القراطيس أم كثرة الترحل إلى أصحاب الكراريس، أم الترأس على التمويه والتلبيس، ألا إنها هي لسان الوراثة إذا جاشت عن جوارحها بيعت فأمرعت، وبنفعها أينعت، ولمعين عين المعاني أوضحت فأشبعت، ولقد أخبرني أبي قال: أنبا القاضي أبو الحسن بُندار بن علي بن أحمد قرأه عليه بتبريز في داره قال: ثنا علي بن الحسن بن خارجة بن أحمد قال: ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأزهر قال: ثنا إبراهيم بن محمد بن الهيثم قال: ثنا محمد بن صباح قال: ثنا الحسن بن عَرْفه قال: ثنا بشر بن مروان الفلسطيني قال: ثنا عبد الله بن يزيد الدمشقي عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله ﵎] ٩١/ب [: أيها الزهاد المراءون، وأيها العُبَّاد المنافقون، كم تخادعون الله ورسوله، وكم تبهرجون الناس بما تقولون دون ما تفعلون، لا تبيعوا دينكم بدنياكم فتنقلبوا خاسرين، من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني، وهو غدًا يوم القيامة في زمرة النادمين"٢.
_________________
(١) ١ سورة الحجر /٣. ٢ حديث موضوع، في إسناده متّهم بالوضع، وهو عبد الله بن يزيد بن آدم الدمشقي، تابعي. قال الإمام أحمد: أحاديثه موضوعة، وقال الجوزجاني: أحاديثه منكرة. (ر: الجرح والتعديل ٥/٩٣٣ لابن أبي حاتم، وأحوال الرجال ص١٦٣ للجوزجاني، والمغني في الضعفاء ١/٣٦٣، وفي اللسان ٣/٣٧٨ للذهبي) وفي الإسناد من لم أقف على ترجمته في كتب الرجال، كما لم أقف على من أخرج الحديث سوى المؤلف فيما بحثت في كتب الحديث، والله أعلم.
[ ٥٣ ]
ثم يثيرون الفتن بين العوام ويوقعون الخلاف بين الأنام، بتحريف مقالات أرباب المذاهب وأصحاب المناصب، ويُخيِّلون إليهم أن بين الأئمة وفقهاء الأمة خلافًا في المعتقد والأصول، يطلبون بذلك إثارة الفضول، طلبًا للتقدم والرئاسة، وادِّعاءً للفهم والكياسة، وتنافسًا على ازدحام الجهال عليهم، وتسوقًا عندهم لاجتذاب ما لديهم، حتى تشوَّشت قلوب العوّام، ووقع بينهم الخلاف بل القتال بما يوردونه من زخرف الكلام، وصارت طوائف الأنام من المتبعين في الفروع مذاهب الأئمة الأعلام الفقهاء السادة الكرام، يلعن في الاعتقاد بعضهم بعضًا ويبدي كل واحد لصاحبه عداوة وبغضًا، ظنًا منهم أنهم اختلفوا في الأصول حسب اختلافهم في الفروع، لقلة معرفتهم بأحوالهم، وعدم الوقوف على أقوالهم، لم يقرؤا العلم على انتقاد، ولم يطالعوا تصانيف الجهابذة العارفين بالانتقاد، بل تلقفوا من أفواه بعض المبتدعة كذبًا وباطلًا، وطالعوا من تصانيفهم ما يصير الإنسان به عن الصراط السوي عادلًا١، ولم يعلموا أن الخلاف في التوحيد يؤدي إلى الكفر والتلحيد، إنما الخلاف [المحمود] ٢ في فروع الشرع وفصوله، لا في قواعد أحكامه وأصوله، والفقهاء الأئمة الذين] ٩٢/أ [اشتهر عنهم في الفروع الاختيار،
_________________
(١) ١ عدل عَنْه يَعْدِل عَدْلًا وعدولًا: حاد ومال. (ر: القاموس المحيط ص١٣٣٢) . ٢ في (ص): المحمودة، والصواب ما أثبته.
[ ٥٤ ]
وظهر لهم الاجتهاد والاختبار، وكثر لهم الأَتْبَاع والأَشْيَاعُ، وحُقَّ على العوام لهم الاتّباع، وتعطَّر بذكرهم الأقطار والأصقاع، وبرَّز في تمهيد أقوالهم الأصحاب من الحواضر والبوادي، وانعمرت بمناظرتهم المجالس والنوادي، أربعة أبوحنيفة بالكوفة، ومالك بدار الهجرة، والشافعي بمكة حرم الله، وأحمد بمدينة السلام، ﵃ وأرضاهم، وجعل الجنة منقلبهم ومقتضاهم.
فهم وإن اختلفت عنهم العبارات فقد اتفقت منهم الاعتقادات، كل واحد منهم مزكي الأمة وإمام الأئمة، محكم تعديله وجرحه، مسلَّم قبوله وطرحه، لا يخالف أحدهم صاحبه إلا في فرع مختلف فيه، لا يفسقه ولا يغويه، مثل لقطة الحرام وتوريث ذوي الأرحام.
فأما الكلام في صفات ذي الجلال والإكرام، وما يتعلق بأسمائه الحسنى وصفاته المباينة لصفات الأنام، فلا خلاف في ذلك بينهم، ولا يؤثر تفرق عنهم، يوجب كذبهم ومَيْنَهم١، بل كلمتهم فيها متفقة وأقوالهم متسقة، سلكوا سبيل الاتباع دون الابتداع، فيما نقلوا عن رسول الله ﷺ وأصحابه - ﵃ - وَرَوَوْا، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ المَيْن: الكذب (ر: القاموس المحيط ص١٥٩٥) . ٢ سورة البقرة /١٣٧.
[ ٥٥ ]
فرأيت من الواجب أن أذكر من اتفاقهم في المعتقد فصولًا، وأورد من ذلك فصوصًا ونصوصًا، وأبيّن عمومًا وخصوصًا، وأنثر طرفًا من طرف مطارفهم، وأذكر نتفًا من تحف مآثرهم ومعارفهم، لينتهي الناس عن ذكرهم بما ليس فيهم، ويتيقنون] ٩٢/ب [أن الدين عند الله الإسلام، وهو دين واحد أصله من عهد أبينا آدم ﵇ إلى أيام محمد رسول الله ﷺ ثابت راسخ، لم يتعقب مبانيه ناسخ، إنما وقع النسخ في شرائع الأنبياء - ﵈ - في الكيفيات والكميات من العبادات، لا في أمهات الأحكام من الصلاة والزكاة والحج والصيام، رحمةً من الله تعالى بعباده ولطفًا ومنًّا منه وعطفًا، وتخفيفًا عنهم لاختلاف الأزمنة والقوى، وتحقيقًا للامتحان والبلوى، إذ الدنيا مثل دار المرض، والناس فيها كأصحاب الأمراض، والرسل هم الأطباء، والشرائع هي الأدوية التي يزول بها الداء، ثم الأدوية تختلف باختلاف العلل والأسقام، فلهذا اختلفت الأحكام لاختلاف الأزمنة والأيام، وقد أنبأ الله تعالى في محكم التنزيل ومبرم معانيه فقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ١ والله تعالى الموفق لسلوك سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وقد قسّمت هذا المختصر أربعة أقسام وفصَّلتها فصولًا:
_________________
(١) ١ سورة الشورى /١٣.
[ ٥٦ ]
الفصل الأول: في بيان الحجج، وهي أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
الفصل الثاني: في ذكر مقدّمات يحتاج الناظر في هذا المختصر إليها، وهي أربعة فصول:
الأول: في بيان الأمة.
الثاني: في ذكر الأئمة. الثالث:
في بيان الاتباع وترك الابتداع.
الرابع: في ذكر كمال الدين وحقائق اليقين] ٩٣/أ [.
الفصل الثالث: في جمل الاعتقاد، وهي أربعة فصول:
الأول: في إثبات العلم بالذات والأسماء والصفات.
الثاني: في ذكر الأفعال، وما جاء الوعد والوعيد به في المآل.
الثالث: في الرسالة والنبوة، وبيان ما أوتي الرسل من المعجزات والقوة.
الرابع: في ذكر الإمامة والخلافة.
الفصل الرابع: في ذكر الأئمة الأربعة، وقد أوردت لكل واحد منهم أربعة فصول: الأول: في ذكر مولده ونسبه وحليته ووفاته.
الثاني: في ذكر علمه وورعه وزهده.
الثالث: في ذكر ما جاء من مدح الأئمة له والثناء عليه.
الرابع: في ذكر أصحابه، وذكرت لكل واحدٍ أربعةً من الأصحاب، ثم عقبت ذكر كل إمامٍ بذكر طرفٍ من محنته على سبيل الاختصار دون الإكثار.
والله أسأل التوفيق لما يقرب إليه ويزلف لديه إنه القادر عليه.
[ ٥٧ ]