في بيان غَزارة علمه وقوة فَهمه وفقهه
أَخبرنا محمد بن أَبي منصور، قال: أَنبأَنا عبد القادر بن محمد، قال: أَنبأَنا إبراهيم بن عمر، قال: أَنبأَنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أَحمد بن محمد الخلال، قال: سمعت أَبا القاسم بن الجُبُّلي- وكفاك به- يقول: أكثرُ الناس يظنون أَن أَحمد بن حنبل إِنما كان أَكثر ذكره لموضع المِحنة، وليس هو كذاك، كان أَحمد بن حنبل إِذا سُئِلَ عن المسأَلة كأَن علم الدنيا بين عَينيه.
أَخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أَبو عقيل أَحمد بن عيسى القَزاز، قال: حدثنا عبد العزيز بن الحارث التميمي، قال: حدثنا إبراهيم بن عمر بن محمد النَّساج، قال: سمعت إبراهيم الحربي، يقول: أَدركت ثلاثة لن يُرى مثلهم، تَعْجِزُ النساءُ أَن يلِدان مثلهم، رأَيت أَبا عُبيد القاسم بن سَلّام ما مثَّلتُه إِلا بجبل نُفخ فيه روح، ورأَيتُ بشر بن الحارث فما شَبهته إلا برجل عُجِنَ من قَرنه إِلى قَدمه عقلًا، ورأَيت أَحمد بن حنبل فرأَيت كأنَّ الله جَمع له علم الأَولين والآخرين من كل صنف، يقول ما شاءَ ويُمسك ما شاءَ.
[ ٧٧ ]
أَخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أَخبرنا أَحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن أَحمد بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن نُعيم الضَّبي، قال: سمعت أَبا الفضل محمد بن إِبراهيم بن الفضل، يقول: سمعتُ أَحمد بن سَلمة، يقول: سمعت أَحمد بن سَعيد الدارمي يقول: ما رأَيتُ أَسوَد الرأس أَحفظَ لحديث رسول الله ﷺ، ولا أَعلَم بفقهه ومَعانيه، من أَبي عبد الله أَحمد ابن حنبل.
أَخبرنا محمد بن أَبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، وأخبرنا عبد الرحمن بن أَبي غالب، قال: أخبرنا أَبو بكر بن ثابت، قالا: حدثنا أَبو إِسحاق البَرْمَكي، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أَبي حاتم، قال: حدثنا أَحمد بن سَلَمة النَّيسابوري، قال: سمعتُ إِسحاق بن راهويه، يقول: كنت أُجالس بالعراق أَحمد بن حنبل، ويَحيى بن مَعِين، وأَصحابنا، فكنا نتذاكر الحديث من طريق وطريقين وثَلاثة، فيقول يَحيى بن معين من بينهم: وَطريق كذا، فأَقول: أَليس قد صَحَّ هذا بإِجماع منا؟ فيقولون: نعم. فأَقول: ما مرادُه؟ ما تَفسيره؟ ما فقهه؟ فيبقون كلهم إِلا أَحمدَ بن حنبل.
أَخبرنا عبد الرحمن بن أبي غالب القَزَّاز، قال: أخبرنا أَبو بكر أَحمد بن علي الحافظ. وأَخبرنا إِسماعيل بن أَحمد ومحمد بن عبد الباقي قالا: أخبرنا حَمْد بن أَحمد الحداد، قال: أخبرنا أَبو نُعيم الحافظ، قال: حدثنا إِبراهيم بن عبد الله
[ ٧٨ ]
المعدَّل، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: سمعتُ محمد بن يونس، يقول: سمعتُ أَبا عاصم- وذكر الفقه- فقال: ليس ثَمة- يعني ببغداد- إِلا ذلك الرجل- يعني أحمد بن حنبل- ما جاءَنا من ثَمّ أَحدٌ مثله يُحسِن الفقه، فَذُكر له علي بن المديني، فقال بيده ونفضها.
أَخبرنا محمد بن أَبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أَنبأَنا إِبراهيم بن عمر، قال: أَنبأَنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أَحمد بن محمد الخَلّال، قال: حدثنا أَحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي، قال: سمعت يحيى بن مَعين وسأَله رجل عن مسأَلة سكنى في دكان، فقال: ليس هذا بابتنا، هذا بابَةُ أَحمد بن حنبل.
قال الخلال: وكان أَحمد قد كتبَ كتب الرأي وحفظها، ثم لم يلتفت إِليها، وكان إذا تكلم في الفقه تكلم كلام رجل قد انتقد العلوم، فتكلم عن معرفة.
قال حُبيش بن مُبَشر وعدة من الفقهاءِ: نحن نُناظر ونَعترض في مناظرتنا على الناس كلهم، فإِذا جاءَ أَحمد فليس لنا إِلا السكوت.
أَخبرنا ابن ناصر، قال: أَنبأَنا أَبو طالب بن يوسف، قال: أخبرنا البَرْمكي، قال: أخبرنا ابن بَطّة، قال: حدثنا محمد بن أَيوب، قال: حدثنا إِبراهيم الحَربي، قال: سُئل أَحمد عن الرجل المسلم يقول للرجل النَّصراني: أَكرمكَ الله، قال: نعم، يقول: أكرمك الله، ويَنوي: بالإِسلام.
قال: وسُئل أَحمد عن رجل حَلف بالطلاق ثلاثًا أَنه لابد أَن يطأَ امرأَته الليلة، فوجدها حائضًا، قال: تَطلق منه امرأَته، ولا يطأها، قد أباحَ الله
[ ٧٩ ]
الطلاقَ، وحَرَّم وطءَ الحائض.
قال أَبو الوفاء علي بن عقيل ﵁: ومن عجيب ما تسمعه عن هؤلاءِ الأَحداث الجُهال أَنهم يقولون: أَحمد ليس بفقيه، لكنه مُحدِّث. وهذا غاية الجهل؛ لأَنه قد خرج عنه اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أَكثرهم، وخرج عنه من دقيق الفقه ما ليس نراه لأَحد منهم، وانفرد بما سلموه له من الحفظ، وشاركهم وربما زاد على كبارهم، ومِن دقيق ما خرج عنه أَنه اختلفت الرواية عنه في قِسمة الدَّين إِذا كان في ذمة اثنين، ولم تختلف في نفي صحة القسمة إِذا كان في ذمة واحد، وكأَنَّ المعنى فيه إذا كان في ذمةٍ أنه لا تتأَتى قِسمته؛ لأَن الملتزم له واحد، وليس لمن له الدَّين من الشريكين إلا حقّ المطالبة له بحقه مع الاشتراك، ولا يكون له إِلا ذلك فكيف يتأَتى الانقسام؟ وليس كذلك إِذا كان على اثنين؛ لأَنه يمكن أَن ينفرد أَحد الشريكين المستحقين للدّين بما في ذمة أَحد الاثنين المستحق عليهما الدّين، فتصح القسمة، لامتياز أَحد المحلين عن الآخر. وعلى الرواية التي منع من القسمة وإِن كان الدين على اثنين إنما منع لأَن الذمم تختلف ولا تتكافأُ غالبًا.
قال: ومما وجدنا من فقه أَحمد ودِقة علمه أَنه سُئِلَ عن رجل نذر أَن يطوف بالبيت على أَربع، فقالَ: يطوف طوافين، ولا يطوف على أَربع. فانظر إلى هذا الفِقه كأَنه نظر إلى الانكباب، فَرآه مُثْلَة وخروجًا عن صورة الحيوان
[ ٨٠ ]
الناطق إِلى التشبيه بالبهيم، فصانه وصان البيت والمسجد عن الشهرة، ولم يُبطل حكم لفظه بالمشي على اليدين، فأَبدلها بالرجلين التي هي آلة المشي.
قال ابن عقيل: وقد سئل أَحمد عن رجل ماتَ وخلَّف ولدًا وجارية مُغَنية. فاحتاج الصبي إِلى بيعها. فقال: لا تباع إِلا على أَنها ساذجة، فقيل له: تساوي مُغنية ثلاثين ألفًا، وساذجة عشرين دينارًا. فقال: لا تباع إِلا على أَنها ساذجة. قال: وهذا فقه حسن من أَحمد، لأَن الغناء في الجارية كالتأليف في آلة اللهو، وذلك لا يقوم في الغصب، فلو غصب جارية مغنية، فنسيت الغناء لم يغرم.
قال: وسئل أَحمد عن سِمْسِم مبلول ماتت فيه فأرة. قال: يُعلف النواضِح. فقيل له: يُغسل مرارًا حتى يذهب الماء عنه، فقال: أَليس قد ابتل؟! وذا فقه دقيق من أحمد، لأَن البللَ الذي حصل فيه لا يُدخِل عليه الماء الذي يُفاض عليه، لأَن الماءَ لا يُخْرج الماءَ، فانظروا فقه هذا الرجل ودقته.
قال: وسُئل أَحمد عن تَشميس دود القَزِّ ليموتَ في ذلك المنسوج عليه كيلا يعود فَيقرض ما عليه من القَز، فقال: إِذا لم يجدوا منه بُدًّا، ولم يريدوا بذلك أَن يُعذبوه بالشمس، فليس به بأس. وهذا من أَحمد فِقه كبير، حيث اعتبر في جواز التعذيب عدم قصدهم نفس التعذيب.
قال ابن عقيل: ولقد كانت نوادرُ أَحمد نوادرَ بالغٍ في الفَهم إِلى أَقصى طَبقة، فمِن ذلك أَن أَبا عُبيد قَصده، فقام من مَجلسه، فقال: يا أَبا عبد الله، أَليسَ قد رُوي: "المرءُ أَحقُّ بمجلسِه"؟ فقال: بلى، يَجلِسُ ويُجْلِسُ
[ ٨١ ]
فيه مَن أَحب، فما يكون على هذا الفهم مزيدٌ مع سُرعة التأويل. قال: ومَن هذا فقهه واختياراتُه يَحسن بالمنصف أَن يغض منه في هذا العلم؟! وما يقصد هذا إِلا مُبتدع، قد تمزق فؤاده من خمول كلمته، وانتشار علم أَحمد، حتى إن أَكثر العلماء يقولون: أَصْلي أَصلُ أَحمد، وفَرعي فرعُ فلان. فحسبك بمن يُرضى به في الأُصول قُدوة.
[ ٨٢ ]