في ذكر تَنويه ذكره
قد ذكرنا في مَنْشَئه أَنه كان مرتفع الذكر من زمن الصِّبا.
وأَخبرنا محمد بن أَبي منصور، قال: أنبأنا عبد القادر بن محمد، قال: أَنبأَنا إِبراهيم بن عمر، قال: أَنبأَنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أَبو بكر أَحمد بن محمد بن هارون الخَلّال، قال: أخبرنا أَبو بَكر المَرُّوذِي، قال: قلتُ لأَبي عبد الله: ما أَكثر الداعي لك! قال: أَخافُ أَن يكون هذا استدراجًا، بأَي شيءٍ هذا؟ وقلتُ لأَبي عبد الله: إِنَّ رجلًا قدم من طَرَسُوس فقال لي: إِنا كنَّا في بلاد الروم في الغزو إِذا هَدأَ الليلُ رَفعوا أَصواتهم بالدعاءِ: ادعوا الله لأَبي عَبد الله، وكنا نمد المِنجَنيق ونَرمي عنه، ولقد رُمي عنه بحجر والعِلْج على الحِصن مُتترس بدَرقة، فذهب براسه وبالدَّرَقة، فتغيَّر وَجهه، وقال: ليتَه لا يكون استدراجًا؛ ثم قال: تَرى هذا استدراجًا؟ قلت له: كَلا.
قال الخلال: وحدثنا أَحمد بن علي الأَبّار، قال: سرنا في نهر بَلْخ أَيامًا وفَني زادنا، فخرجت إِلى نحو بُخَارَى أَشتري طعامًا، فإِذا رجل أَشقر أَحمر فقال: يا فتيان، من أَين أَنتم؟ قلنا: من أَهل بغداد، قال: فما فعل أَحمد بن حنبل؟ قلنا: تَركناه في الحياة، فرفع رأسه يقول: اللهم- يدعو له- فقلت
[ ٢٠١ ]
لرفيقي: بقي لك شيء؟ هذا أَقصى عمل الإِسلام، هذا موضع التُّرك.
قال الخَلال: وحدثنا أَبو بكر المَرُّوذِي قال: قلت لأَبي عبد الله: إِن رجلًا قال لي: إِنه من بلاد التُّرك إِلى ها هنا يَدعونَ لك، فكيف تؤدي شكر ما أَنعم الله عليك وما بث لك في الناس؟ فقال: أَسأَل الله أَن لا يَجعلنا مُرائين.
قال الخَلال: وأَخبرني عبد الله بن أَحمد بن حنبل، قال: مضيتُ أَنا وبلال إِلى مُحمد بن سَعيد التّرمذي فقال: كنا عند وَهب بن جَرير وثَمّ أَبو عبد الله، فقال لي: اقرأ، فلم أقرأ، فقيل له: ولم؟ قال: كَرهتُ أَن أَقرأَ، فيقول شيئًا، أو يظهر منه شيء يُتحدَّث به.
قال الخلال: وأَخبرني أَحمد بن الحسين بن حسان قال: سمعت رجلًا من خُراسان، يقول: عِندنا بخراسان يَرَوْن أَن أَحمد بن حنبل لا يُشبه البَشَر يظنون أَنه من الملائكة. قال أحمد بن الحسين: وقال لي رجل كان في ثَغر: نحنُ نقول: نَظرة من أَحمد بن حنبل خير- أَو قال-: تَعدل عندنا بعبادة سَنة.
قال الخلال: وحدثنا أَبو بكر المَرُّوذِي، قال: سمعت علي بن الجَهم يقول: كنتُ ناشئًا شابًّا، فرأَيتُ الناس يمرون أفواجًا، فسأَلت، فقالوا: ها هنا رجلٌ رأَى أَحمد بن حنبل، فقلتُ له: أَرأَيت أَحمد بن حنبل؟ فقال: صليتُ في مَسجده.
قال المروذي: وسمعتُ نوح بن حَبيب القومُسي يقول: إِن امرأَتين مَجوسيَّتَيْن وَقع بينهما اختلاف في ميراث، فاحتكمتا إِلى عالم، فقضى على إِحداهن، فقالت: إِن كنتَ قضيتَ بقضاءِ أَحمد بن حنبل قبلت؛ وإِلا لم أَرض، فقال:
[ ٢٠٢ ]
نعم بقضاءِ أَحمد بن حنبل؛ فقبلَت.
قال المَرُّوذي: رأَيتُ بعض النَّصارى المتطببين قَد خرج من عند أَبي عبد الله ومعه بعضُ القِسّيسين- أَو الرهبان- فسمعتُ المتطبب يقول: إِنه سَأَلني أَن يجيءَ معي حتى يَنظُر إِلى أَبي عبد الله.
قال المُّروذي: وأَدخلتُ نصرانيًّا على أَبي عبد الله يُعالِجه، فقال: يا أَبا عبد الله، إِني أَشتهي أَن أَراك مُنذ سنين، وليس بقاؤك صلاحَ أَهل الإِسلام وحدَهم، بل هو للخلق جميعًا، وليس من أَصحابنا أَحد إِلا وقد رضي بك. قال المُّروذي: فقلت لأَبي عبد الله: إني لأَرجو أَن يكون يُدعَى لك في جميع الأَمصار، فقال: يا أَبا بكر؛ إِذا عَرَف الرجل نفسَه فما ينفعُه كلام الناس.
أَخبرنا أَبو منصور القَزاز قال: أخبرنا أَحمد بن علي بن ثابت، قال: أَخبرني أَحمد بن سليمان المقرئ قال: حدثنا أَحمد بن محمد بن أحمد الهروي قال: أخبرنا: عبد الله بن عَدي الحافظ، قال: سمعت محمد بن عبد الله الصَّيرفي يخاطب المتعلمين لمذهب الشافعي، يقول لهم: اعتبروا بهذين: حُسين الكَرابيسي، وأَبي ثور؛ والحسين في علمه وحِفظه، وأَبو ثور لا يَعشره في علمه، فتكلم فيه أَحمد بن حنبل في باب اللفظ فَسقط، وأَثنى على أَبي ثور فارتفع للزومه السنة.
[ ٢٠٣ ]
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار:، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد الحريري، قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه، قال: أخبرنا أبو مُزاحم الخاقاني، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري، قال: سمعت أبي يقول: سمعت إسحاق - يعني ابن راهويه - يقول: دخلت على عبد الله بن طاهر، فقال لي: ما رأيت أعجب من هؤلاء المُرجئة؛ يقول أحدهم: إيماني كإيمان جبريل، والله ما أستجيز أن أقول: إيماني كإيمان يحيى بن يحيى، ولا كإيمان أحمد بن حنبل.
قال الخاقاني: وحدثني أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا أبو موسى الطوسى قال: سمعت محمد بن يحيى، يقول: ما رأيت برًّا أنفق من بر أحمد بن حنبل، كنت أسمع منه بالغداة وأُملي بالعشي.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا محمد بن عبد الملك الأسدي قال: أنبأنا عُبيد الله بن أحمد بن عثمان، قال: حدثنا عُبيد الله بن أبي مُسلم قال: أخبرني بكران بن أحمد قال: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سمعت أبي يقول: لما قدمت صنعاء اليمن أنا ويحيى بن معين في وقت صلاة العصر، فسألنا عن منزل عبد الرازق، فقيل: إنه بقرية يقال لها: الرمادة، فمضيت لشهوتي للقائه، وتخلف يحيى بن معين؛ وبينها وبين صنعاء قريبٌ،
[ ٢٠٤ ]
حتى إذا سألت عن منزله قيل: هذا منزله، فلما ذهبت أدُق الباب، قال لي بقّال تجاه داره: لا تدق فإن الشيخ مهوب؛ فجلست حتى إذا كان قبل صلاة المغرب خرج لصلاة المغرب؛ فوثبت إليه وفي يدي أحاديث قد انتقيتها، فقلت له: سلام عليكم، تُحدثني بهذه رحمك الله؟ فإني رجل غريب. فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنا أحمد بن حنبل، قال: فتقاصر ورجع وضمني إليه، وقال: يالله أنت أبو عبد الله؟ ثم أخذ الأحاديث، فلم يزل يقرؤها حتى أشكل عليه الظلام؛ فقال للبقال: هلم المصباح، حتى خرج وقت المغرب - وكان يؤخرها - قال عبد الله: فكان أبي إذا ذكر أنه نوه باسمه عند عبد الرزّاق بكى.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلال، قال: حدثنا أبو بكر المروذي. قال: سمعت أبا العباس الحطاب يقول: كتبت رقاعًا والناس يومئذٍ متوافرون؛ أسود بن سالم، وبشر بن الحارث، وأحمد بن حنبل - وذكر جماعة - وكتبت اسم كل رجل في رقعة، وصليت ركعتين ودعوت الله ﷿ أن يخرج لي رجلًا أقتدي به وخلطت الرقاع وجعلتها تحت شيءٍ؛ ثم ضربت بيدي، فخرج أحمد بن حنبل، فبقيت أعجب. ثم صليت ركعتين وذكرت الله، وخلطت الرقاع، فخرج أحمد بن حنبل حتى فعلت الثالثة كذلك.
[ ٢٠٥ ]