في ذكر ورعه
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا محمد بن أحمد الجارودي - أو محمد بن محمد عنه - قال: أخبرنا أبو زُرعة محمد بن محمد بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا أبو ذر أحمد بن محمد الباغندي، قال: حدثنا الدّوري، قال: كتب لي أحمد بن حنبل إلى قوم من المحدثين بالبصرة، فكتب لي في كتابه: وهذا ممن يطلب الحديث.
أخبرنا عبد الملك، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: أخبرنا جدي، قال: أخبرنا أبو الفضل بن أبي جعفر المنذري، قال: سمعت محمد بن إبراهيم، يقول: بلغني أن أحمد بن حنبل حضره قوم من أهل الحديث من إخوانه، فاشترى لهم بما كان عنده، وأطعمهم، وأنه صبر على مقدار رُبع سويق - وهو الكيلجة - خمسة عشر يومًا بمعسكر المتوكل، يعتصم بذلك حتى أتته النفقة من بغداد، ولا يذوق من مائدة المتوكل.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا أبو أحمد الغطريفي، قال:
[ ٣٤٦ ]
حدثني زكريا بن يحيى الساجي، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: حدثني إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: دفع المأمون إليّ مالًا، وقال: اقسمه على أصحاب الحديث، فإن فيهم ضعفاء، فما بقى منهم أحدٌ إلا أخذ، إلا أحمد بن حنبل، فإنه أبى.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد الحريري، قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه، قال: أخبرنا أبو مزاحم الخاقاني، قال: حدثنا ابن المطّوعي، قال: حدثني فوران، قال: كُنا عند أحمد بن حنبل قبل أن يموت بليلتين، وكان ثم غلام أسود لأبي يوسف - يعني عمه - اشتراه من هذا المال، فذهب يروّح أحمد فنهاه.
أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري، قال: أنبأنا محمد بن علي بن الفتح، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن الصباح الكوفي، قال: حدثنا جعفر بن محمد ابن نصير، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق، قال: قال لي عبد الله بن أحمد بن حنبل: دخل عليّ أبي ﵀ في مرضي يعودني، فقلت: يا أبت، عندنا شيء قد بقى مما كان يبرّنا به المتوكل، أفأحج منه؟ قال: نعم، قلت: فإذا كان هذا عندك هكذا فلم لم تأخذ؟ قال: يا بني، ليس هو عندي حرام، ولكني تنزّهت عنه.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس، قال: أخبرنا
[ ٣٤٧ ]
أحمد بن جعفر، قال: حدثني جدي محمد بن عبيد الله المنادي، قال: قال لي أحمد بن حنبل: أنا أذرع هذه الدار التي أسكنها وأخرج الزكاة عنها في كل سنة، أذهب في ذلك إلى قول عمر بن الخطاب في أرض السواد.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبو بكر بن مالك، قال: حدثنا محمد بن يونس، قال: حدثني سليمان بن داود الشاذكوني، قال: عليّ بن المديني يتشبه بأحمد بن حنبل! أيهات، ما أشبه السُّك باللك، لقد حضرت من ورعه شيئًا بمكة؛ أنه رهن سطلًا عند فاميّ فأخذ منه شيئًا يتقوته، فجاء فأعطاه فكاكه، فأخرج إليه سطلين فقال: انظر أيهما سطلك فخذه، فقال: لا أدري، أنت في حل منه ومما أعطيتك في حل، ولم يأخذه، قال الفامي: والله إنه لسطله، وإنما أردت أن أمتحنه فيه.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا ابن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد الحريري، قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه، أن أبا مزاحم أخبرهم قال: أخبرني أبو بكر بن مكرم الصفّار، قال: حدثني محمد القاسم الثغري، قال: سمعت أحمد بن القاسم الطوسي، يقول: كان أحمد بن حنبل إذا نظر إلى نصراني غمض عينيه، فقيل له في ذلك، فقال: لا أقدر أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه.
[ ٣٤٨ ]
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: سمعت محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل، يقول: ما رأيت أبي في حفظه حدّث من غير كتاب إلا بأقل من مئة حديث.
أخبرنا المبارك بن أحمد النصاري، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السمرقندي، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: حدثني عبد العزيز ابن علي الورّاق، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز البردعي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا الحسين بن الحسن الرازي، قال: سمعت علي بن المديني، يقول: ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة حسنة.
أخبرنا المبارك، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: حدثني أبو القاسم عبد الله بن أحمد السوذرجاني، قال: حدثنا علي بن محمد بن أحمد الفقيه، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن أسد، قال: حدثنا علي بن روحان قال: حدثني إبراهيم بن جابر المروذي، قال: كنا نجالس أبا عبد الله أحمد بن حنبل فنذكر الحديث ونحفظه ونتقنه، فإذا أردنا أن نكتبه قال: الكتابُ أحفظ؛ قال: فيثب وثبةً ويجيء بالكتاب.
[ ٣٤٩ ]
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن على الخياط، قال: أخبرنا محمد بن أبى الفوارس، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق قال: حدثنا أبو بكر المروذى، قال: سمعت أبا عبد الله - يعنى أحمد بن حنبل - يقول: قد أنفقت على هذا المخْرَج خمسة وستين درهمًا بِدَين، وإنما لى فيه رُبع الكِراء. قلت: فلمَ لم تَدع عبد الله ينفق عليه؟ قال: كَرهت أن يُفسد علىَّ الدراهم.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقى، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: سمعت شاكر بن جعفر، يقول: سمعت أحمد بن محمد التُّسْتَرى يقول: ذكروا أن أحمد بن حنبل أتى عليه ثلاثة أيام ما كان طَعِم فيها، فبعث إلى صديق له فاستقرضَ شيئًا من الدقيق، فعرفوا فى البيت شِدّة حاجته إلى الطعام، فخّبزوا بالعَجلة، فلما وُضع بين يديه قال: كيف خبزتم هذا بسرعة؟ فقيل له: كان التنور فى دار صالح مسجورًا، فخبزنا بالعجلة، فقال: ارفعوا، ولم يأكل، وأمر بسد بابه إلى دار صالح.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن على الخياط، قال: أخبرنا محمد بن أبى الفوارس، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سَلم، قال أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، قال: حدثنا أبو بكر المُّروذى قال: سمعتُ أبا عبدالله يقول فى مرضه الذى
[ ٣٥٠ ]
مات فيه لأُم وَلده: ومَن قال لك أن تخبزى ثَمّ شيئًا؟ وقد كانت خبزت مرة قبل تلك، فقال لها: ومن يأكله؟ فلم يأكل منه شيئًا - يعنى بيت صالح ولده -.
أخبرنا محمد بن أبى منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلال، قال: حدثنا أبو بكر المُّروذى، قال سمعتُ أبا عبدالله وقال لى ونحن فى مَوضع: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ)، ثم قال: قد سكنّا، أو قال: نحن فيها.
قال الخلال: وأخبرنى محمد بن أبى هارون، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم، قال: بَعثنى أبو عبد الله مرة بقطع ثلاثة، أو أربعة فقال: اشترِ بهذه أَبزارًا للقِدر؛ ودَفع إلى قطعة أُخرى على حِدَة فقال: اشترِ بهذه أبزارًا ولا تخلطه، فاختلط، فجئتُ به فأخبرته أنه اختلط، فقال لى: رُدّة وخُذ القِطع. فرددته وأخذتُ القطع، فطرحها فى دراهم الجارية لما اشتبه عليه.
قال الخلال: وأخبرنى محمد بن على السّمسار، قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم بن هانىء، يقول: أعطانى أبو عبد الله يومًا قطعة فقال: اشتر لى بهذه القطعة باقِلاء وماءَه. وأعطتنى أَيضًا حُسن - أُم ولده - قطعةً فقالت: اشترِ لى بهذه القطعة أيضًا باقِلاء، فقال: اشترِ للصبيان زَيتًا وباقِلاء، ففضل حبة أو حبتان من قطع الطبيان، فقلت لصاحب الباقلاء: أعطنى به زيتًا، فصببته على الباقلاء الذى أخذته لأبى عبد الله؛ فلما جئت به وضعته بين يديه، فنظر
[ ٣٥١ ]
أثر الزيت، فقال لى: ما هذا؟ فقلت: فَضَل من قطع الصبيان حبة فصببت لك بها زيتاٍ، فقال: ارفع يا أحمق، ومن أمرك بهذا؟ متى تعقل؟ ولم يأكله.
قال الخلال: وأخبرنا محمد بن على السِّمسار، قال: سمعت أبا عبد الله يقول لإسحاق بن إبراهيم النَّيسابورى: خُذ من أُم عَلى - يعنى ابنة أبى عبد الله - ما تُعطيك، فدخل وخرج ومعه دجاجة؛ فخرجنا جميعًا فقلت لإسحاق: ما قالت لك؟ قال: قالت: أَبى يريد أن يحتجم وليس معه شىء؛ فقال لى: أعطِ إسحاق الدَّجاجة يبيعها، فإنى محتاج إلى الحَجامة، فصرنا بها إلى السوق فأعطى بها درهمًا ودانقين، فلم يبعها وردّها؛ فلما صرنا إلى القنطرة فإذا عبد الله جالس فى دكان ابن بُختان، فعا إسحاق وقال: أى شىء هذه؟ لمن هذه؟ فقلت: أعطتنى أُم على أبيعها. فقال: كم أُعطيت بها؟ قال: درهمًا ودِانقين. فقال: بِعنيها بدرهم ونصف. فأعطاه درهمًا ونصفًا وأَخذها منه، فلما صار إلى عبد الله، قالت أُم على: بكم بعتها؟ قال: بدرهم ونصف، فقالت: بَس؟! فقال لها: أعطونى فى السوق درهمًا ودانقين؛ فقال أبو عبد الله: يا إسحاق، ممن بعتَها؟ قلت له: من عبد الله. فأخذ الثمن من أُم على وصاح علىَّ وقال: مُر، رُدَّها. فخرج إسحاق يعدو حتى جاء إلى عبدالله فقال له: رُدّها، فقد صاح علىَّ أبوك. قال: ولم قلت له؟ فردَّها. قال إسحاق: فقال لى أبو عبد الله: مُر بها إلى السوق ولا تَمُر على عبد الله، فبعتها من غريب بدرهم وثلث ثم جئت إلى أبى عبد الله، فقال: لعلك دفعتها إلى عبدالله؟ قلت: لا بعتُها إلى رجل غريب.
قال الخلال: وأخبرنى محمد بن على السّمسار، قال: كانت لأُم عبد الله بن
[ ٣٥٢ ]
أحمد دار معنا فى الدَّرب يأخذ منها درهمًا بحق ميراثه، فاحتاجت إلى نَفقة فأصلحها عبد الله، فترك أَبو عبد الله الدرهم الذى كان يأخذه وقال: قد أفسده على.
قال الخلال: وأخبرنى محمد بن على، قال: حدثنا صالح أن أَباه مرض، فوصف له عبد الرحمن المتطبب قرعة تُشْوَى ويُسقى ماءَها فقال لى: يا صالح، لا تُشوَ فى منزلك ولا منزل عبد الله، فسمعت أَبا بكر المُّروذى يقول: فمضيت بها وشويتها وجِئت بها إليه.
قال الخلال: وأَخبرنى أَبو الحسن بن عبد الوهاب، قال: حدثنا محمد بن عَياش، قال: أَرسلنى أَبو عبد الله فاشتريتُ له سَمنًا بقطعة؛ فجئتُ به على ورقة بَقل، فأخذ السمن وأعطانى الورقة وقال: رُدَّها.
قال الخلال: وأخبرنى محمد بن عُبيد الله المنادى، قال: حدثنى الصحنائى، قال: أعطانى أحمد بن حنبل قطعة اشترى له بها باقلاء على خُبز مَثرود، فجئته بباقلاء كثيرة، فقال لى: هذا كثير؟ فقلت له: كان باقلانيان يَبيعان مُضارَّة رخيصًا، فقال لى: رُدَّه عليه، وادفع إليه الخُبز والاقلاء، ودّع القطعة عليه وتعال، ففعلت.
قال الخلال: وحدثنا عبد الله بن إسماعيل، قال: حدثنى محمد بن أحمد السمسار، قال: سمعت عبد الله بن أيوب المُخّرمى، يقول: نَزل عندنا رَوحُ بن عُبادة، فجاء أحمد بن حنبل إليه وباتَ هاهنا، وخُبزه فى كُمه،
[ ٣٥٣ ]
ويَشرب من ماءِ النهر، وينتظر رَوحًا حتى خرج، فجاء يحيى بن أكثم فى ضُبنةٍ فجلس بين يدى أحمد وجعل يُسائله، وأحمدُ مُطرِق، فلما رآه لا يُقبِل عليه قامَ وتركه.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الله، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: سمعتُ شاكر بن جعفر، قال: سمعتُ جعفر بن محمد بن يعقوب، يقول: جاءَ رسولٌ من دار أحمد بن حنبل إليه يذكر له أَن أَبا عبد الرحمن عليلٌ واشتهى الزُّبد، فناول رجلًا من أصحابه قطعة وقال: اشترِ له بها زُبدًا، فجاءَ به على ورق سلقٍ، فلما أن نظر إليه قال: من أَين هذا الوَرق؟ فقال: أخذتُه من عند البقّال، فقال: استأذنته فى ذلك؟ قال: لا، قال: رُدَّه.
أخبرنا محمد بن أبى منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرمَكى، قال: أخبرنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبى حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: وُلد لى مولود، فأهدى لى صديقٌ شَيئًا، ثم أتى على ذلك أشهر وأراد الخروج إلى البصرة، فقال لى: تُكلّم أَبا عبد الله يكتب لى إلى مشايخ بالبصرة؟ فكلمته، فقال: لولا أنه أَهدى إليك كنتُ أكتب له.
أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصارى، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد
[ ٣٥٤ ]
السَّمَرقندى، قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت، قال: أخبرنا الحسن بن على التَّميمى، قال أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدثنا عبد الله ابن أحمد بن جنبل، قال: كان هاهنا شيخ، قال: رأَيتُ على أَبى عبد الله جَرَبًا، فجئتُ بدواءٍ فقلت: ضَع هذا عليه، فأخذه ثم رَدّضه، فقلت له: لم ردَدته؟ فقال: أَنتم تسمعون منى.
أخبرنا محمد بن أبى منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا ابو بكر الخلال، قال: حدثنا على بن سَهل بن المغيرة البزاز، قال: سمعت غبراهيم الهَرَوى، قال: كُنا على باب هُشيم، فأتاه رجل بكتاب شَفاعة، فأذن له فدخلنا مع صاحب الشفاعة، وأحمد بن حنبل على الباب؛ وهو حَدثٌ له أَقلّ من عشرين سنة، فقلنا له: يا أبا عبد الله ادخل. قال: لم يُؤْذَن لى.
أنبأنا على بن عبيد الله عن أَبى القاسم بن البصرى، قال: أنبأنا أبو عبد الله ابن بَطة، قال: سُقِف لأبى عبد الله سَطح الحاكة، وجُعل مَسيل الماء إلى الطريق، فباتَ تلك الليلة، فلما أصبح قال: ادعو لى النَّجار يُحول الميزاب إلى الدار، فدعوته له فَحوَّله.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أَبو طالب بن يوسف، وأبو الحسين ابن عبد الجبار، قالا: أخبرنا إبراهيم بن عمر، قال: أخبرنا عبيد الله بن محمد ابن حمدان، قال: حدثنا محمد بن أَيوب العُكْبّرى، قال: حدثنا إبراهيم الحَربى، قال: لزمتُ أحمد بن حنبل سنتين، فكان إذا خرج ليُحدّثنا يُخرج
[ ٣٥٥ ]
معه مِحبرة مُجلدة بجلدٍ وقلمًا، فإذا مرَّ به سَقط أو خَطأ فى كتابه أَصلحه بقلمه من مِحبرته، يتورَّع أن يأخذ من مِحبرة أحدنا شيئًا، وكنا نقول لأحمد فى الشىءِ: تحفظه؟ فيقول: لا، إلا من كتاب.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أَبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا على بن عمر القزوينى، قال: أخبرنا أَبو عُمر بن حَيوُّيه، قال: أخبرنا أبو محمد الزهرى، قال: حدثنا إبراهيم الحربى، قال: ما خرج إلينا أحمد بن حنبل - ﵀ - قط إلا ومعه مَحبرة مجلدة وقلم، يتوّرع أَن مُدَّة فيُصلح بها سينًا أو شكله.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن دَرسْنتَويه قال: أخبرنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا سلمة - يعنى ابن شبيب - قال: سألتُ أحمد بن حنبل عن محمد بم معاوية النَّيسابورى، فقال لى: نِعم الرجل يحيى بن يحيى.
قلت: إنما ورّى عن ذكر هذا المذموم بذاك الممدوح، فإن محمد بن معاوية معدود فى الكذابين، وقد قدح فيه فى رواية أُخرى عنه، لكنه كان يَجتنب القدح فى أوقات.
أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصارى، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السمرقندى، قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت، قال: أنبأنا أبو سعد المالِينى: قال: أخبرنا إسماعيل بن عمر بن الحسن المقرئ، قال: حدثنا محمد بن صالح بن محمد الخولانى، قال: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل، يقول:
[ ٣٥٦ ]
سمعت أبى يقول ليحيى بن مَعين: يا أبا زكريا، بلغنى أَنك تقول: حدثنا إسماعيل ابن عُلضيّة، فقال يحيى: نعم، أقول هكذا، قال أحمد: فلا تقله، قُل: إسماعيل بن إبراهيم، فإنه بَلغنى أَنه يكره أَن يُنسب إلى أُمه. قال يحيى لأبى: قد قبلنا منك يا مُعلم الخير.
قلت: وقد نُسب إلى أُمهاتهم، وغلب ذلك عليهم، كبلال ابن حَمامة، ومعاذ ابن عَفراء، وبشير ابن الخَصاصية، وابن بُحَينة، ويَعلى ابن مُنَّية؛ فى خلق كثير قد ذكرته فى كتاب "التلقيح" والورع ترك ما يكرهه المنسوب.
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطى، ومحمد أَبو منصور، قالا: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو منصور أحمد بن الحسين بن على البَيِّع، قال: حدثنا أَبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس الوراق إملاءه، قال: حدثنا يحيى بن صاعد، قال: حدثنى أَبو فَروة يزيد بن محمد الرُّهاور - أملاه علىَّ بالرُّها - قال: لقيتُ أَبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ببغداد، فقال لى فيما يقول: ما فَعل الرجل الذى عندكم بَحرّان
[ ٣٥٧ ]
الجوهرى عنده علم؟ فقلت له: ما أعرف بَحرّان جَوهريَّا يُكتب عنه، فقال: بَلى صاحب أبى مَعبد حَفص بن غّيْلان. قلت: ما أعرفه. قال: يَغفر الله لك، له بنون. قلت: لعلك تريد البومّة؟ قال: إياه أَعنى، اكتُب عنه فإنه ثِقة.
قُلتُ: هذا الرجل اسمه محمد بن سُليمان بن أَبى داود ولُقّبَ بالبومة، فتورّع الإمام أحمد عن ذكر لقبه.
أخبرنا عبد الملك الكَرُوخى، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى، قال: أخبرنى يَحيى بن عَمّار - إجازة - قال: أخبرنا أبو أحمد بن جناح، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: سمعتُ أَبا داود السَّجستانى، يقول: سأَلتُ أحمد بن حنبل عن طَلاق السَّكران، فقال: سل غَيْرى.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكى، قال: أخبرنا أبو عبد الله بن بَطَّة، قال: حدثنا محمد بن أيوب العابد، قال سمعتُ إبراهيم الحَرى، يقول: أوصى أحمد أن يُكفَّر عنه يمين واحدة، وقال: أظن أنى حَنثْتُ فيها.
أخبرنا محمد بن أبى منصور، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد الحَريرى، قال: أخبرنا أبو عُمر بن حَيَّويه، قال: أخبرنا أبو مُزاحم الخاقانى، قال: حدثنى القاسم بن أحمد الصايغ، قال: حدثنا أحمد بن محمد المُّروذى، قال: سأَلتُ أحمد بن حنبل مالا أحصى عن أشياء، فيقول فيها: لا أدرى.
[ ٣٥٨ ]
قال الخاقانى: وحدثنا ابن المُطَّوعى، قال: سمعتُ محمد بن عُبيد اليمامى، يقول: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: رُبما مكثتُ فى المسألة ثلاث سنين قبل أن أعتقد منها شَيئًا.
أخبرنا عبد الحق، قال: أخبرنا محمد بن مرزوق، قال: أخبرنا أحمد بن بُخيت، قال: حدثنا عمر بن محمد الجَوْهرى، قال: حدثنا أبو بكر الأثرم، قال: سمعت أحمد بن حنبل يُستفتى، فيكثر أن يقول لا أدرى، وذلك فيما قد عرف الأقاويل فيه، وذلك أنه يُسأل عن اختياره فيذكر الاختلاف، ومعنى قوله: لا أدرى، أى: ما أختارُ من ذلك، وربما سمعته يقول فى المسألة: لا أدرى، ثم يَذكر فيها أقاويل.
أخبرنا محمد بن أبى منصور، قال: أنبأنا على بن أحمد البُسرى، عن أبى عبد الله بن بَطة، قال أخبرنا أبو بكر الآجُرِّى، قال: أخبرنا محمد بن كُردى، قال: أخبرنا أبو بكر المُّروذى، قال: كُنتُ مع أبى عبد الله بالعسكر فى قصر إيناخ، فأشرتُ إلى شَىءٍ على الجِدار قد نُصِب، فقال لى: لا تَنظر إليه.
قلت: فقد نظرتُ إليه. قال: فلا تفعل، لا تَنظر إليه.
[ ٣٥٩ ]