في ذكر حِلمه وعَفوه
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: حدثنا محمد بن أحمد الجارودي، قال: حدثنا الحسين بن علي بن جعفر، قال: حدثني أبين قال: حدثنا أبو علي الحسين بن عبد الله الخِرَقي، قال: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: أحللتُ المعتصم من ضَربي.
أخبرنا عبد الملك، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله اللآل، قال: أخبرنا محمد ابن إبراهيم الصرّام، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، أن المتوكل أخذ العَلوي الذي سَعى بأبي عبد الله إلى السلطان، وأرسله إلى أبي عبد الله ليقول فيه مَقالةً للسلطان، فعفا عنه، وقال: لعله يكون له صبيان يُحزِنهم قَتلُه، هذا معنى الحكاية.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن زياد، قال: حدثنا ابن هانئ، قال: كنتُ عند أحمد بن حنبل، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، قد اعتبتُك فاجعلني في حِل،
[ ٣٠٣ ]
قال: أنتَ في حل إن لم تَعُد. فقلتُ له: تَجعله في حل وقد اغتابك؟ قال: الم ترني اشترطتُ عليه؟!
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخَلال، قال: حدثنا عِصْمة بن عِصام، قال: حدثنا حنبل، قال: صليتُ بأبي عبد الله العَصر، فصلى معنا رجل يُقال له: محمد بن سَعيد الخُتَّلي؛ فقال أبو عبد الله: يا أبا عبد الله، نهيتَ عن زيد بن خلف أن يُكلَّم؟ فقال أبو عبد الله: كتب إليّ أهلُ الثغر يَسألوني عن أمره، فأخبرتُهم بمذهبه وبما أحدث، وأمرتهم أن لا يُجالسوه؛ فاندفع الخُتَّلى على أبي عبد الله فقال: والله لأرُدَنَّك إلى مَحبسك؛ ولأَدُقَّنَّ أضلاعَك ضِلعًا ضِلعًا - في كلامٍ كثير - فقال لي أبو عبد الله: لا تكلمه ولا تُجبه بشيءٍ، فما ردَّ عليه أحدٌ منا كلمة، فأخذ أبو عبد الله نَعليه وقام، فدخل، وقال: مر السكان أن لا يكلّموه ولا يردوا عليه شيئًا، فما زال يصيح، ثم خَرج فصار على حِسْبَة العسكر وماتَ بالعسكر.
قال الخلال: وحدثني محمد بن الحُسين، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: سمعتُ أبا بكر بن حَماد المقرئ، قال: حدثني أبو ثابت الخَطاب، قال: حدثني بلال الآجري، قال: صحبت أبا عبد الله ونَحن راجعون من الجامع، فذكرتُ أبا حنيفة، فقال بيده: هكذا، ونفضها؛ فقلت: كان بول أبي حنيفة أكثر من ملء الأرض مثلك؛ فنظر إليّ ثم قال: سلامٌ عليكم، فلما كان في السحر بكَّرتُ إليه فقلتُ: يا أبا عبد الله، إن الذي كان مني كان علي
[ ٣٠٤ ]
غير تعمّد، فأنا أحب أن تجعلني في حل. فقال: ما زالت قدماي من مكانهما حتى جعلتك في حل.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا أبو عبد الله بن بَطَّة، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أيوب العُكْبَرِي، قال: سمعتُ إبراهيم الحربي يقول: كان أحمد بن حنبل كأنه رجل قد وفِّق للأدب، وسُدِّد بالحلم، ومُلِيءَ بالعلم، أتاه رجل يومًا فقال له: عندك كتاب زندقة، فسكت ساعة ثم قال له: إنما يحرز المؤمن قبره.
وقال له رجل: يقولون: إنك لم تسمع من إبراهيم بن سعد، فسكت.
قال إبراهيم: وكنا يَومًا عند داود بن عمر، فقال له داود: يا أبا عبد الله كيف أكلُكَ؟ كيف نومُكَ؟ كيف جِماعُك؟ فقال له أحمد: ليسَ أنا بحَصورٍ ولا روحاني، ولم يزده على هذا.
[ ٣٠٥ ]