في ذكر التَّعازي به
قد ذكر أولاد أحمد ﵁: أن خلقًا كثيرًا عزّوهم عنه، وأن جماعةً من الصالحين لم يُعرفوا جاءوا للتعزية، فلم أطل بذكر ذلك، ونما ذكرتُ نبذة من مشهور ذلك.
أخبرنا ابن أبي منصور قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: جاءَ كِتاب المتوكل بَعد أيام من موت أبي إلى مُحمد بن عبد الله بن طاهر يأمره بتعزيتنا، ويأمر بحمل الكتب، فحملتها، وقلت: إنها لنا سماعٌ، فتكون في أيدينا وتُنسخ عندنا، فقال: أقول لأمير المؤمنين، فلم يزل يدافع الأمر، ولم تَخرج عن أيدينا والحمدُ لله ربُ العالمين.
قرأتُ على محمد بن أبي منصور، عن أبي القاسم بن البُسْري، عن أبي عبد الله بن بَطّة، قال: حدثنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر الخلال، قال: حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال كتبَ إليّ أخٌ لي يُعزيني عن أبي:
بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإنّ الله ﷿ حتم الموت على عباده حتمًا عدلًا، على بريته كافة قضاء فصلًا، حتى يأتي ذلك على جميع من ذرأ وبرأ؛ وكان ممن أتى عليه حتم الله وقضاؤه أبو عبد الله رحمة الله عليه، دعاه الله إليه فأجابه رَضيًّا مرضيّا نَقيًّا من الدَّنس والعيب، طاهر الثوب، غير مبتدع ولا
[ ٥٦٩ ]
ضالٌ ولا مُضل، ولا زائغ عن هدي ولا مائل إلى هوى، لم يُرهبه وعيد إلى أن نقله الله ﷿ إلى جواره، فلمثل ما صار إليه من كَرامة الله فليعمل العامِلون، وعلى أنّ المصيبة به قد مضَّت وأرمَضت وأبلغت من القلوب، وأنا أعزيك وعامة المسلمين ممن يقرأ كتابنا هذا بما أمر الله به تَنجُّزًا لما وعد من صلواته ورحمته وهداه، لمن احتسب وصبر وسلَّم ورضي بحكم الله النافذ على جميع خلقه، فقد مضى على أحسن حالاته وأحسن قصده وهَديه، ثابتًا على حَزمه وعزمه، أرادته الدنيا ولم يُردها، ولم تأخذه في الله لومَة لائم، فقد كَلم وثَلم في الإسلام فَقدُه، وأنا أسأل الله الذي يجود بالجزل، ويعطي الكثير، أن يُصلي على مُحمد عبده ورسوله، وأن يُعطي أبا عبد الله أفضل ما أعطى أحدًا من أوليائه الذين خلقهم لطاعته، وأن يُعلي درجته، ويَرفع ركنه، ويجعل مجلسه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُنَ أولئك رَفيقًا، وأن يهب لك صبرًا يُبلغك ما وعد الصابرين، ويَقينًا يوجب لكَ ثواب المحسنين فإنه ولي النّعم، وبيده الخير، وهو على كُل شيءٍ قدير.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبان، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الصوفي، قال: قالَ لي رجل من أهل العلم - وكان خيرًا فاضلًا يُكنى بأبي جعفر - في العَشية التي دَفنّا فيها أبا عبد الله: تَدري من دفنّا اليوم؟ قلتُ: من؟ قال: سادِس خمسة، قلتُ: من؟ قال: أبو بكر الصديق، وعُمر بن الخطاب، وعُمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعُمر بن عبد العزيز، وأحمدُ بن حنبل. قال: فاستحسنتُ ذلك منه، وعني بذل أن كلّ واحدٍ في زمانه.
[ ٥٧٠ ]