في ذكر مَرضه
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أبو يَعقوب، قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن الحسن ابن نَصر، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حَنبل، قال: سمعتُ أبي يقول استكملتُ سبعًا وسَبعين سنة، ودخلت في ثمان وسبعين، فحُمَّ من ليلِته ومات يَوم العاشر سنة إحدى وأربعين.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا ابن بَطَّة، قال: أخبرنا ابن مخلد، قال: حدثنا محمد بن يوسف الجَوهري، قال: دختُ على أبي عبد الله أحمد بن حَنبل في الحَبس، وعنده أبو سَعيد الحَداد، فقال له: كيفَ تَجدك يا أبا عبد الله؟ فقال: بخَير في عافية والحمد لله. فقال له أبو سعيد: حُممتَ البارحة؟ قال: إذا قلتُ لك أنا في عافية فَحسبك. لا تخرجني إلى ما أكره.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: لما كان
[ ٥٤٠ ]
في أول يوم من شهر ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومئتين حُمَّ أبي ليلة الأربعاءِ، فدخلتُ عليه يوم الأربعاءِ وهو مَحموم يتنفَّس تَنفُّسًا شديدًا، وكنتُ قد عرفت عِلّته، وكنتُ أمَرّضه إذا اعتلَّ، فقلت له: يا أبَةِ، علامَ أفطرتَ البارحة؟ قال: على ماءِ باقِلاَّء، ثم أراد القيام، فقال: خُذ بيدين فأخذتُ بيده، فلما صار إلى الخلاءِ ضَعفت رجلاه حتى تَوكأَ عليَّ، وكان يختلف إليه غيرُ مُتطبّب، كلّهم مُسلمون، فوصف له مُتطبب - يقال له: عبد الرحمن - قَرعةً تُشوى ويُسقى ماءَها - وهذا يوم الثلاثاء وتُوفي يوم الجُمعة - فقال: يا صالح، قلتُ: لبيكَ، قال: لا تُشوى في مَنزلك ولا في منزل بعد الله أخيك، وصارَ الفتح بن سهل إلى الباب ليعوده، فحجبته، وأتى [ابن] علي بن الجَعد فحجبته، وكثُر الناس، فقلتُ: يا أبَة، قد كثُر الناس، قال: فأيّ شيءٍ ترى؟ قلتُ: تأذنُ لهم فيدعونَ لك، قال: أستخير الله، فجعلوا يدخلون عليه أفواجًا حتى تَمتلئ الدار، فيسألونه ويدعون له، ثم يَخرجون، ويدخل فَوج آخر، وكثر الناس، وامتلأ الشارع، وأغلقنا بابَ الزُّقاق، وجاءَ رجلُ من جيراننا قد خَضب، فدخل عليه، فقال: إني لأرى الرجل يُحيي شيئًا من السنّة فأَفْرَحُ به، فدخل فَجعل يدعو له، فجعل يقول: له ولجَميع المسلمين، وجاءَ رجل فقال: تَلطَّف لي بالإذن عليه، فإني قد حَضرتُ ضربه يوم الدار، وأريدُ أن أستحلَّه. فقلتُ له، فأمسكَ، فلم أزل به حتى قال: أدخِله، فأدخلته، فقام بين يَديه وجعل يبكي، وقال: يا أبا عبد الله، أنا كنتُ ممن حَضر ضربَك يوم الدار، وقد أتيتُك، فإن أحببتَ
[ ٥٤١ ]
القِصاص فأنا بينَ يديك، وإن رأيت أن تُحلّني فَعلتَ، فقال: على أن لا تعود لمثل ذلك. قال: نعم، قال: قَد جعلتك في حلٍّ، فخرج يبكي، وبَكى من حضر من الناس، وكانَ له في خُرَيقةٍ قَطيعاتٌ، فإذا أراد الشيء، أعطينا من يَشتري له، فقال لي يوم الثلاثاء وأنا عنده: انظر في خُرَيْقتي شيء؟ فنظرت فإذا فيها درهم، فقال: وجِّه فاقْتَضِ بعضَ السكان، فوجهتُ فأعطيت شيئًا. فقال: وجِّه فاشترِ تمرًا وكفِّر عني كفارةَ يمين، فوجهتُ، فاشتريتُ وكفرتُ عنه كفارةَ يمين، وبقي ثلاثة دراهم، أو نَحو ذلك، فأخبرتُه، فقال: الحمدُ لله، وقال: اقرأ عليَّ الوصية، فقرأته عليه، فأقرَّها.
قلتُ: قد ذكرنا وصيته في قصة المحنة فغنينا عن الإعادة.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلاّل، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي. قال: مَرض أبو عبدالله ليلة الأربعاءِ لليلتين خَلتا من شهر ربيع الأول سَنة إحدى وأربعين ومئتين، ومَرض تسعة أيام، فلما اشتدت علته وتسامع الناس اقبلوا لعيادته، فكثروا، ولزموا الباب الليل والنهار يبيتون، وسمع السلطان بكثرة الناس، فوكّل السلطان ببابه وبباب الزُّقاق الرابطةَ وأصحاب الأحبار.
وكان أبوعبد الله ربما أذن للناس فيدخلون عليه أفواجًا أفواجًا يُسلمون
[ ٥٤٢ ]
عليه، فيرد عليهم بيده. فلما جاءَت الرابطةُ مُنع الناس مِن ذل، وأغلق باب الزقاق، فكان الناس في الشوارع والمساجد، حتى تعطل بعض الباع، وحيل بينهم وبين البيع والشراءِ، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل عليه ربما أدخل من بعض الدور وطرزِ الحاكة، وربما تسلَّق، وجاءَ أصحاب الأخبار فقَعدوا على الباب من قِبل إبراهيم بن عطاء وكان ابن عطاء يتعاهده بالغداة والشعي، وربما لم يجتمعا، وأصحاب الأخبار من قِبَل ابن طاهر يسألون عن خبره.
وقال أبوعبد الله: جاءَني حاجبُ ابن طاهر، فقال: إن الأمير يُقرئك السلام، وهو يشتهي أن يراك. قال: فقلتُ له: هذا مما أكرهُ، وأميرُ المؤمنين قد أعفاني مما أكره. وجاءَ حاجب ابن طاهر بالليل فسأل من يختلف إليه من المتطببين، وأصحاب الأخبار يكتبون بخبره على العسكر، والبُرُد تختلف كل يوم، وجاءَ بنو هاشم فدخلوا عليه، وجعلوا يبكون عليه، وجاءَ قوم من القُضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم، وجاءَ غُلام لأبي يوسف عمه ليروحه فأشار إليه بيده أن لا يفعل لأنه كان اشتراه من الشيءِ الذي يكره، وقال: لا تبرح قد تغيرتُ. فقلت: لا أبرحن فكان إذا أراد الشيء مما يتعالج أخبرج خُريقة فيها قطيعات فيعطيني منها فأشتري له، وكان قد كَتب وصيته بالعسكر وأشهدَنا عليها، فبلغني أنه قال: اقرؤوها، فقُرئت عليه، ثم أمر بكفارة يمين، فاشترينا له تمرًا، فبقي عليه منه دانق ونصف أو أرجح، فلما جئت، قال: ما صنَعتم؟ قلت:
[ ٥٤٣ ]
أخذنا التمر وقد بَعثنا به، فأشار برأسه إلى السماءِ وجَعل يحمد الله.
وجاءَ عبد الوهاب، فلما استأذنوا له، قال أبو عبد الله: عزَّ عليَّ بمجيئه في الحرّ، فلما دخل عليه أكب عليه فأخذ بيده، فلم تزل يده في يده حتى قام.
ودخل عليه جماعة فيهم شيخٌ مخضوب، فنظر إليه، فقال: إني لأسر أن أرى الشيخ قد خَضب، أو نحو هذا من الكلام.
وقال له رجل ممن دخل عليه: أعطاكَ الله ما كنت تريده لأهل الإسلام.
فقال: استجابَ الله لك. وجعلوا يخصُّونه بالعداءِ فجعل يقول: قولوا: ولجميع المسلمين.
وربما دخل عليه الرجل الذي في قلبه عليه الشيء، فإذا رآه غمض عينه كالمعرض، وربما سلم عليه الرجل منهم، لايرد عليه.
ودخل عليه شيخ فكلَّمه، وقال: اذكر وقوفك بين يدي الله، فشهق أو عبد الله، وسالت الدموع على خَديه، فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين، قال: ادعوا الصبيان - بلسان ثقيل - يعني الصغار، فجعلوا ينضمون إليه، وجعل يشمهم ويَمسح بيده على رؤوسهم، وعينه تَدمع. فقال له رجل: لا تَغتَم لهم يا أبا عبد الله، فأشار بيده، فظننا أن معناه: إني لم أرد هذا المعنى، وكان يُصلي قاعدًا، ويصلي وهو مُضطجع، ولا يكاد يفتر، ويرفع يديه في إيماء الركوع.
وأدخلت الطّست تَحته فرأيتُ بوله دمًا عبيطًا ليس فيه بول، فقلتُ للطبيب، فقال: هذا الرجل قد فَتَّت الحزنُ والغمُّ جَوفه، واشتدت به العِلة يوم
[ ٥٤٤ ]
الخَميس وَوضَّأته، فقال: خَلِّل الأصابع، فلما كانَت ليلة الجمعة ثَقُل، فظننتُ أنه قد قُبض، وأردنا أن نمدده، فجعل يَقبض قدميه وهو موجّه، وجعلنا نلقِّنه، فنقول: لا إله إلا الله ونردد ذلك عليه، وهو يُهلّل، وتَوجه إلى القِبلة واستَقبلها بقدميه، فلما كان يوم الجمعة، اجتَمع الناس حتى مَلؤوا السِّكَك والشوارع، فلما كان صدر النهار قُبض ﵀، فصاح الناس، وعَلت الأصوات بالبكاءِ، حتى كأنّ الدنيا قد ارتَجَّتْ، وقَعد الناس فخفنا أن ندع الجمعة، فأشرفتُ عليهم فأخبرتهم: إنا نُخرجه بعدَ صلاة الجُمعة.
أخبرا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا أبو الغنائم محمد بن محمد بن المهتدي، قال: أنبأنا عبدالعزيز بن علي الأرَجي، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الخلاّل، قال: أخبرني عِصمة بن عِصام، قال: حدثنا حنبل، قال: أعطي بعض ولد الفَضل بن الربيع أبا عبد الله وهو في الحَبس ثلاث شَعرات، فقال: هذا من شَعر النبي ﷺ. فأوصى أبو عبد الله عند موته أن يُجعل على كل عَين شعرة، وشَعرة على لسانه، فَفُعل به ذلك عند موته.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: لم يزل أبي يُصلي في مَرضه قائمًا أُمسكه فيركع ويَسجد، وأرفعه في ركوعه وسُجوده، ودخل عليه مُجاهد بن موسى، فقال: يا أبا عبد الله، قد جاءَتك البُشرى، هذا
[ ٥٤٥ ]
الخَلق يَشهدون لك، ما تُبالي لو وردت على الله ﷿ الساعة، وجعل يُقبل يده ويَبكي، وجعل يقول: أوصني يا أبا عبد الله، فأشار إلى لسانه. ودخل سَوّار القاضي، فجعل يبشره ويُخبره بالرُّخص وذكر له عن مُعتمر، أنه قال: قال لي أبي عند موته: حدثني بالرخص. اجتمعت عليه أوجاع الحصر غير ذلك ولم يزل عَقله ثابتًا، وهو في خلال ذلك يقول: كم اليوم في الشهر؟ فأخبره. وكنتُ أنام بالليل إلى جنبه، فإذا أراد حاجة حركني فأناولُه، وقال لي: جئني بالكتاب الذي فيه حديث ابن إدريس، عن لَيث عن طاووس، أنه كان يَكره الأنين، فقرأتُه عليه، فلم يَئن إلا في اللَّيلة التي تُوفي فيها.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: حدثنا أبو نُعَيْم الحافظ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عُمر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قال لي أبي في مرضه الذي تُوفي فيه: أخرج كتاب عبد الله بن إدريس، فأخرجتُ الكتاب، فقال: أخرج أحاديث لَيث بن أبي سُليم، فأخرجتُ الكتاب، فقال: أخرج أحاديث لَيث بن أبي سُليم، فأخرجتُ أحاديث ليث، فقال: اقرأ عليَّ حديث لَيث، قال: قلت لطلحة: إن طاوسًا كان يَكره الأنين في المرض، فما سُمع له أنين حتى ماتَ ﵀، فقرأتُ الحديث على أبي، فما سَمعتُ أبي يَئن في مرضه ذلك إلى أن توفى ﵀.
سياقُ ذكر حاله عند احتضاره
أخبرنا المحمدان: ابن عبد الملك، وابن ناصر، قالا: أخبرنا أحمد بن
[ ٥٤٦ ]
الحسن المعدّل، قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان.
وأخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيْم الحافظ، قال: حدثنا عمر بن أحمد بن عثمان، قالا: حدثنا محمد بن عبد الله بن عَمْرويه - ويُعرف بابن عَلَم -قال: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: لما حضَرت أبي الوفَاةُ جلستُ عنده وبيدي الخِرْقَة لأشُدَّ بها لَحييه، فجعل يغرق ثم يُفيق ثم يَفتح عينيه ويقول بيده هكذا، لابَعْدُ، لابَعْدُ، لابَعْدُ، ثلاث مرات، ففعل هذا مرة وثانية، فلما كانَ في الثالثة، قلت له: يا أبة أيّ شيءٍ؟ هذا قَد لهجتَ به في هذا الوقت تغرق حتى نقول: قد قَضَيْتَ، ثم تعود فتقول: لا بَعْدُ، فقال لي: يا بني ما تَدري؟ فقلت: لا، فقال: إبليسُ لعنه الله قائم حِذائي عاضٌّ على أنامله، يقول لي: يا أحمد، فُتَّنين وأنا أقول له: لا بَعْدُ، حتى أموت.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عمر، قال: سُئِل عبد الله بن أحمد: هل عَقل أبوك عند المعاينة؟ قال: نعم، كنا نُوضّيه فَجعل يُشير بيده فقال لي صالح: أيّ شيءٍ يَقول؟ فقلتُ: هو ذا يقول: خَلِّلوا أصابعي. فَخللنا أصابعه فترك الإشارة، فمات من ساعته.
[ ٥٤٧ ]
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم ابن عمر، قال: أخبرنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: جَعل أبي يُحرك لسانه إلى أن تُوفي.
[ ٥٤٨ ]