فى ذكر قِصته مع المعتصم
لما مَات المأمون رَدَّ أحمد إلى بغداد، فسُجن إلى أن امتَحنه المعتصم، وكان أحمد بن أبى دُؤاد على قَضاءِ القُضاة، فحَمله على امتحان الناس بخَلق القرآن.
قال أبو بكر المُّروذى: لما سُجن أحمد بن حنبل، جاءَ السجُان، فقال له: يا أبا عبد الله، الحديثُ الذى رُوى فى الظَّلَمة وأعوانهم صَحيحٌ؟ قال: نعم، قال السُجان: فأنا من أعوانِ الظَّلَمة؟ قال أحمد: فأعوان الظَّلَمة من يأخذ شَعرك، ويغسل ثَوبك، ويُصلح طعامك، ويَبيع ويشترى منك، فأما أنتَ فمِن أنفُسِهم.
[ ٤٣١ ]
أخبرنا محمد بن أبى منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا غبراهيم بن عمر، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبى حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: قال أبى: لما كان فى شَهر رمضان سنة تسع عَشرة، حُوِّلتُ إلى دار إسحاق بن إبراهيم، يُوجّه إلىّ فى كل يومٍ برجلين؛ أحدهما يقال له: أحمد بن رَبَاح، والآخر: أبو شُعيب الحَجّام، فلا يَزالان يُناظرانى، حتى إذا أرادا الانصراف دُعى بقيد فزيد فى قيودى، فصار فى رجله أربعة أقياد، قال أبى: فلما كان فى اليوم الثالث دّخل علىّ أحد الرجلين فناظرنى، فقلت له: ما تَقول فى عِلم الله؟ قال: علم الله مَخلوق، فقلتُ له: كفرتَ، فقال الرسول الذى كانَ يَحضر من قِبل إسحاق بن إبراهيم: إن هذا رَسول أمير المؤمنين! فقلتُ له: إن هذا قد كفر، فلما كان فى الليلة الرابعة وَجّه - يعنى المعتصم - ببُغَا الذى كان يُقال له: الكبير، إلى إسحاق فأمره بحَملى إليه، فأدخلت إلى إسحاق، فقال: يا احمد، إنها والله نفسك، إنه لا يقتُلك بالسيف، إنه قد آلى إن لم تُجبه أن يَضربك ضَربًا بعد ضربٍ، وأن يُلقيك فى موضع لا تَرى فيه الشمس، أليس قد قال الله ﷿: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) أفيكون مجعولًا إلا مخلوقًا؟ فقلت له: قَد قال الله ﷿: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَاكُولٍ) أفَخَلَقهم؟ قال: فسكت، ثم قال: اذهبوا به. قال أبى: فلما صِرنا إلى الموضع المعروف بباب البُستان أُخرجت، وجئ بدابة فحُمِلت عليها وعلىَّ
[ ٤٣٢ ]
الأقياد، ما معى أحد يُمسكنى، فكِدت غير مرة أن أخِرَّ على وجهى لثِقل القيود، فجىءَ بى - يعنى إلى دار المعتصم - فأُدخلت حُجرة وأُدخلت إلى بَيت، وأُقْفل الباب علىَّ، وذلك فى جوف الليل، وليسَ فى البيت سِراج، فأردتُ أن أتمسَّحَ للصلاة، فمَددت يدى، فإذا أنا بإناءٍ فيه ماء وطَسْتٌ موضوع، فَتوضأت للصلاة وصَليت، فلما كان من الغد أخرجت تِكتى من سَراويلى، وشدَدْتُ بها الأقياد أحملها، وعَطفت سَراويلى، فجاءَ رسول المعتصم، فقال: أجب، فأخذَ بيدى، فأدخلنى عليه والتكّةُ بيدى أحمل بها الأقياد، وإذا هو جالس وابنُ أبى دُؤادٍ حاضر، وقد جَمع خلقًا كثيرًا من أصحابه.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبى القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن الفيض، قال: سمعت إبراهيم بن محمد بن الحسن، يقول: أُدخل أحمد بن حنبل على الخَليفة وعنده ابن أبى دُؤاد وأبو عَبد الرحمن الشافعى، فأُجلس بين يدى الخليفة، وكانوا هوَّلوا عليه، وقد كانوا ضَربوا عُنق رجلين؛ فَنظر أحمد إلى أبى عبد الرحمن الشافعى، فقال: أىّ شىءٍ تَحفظ عن الشافعى فى المسح؟ فقال ابن أبى دُؤاد: انظروا رجلًا هو ذا يُقدم به لضربِ العنق يُناظر فى الفِقه!
[ ٤٣٣ ]
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا البَرْمَكى، قال: أخبرنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبى حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: قال أبى: لما دخلتُ عليه قال لى - يعنى المعتصم -: ادْنُهْ، ادْنُهْ، فلم يَزل يُدنينى حتى قَربت منه. ثم قال: اجلس، فجلست وقد أتقلتنى الأقياد، فمكثتُ قليلًا ثم قلتُ: تَأذن فى الكَلام؟ فقال: تَكلّم. فقلتُ: إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكتَ هُنيهةً، ثم قال: إلى شَهادة أن لا إله إلا الله. فقلتُ: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قلتُ: إن جدكَ ابنَ عباس يقول: لما قَدِم وفدُ عبدِ القَيْس على النبى ﷺ سألوه عن الإيمان، فقال: (أتدرونَ ما الإيمان؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ مُحمدّا رَسولُ الله، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وأن تُعطُوا الخُمُسّ مِنَ المَغْنَم). فقال أبى: فقال - يعنى المعتصم -: لولا أنّى وجَدتك فى يَد مَن كانَ قبلى ما عَرضتُ لك.
[ ٤٣٤ ]
ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحاق، ألم آمُرْك أن تَرفع المحنة؟ قال أبى: فقلتُ الله أكبر، إنَّ فى هذا لَفَرجًا للمسلمين، ثم قال لهم - يعنى المعتصم -: ناظروه، كَلّموه، ثم قال: يا عبد الرحمن، كلَّمه. فقال لى عبدُ الرحمن: ما تقولُ فى القُرآن؟ قلت له: ما تقولُ فى عِلم الله ﷿؟ فسكتَ، فقال لى بعضهم: أليسَ قال الله ﷿: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) والقرآن أليسَ هو شيئًا؟ قال أبى: فقلتُ: قال الله ﷿: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) فدَّمرت إلا ما أراد الله ﷿؟ وقال بعضهم: قال الله ﷿: (مَا يَاتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ) أفيكونُ محدثٌ إلا مخلوقًا؟ قال أبى: فقلت له: قال الله ﷿: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) والذِّكر هو القُرآن، وَتِلكَ ليس فيها ألفٌ ولا لام.
قال أبى: وذُكر بعضهم حديث عِمران بن حُصين: إن الله ﷿ خَلقَ الذِّكر، فقلتُ: هذا خَطأ؛ حدَّثنا غيرُ واحد: (إن الله ﷿ كَتبَ الذَّكر)، واحتجوا علىَّ بحديث ابن مسعود: (ما خَلق الله ﷿ من جَنةٍ
[ ٤٣٥ ]
ولا نارٍ ولا سماءٍ ولا أرض أعظمَ من آيةِ الكُرسى). قال أبى: فقلتُ: إنما يوقع الخلق على الجنة، والنار والسماءِ والأرض، ولم يقع على القرآن. قال: فقال بعضهم: حَدثنا حديث خَبَّاب: (يا هَنَتَاه، تَقَّربْ إلى الله بما استطعتَ، فإنك لن تَتَقّرب إليه بشىءٍ أحبَّ إليه من كّلامه). قال أبى: هذا كذا هو، فجعل ابن أبى دُؤاد ينظر إليه كالمغضب قال: وكانَ يتكلم هذا فأردّ عليه، ويتكلم هذا فأردّ عليه، فإذا انقطعَ الرجل منهم اعترضَ ابن أبى دُؤاد، فيقول: يا أمير المؤمنين، هو والله ضالٌ مُضلٌ مُبتدع! قال أبى: فيقول: كَلِّموه، ناظروه، فَيكلمنى هذا فأرد عليه، ويُكلمنى هذا، فأرد عليه، فإذا انقَطعوا يقول لى: - يعنى المعتصم - وَيحك يا أحمد! ما تَقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين، أعطونى شَيئًا من كتاب الله ﷿، أو سُنة رسولِ الله ﷺ حتى أولَ به، فيقول ابن أبى دُؤاد: وأنتَ لا تقول إلا ما فى كتاب الله، أو سُنة
[ ٤٣٦ ]
رسول الله؟ فقلت له: تَأوَّلتَ تَأويلًا، فأنت أعلم، وما تأولتُ ما يُحبس عليه ويُقَيَّد عليه.
أخبرنا عبد الملك بن أبى القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: أخبرنى جَدى، قال: أخبرنا محمد بن أبى جَعفر المنذرى، وأبو أحمد بن أبى أُسامة، قالا: سمعنا محمد بن إبراهيم البُو شَنْجى، قال: حَدثنى بعض أصحابنا، أن ابن أبى دُؤاد أقبل على أحمد يُكلمه، فلم يلتفت إليه أحمد، حتى قال المعتصم لأحمد: ألا تُكلم أبا عبد الله؟ فقال أحمد: لستُ أعرفه من أهل العلم فأُكلمه!.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا ابن يوسف، قال: أخبرنا البَرْمَكى، قال: حدثنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبى حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد قال: جَعل ابنُ أبى دُؤاد يقول: يا أمير المؤمنين، والله لئن أجابك لهو أحبُّ إلىَّ من مئة ألف دينار، ومئة ألف دينار - فيعدُّ من ذلك ما شاءَ الله - قال: فقال - يعنى المعتصم -: والله لئن أجابنى لأُطلقنَّ عنه بيدى، ولأركبنَّ إليه بجُندى، ولأطأن عَقِبَه.
ثم قال: يا أحمد، والله إنى عليكَ لشفيق، وإنى لأشفق عليكَ كشفقتى على هارون ابنى، ما تقول؟ فأقول: أعطونى شيئًا من كتاب الله ﷿، أو سُنة رسوله.
[ ٤٣٧ ]
فلما طال المجلس ضَجِر، وقال: قوموا، وحبسنى، وعبد الرحمن بن إسحاق يُكلّمنى، وقال: وَيحك! أجبنى، وقال لى: ما أعرفك، ألم تكن تأتينا؟ فقال: له عبد الرحمن بن إسحاق: يا أمير المؤمنين، أعرفه منذ ثلاثين سنة يَرى طاعتك والجهاد والحَج معكم، قال: فيقول: واللهِ إنه لعالم، وإنه لفقيه. وما يَسوؤنى أن يكون مثله معى يردُّ عنى أهلَ المِلَلِ. ثم قال لى: مَا كنت تعرف صالحًا الرشيدى؟ قال: قلت: قد سمعت باسمه. قال: كان مؤدَّبى، وكان فى ذلك الموضع جالسًا - وأشار إلى ناحية من الدار - فسألتُه عن القرآن، فخالفنى، فأمرت به فوُطئ وسُحِب.
ثم قال لى: يا أحمد، أجبنى إلى شىءٍ لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدى. قال: قلت: أعطونى شيئًا من كتاب الله ﷿، أو سُنة رسوله، فطال المجلس، فقام فدخل، ورددت إلى الموضع الذى كنت فيه.
فلما كانَ بعد المغرب وَجَّه إلىّ برجلين من أصحاب ابن أبى دُؤاد، يَبيتان عندى، ويناظرانى، ويقيمان معى، حتى إذا كان وقتُ الإفطار جىءَ بالطعام، ويَجتهدان بى أن أفطر فلا أفعل، قال أبى: ووجه إلىّ - يعنى المعتصم - ابنَ أبى دُؤاد فى بَعض الليل، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟ فأرد عليه نحوًا مما كنت أرد. فقال ابن أبى دُؤاد: والله لقد كتبَ اسمك فى السَّبعة، يحيى ابن مَعِين وغيره، فمحوته.
[ ٤٣٨ ]
قلت: السبعة: يَحيى بن مَعِين، وأبو خَيْثمة، وأحمد الَّورقى، والقَواريرى وسَعدويه، وسَجادة، وأحمد بن حَنبل، وقيل: خَلَف المخزومى.
ولقد ساءَنى أخذهم إياك، ثم يقول: إن أمير المؤمنين قد حلف أن يضربك ضربًا بعد ضرب، وأن يُلقيك فى موضع لا تَرى فيه الشمس، ويقول: إن أجابنى جئتُ إليه حتى أُطلق عنه بيدى، ثم انصرف.
فلما أصبح - وذلك فى اليوم الثانى - جاءَ رسوله فأخذ بيدى حتى ذهب بى إليه، فقال لهم: ناظروه، كلموه. فجعلوا يناظرونى، ويتكلم هذا من ها هنا فأردّ عليه، ويَتكلم هذا من ها هنا فأردّ عليه، فإذا جاؤوا بشىءٍ من الكلام مما ليسَ فى كتاب الله ﷿، ولا سُنة رسوله، ولا فيه خَبر. قلت: ما أدرى ما هذا؟ قال: يقولون: يا أمير المؤمنين، إذا توجَّهَتْ له الحُجة عَلينا ثبتَ، وإذا كلَّمناه بشىءٍ يقول: لا أدرى ما هذا، فيقول: ناظروه، فقال رجل: يا أحمد، أراك تذكُر الحديثَ وتَنْتَحِله. قلت: ما تقول فى (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)؟ فقال: خَصَّ الله ﷿ بها المؤمنين. فقلتُ: ما تقولُ إن كان قاتِلًا أو عَبدًا أو يَهوديًا؟ قال: فسكتَ، وإنما احتججتُ عليهم بهذا، لأنهم كانوا يَحتجّون بظاهر القرآن، وحيث قال
[ ٤٣٩ ]
لى: أراكَ تنتَحِل الحديث. فلم يَزالوا كذلك إلى أن قَرُب الزوال، فلما ضَجر، قال لهم: قوموا، وخَلا بى وبعبد الرحمن بن إسحاق، فلم يزل يُكلمنى، ثم قامَ فدخل، ورُدَدْتُ إلى الموضع.
أخبرنا المحمدان ابن ناصر، وابن عبد الباقى، قالا: أخبرنا حَمْد، قال: حدثنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل، قال: كتب إلىّ الفَتح بن شُخْرُف بخَط يده قال: قال ابنُ حُطيط - رجل قد سماه من أهل الفَضل، من أهل خُراسان - حُبس أحمد بن حنبل وبَعض أصحابه فى المِحنة فى دارٍ قبل أن يُضرب. قال أحمد بن حنبل: فَلما كان الليلُ نامَ من كان معى من أصحابى، وأنا مُتفكر فى أمرى، قال: فإذا أنا برجل طويل يَتخطى الناس حتى دنا مِنى. فقال: أنتَ أحمدُ بن حنبل؟ فسكتُ، فقالها ثانية، فسكتُ، فقالها ثالثة: أنتَ أبو عبد الله أحمد بن حنبل؟ قلتُ: نعم، قال: اصبِر ولكَ الجنّة. قال أحمد: فلمّا مَسّنى حرُّ السَّوط ذكرتُ قولَ الرجُل.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا ابن يوسف، قال: أخبرنا البَرْمَكى، قال: حدثنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبى حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: قال أبى: فلما كانت الليلةُ الثالثةُ، قلت: خليق أن يحدث غدًا من أمرى شىء، فقلتُ لبعض من كان معى، الموكّل بى: ارتَدْ لى خيطًا،
[ ٤٤٠ ]
فجاءنى بخيطٍ فشددتُ به الأقياد، ورددتُ التَّكةَ إلى سَراويلى، مخافَة أن يحدثَ من أمرى شىء فَأتعّرى، فلما كان من الغد فى اليوم الثالث وَجّه إلىّ، فأُدخلتُ، فإن الدار غاصَّة، فجعلت أدخل من مَوضع إلى موضع، وقومٌ معهم السيوف، وقومٌ معهم السِّياط، وغير ذلك. ولم يكن فى اليومين الماضيين كثير أحد من هؤلاء. فلما انتهيتُ إليه، قال: اقعُد. ثم قال: ناظروه، كلَّموه. قال: فَجعلوا يُناظرونى، ويَتكلم هذا فأردُّ عليه، ويتكلم هذا فأردُّ عليه، وجعل صوتى يعلو أصواتهم، فجعل بعض من على رأسه قائم يُومىْ إلىَّ بيده. فلما طال المجلس نَحانى ثم خلا بهم، ثم نَحّاهم ورَدّنى إليه، وقال: وَيحك يا أحمد! أجبنى حتى أطلق عنك بيدى، فرددت عليه نَحوًا مما كنتُ أردّ، فقال لى: عليكَ - وذكر اللَّعن - ثم قال: خُذوه واسحَبوه وخَلِّعوه. قال: فسُحبت، ثم خُلِعت.
قال: وقد كان صار إلىَّ شَعرٌ من شَعر النبى ﷺ، فَصررتُه فى كُم قَميصى، فوجَّه إلىَّ إسحاق بن إبراهيم: ما هذا المصرور فى كم قَميصك؟ فقلت: شعرٌ من شَعر النبى ﷺ. قال: وسَعى بعضُ القوم إلى القميص ليَخرقه عَلىّض، فقال لهم: - يعنى المعتصم -: لا تخرقوه. فنُزع القميص عنى. قال: فظننتُ أنه إنما دُرى عن القميص الخَرق بسبب الشعر الذى كان فيه. قال أبى: وجلس على كُرسى - يعنى المعتصم - ثم قال: العُقابين والسِّياط، فجىء بالعُقابين، فمُدت يَداى، فقال بعض من حَضر خَلفى:
[ ٤٤١ ]
خُذ ناتئ الخشبتين بيديك وشُدَّ عليهما، فلم أفهم ما قال؛ فَتخلَّعت يَداى.
أخبرنا عبد الملك بن أبى القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى، قال: أخبرنا أبو يَعقوب، قال: أخبرنا جدى، قال: أخبرنا محمد بن أبى جعفر المنذرى، وأبو أحمد بن أبى أُسامة، قالا: سَمعنا محمد بن إبراهيم البُوشَنْجى، يقول: ذَكروا أن المعتصم لانَ فى أمر أحمد لما عُلِّق فى العُقابين، ورأى ثبوته وتصميمه وصَلابته فى أمره، حتى أغراه ابنُ أبى دُؤاد، وقال له: إن تركته، قيل: إنك تركتَ مذهب المأمون وسَخِطتَ قوله، فهاجَه ذلك على ضربه.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا ابن يوسف، قال: أخبرنا البَرْمَكى، قال أخبرنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبى حاتم، قال: حدثنا صالح، قال: قال أبى: لما جىءَ بالسياط نَظر إليها المعتصم، فقال: ائتونى بغيرها، فأتى بغيرها، ثم قال للجلادين: تقدموا. قال: فجعل يتقدم إلىَّ الرجلُ منهم فَيضربنى سَوطين، فيقول له: - يعنى المعتصم - شُدّ، قَطع الله يدك ثم يَتنحَّى، ثم يتقدم الآخر فيضربنى سوطين، وهو فى كل ذلك يقول لهم: شُدوا قَطع الله أيديكم. فلما ضُربت تِسعة عشر سوطا، قام إلىَّ - يعنى المعتصم - فقال: يا أحمد، علامَ تقتل نفسك؟ إنى والله عليك شفيق. قال:
[ ٤٤٢ ]
فجعل عُجيْف يَنخسنى بقائم سيفه. وقال: تريد أن تغلبَ هؤلاء كلهم؟ وجعل بعضهم يقول: وَيلك! الخليفة على رأسك قائم! وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين، دمهُ فى عنقى، اقتله. وجعلوا يقولون له: يا أمير المؤمنين، أنت صائم، وأنت فى الشمس قائم! فقال لي: وَيحك يا أحمد! ما تقول؟ فأقول: أعطونى شيئًا من كتاب الله ﷿ أو سُنة رسوله ﷺ، أقول به. قال: ثم رجع فجلس، ثم قال للجلاد: تَقدم، أوجع قَطع الله يدَك ثم قام الثانية، فجعل يقول: ويحك يا أحمد! أجبنى، فجعلوا يُقبلون علىّ ويقولون: ويلك يا أحمد! إمامك على رأسك قائم! وجعل عبد الرحمن يقول: من صَنع من أصحابك فى هذا الأمر ما تَصنع؟ قال: وجَعل يقول - يعنى المعتصم -: وَيحك! أجبنى إلى شىء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، أعطونى شيئًا من كتاب الله ﷿ أو سُنة رسوله حتى أقول به. قال: فرجع فَجلس، فقال للجلادين: تَقدموا، فجعل الجلاد يتقدَّم ويَضربني سوطين ويتنحى، وهو في خلال ذلك يقول: شُدَّ قطع الله يدك! قال أبي: فذهبَ عقلي، فأفقتُ بعد ذلك، فإذا الأقيادُ قد أُطلقت عني، فقال لي رجل ممن حضر: إنا كبَبْناك على وَجهك، وطَرحنا على ظهرك باريّةً ودُسْناكَ. قال أبي: فما شعرتُ بذلك، وأتونى بسَويق. فقالوا لى: اشرب وَتقيأ، فقلت: لست أفطر. ثم جيء بى إلى دار
[ ٤٤٣ ]
إسحاق بن إبراهيم، فحضرت صَلاة الظهر، فتقدم ابنُ سَمَاعةَ فصَلّى، فلما انفتل من الصلاة، قال لى: صَليتَ والدمُ يسيل فى ثوبك؟! فقلت: قد صَلّى عُمر وجرحه يثعب دمًا.
قال أبو الفضل: ثم خُلّي عنه، فصار إلى منزله، فمكث فى السَّجن منذ أُخذ وحُمل إلى أن ضُرب وخُلى عنه ثمانيةٌ وعِشرين شهرًا.
قال صالح: ولقد أخبرنى أحدُ الرجلين اللَّذين كانا مع أبى - يعنى فى الحبس - وكانَ هذا الرجل قد سَمع ونَظر، ثم [جاءنى] بعد ذلك فقال لى: يا ابن أخى، رَحمة الله على أبى عبد الله، والله مارأيتُ أحًا يُشبهه، ولقد جعلتُ أقول له فى وقتِ ما يُوجَّهُ إلينا بالطعام: يا أبا عبد الله، أنْتَ صائم، وأنتَ فى موضع تَقِيَّةٍ، ولقد عطش فقال لصاحب الشراب: ناولنى، فناوله قَدحًا فيه ماء وثلج، فأخذه ونظر إليه هُنيّةً ثم ردَّه عليه ولم يشرب، فجعلتُ أعجب من صَبره على الجوع والعطش، وهو فيما هو فيه من الهول!
قال صالح: وقد كنتُ ألتمسُ وأحتال أن أوصِل إليه طعامًا أو رغيفًا أو رغيفين فى تلك الأيام، فلم أقدر على ذلك. وأخبرنى رَجل حضره: أنه تَفقده فى هذه
[ ٤٤٤ ]
الثلاثة الأيام وهم يُناظرونه ويُكلمونه، فما لَحن فى كلمة، قال: وما ظننتُ أن أحدًا يكونُ فى مثل شَجاعته وشِدَّة قَلبه.
أخبرنا عبد الملك بن أبى القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: أخبرنى جَدى، قال: أخبرنا محمد بن أبى جعفر المنذرى، وأبو أحمد بن أبى أُسامة، قالا: سَمعنا محمد بن إبراهيم البُوشَنْجى، قال: قَدم المعتصم من بلادِ الروم بَغداد فى شهر رَمضان سنة ثمان عشرة، فامتحن فيها أحمد، وضُرب بين يديه. فحدثنى من أثق به من أصحابنا عن محمد بن إبراهيم بن مُصعب - وهو يَومئذ على الشُّرط للمعتصم، خليفة إسحاق بن إبراهيم - أنه قال: ما رأيتُ أحدًا لم يُداخل السلطان ولا خالَط الملوك أثبت قلبًا من أحمد يومئذ؛ ما نحنُ فى عينه إلا كأمثال الذُباب.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الخّلال، قال: حدثنا أبو الفضل عُبيد الله بن عبد الرحمن الزُّهرى، قال: قرأتُ فى كتابى: قال المُّروذى فى مِحنة أحمد بن حنبل وهو بَين الهُنْبَازَيْن: يا أستاذ، قال الله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)، فقال أحمد: يا مَروذى، اخرج انظر، أى شىءٍ تَرى. قال: فخرجتُ إلى رَحبة دار الخليفة، فرأيتُ خَلقًا من الناس لا يُحصى عَددهم إلا الله، والصحفُ فى أيديهم، والأقلام والمحابر فى أذرعتهم، فقال لهم
[ ٤٤٥ ]
المُّروذى: أى شىءٍ تَعلمون؟ فقالوا: ننتظر أحمد فنكبته، فقال المروذى: مكانكم، فدخل إلى أحمد بن حنبل وهو قائم بين الهُنْبَازَين، فقال له: رأيتُ قومًا بأيديهم الصحف والأقلام يَنتظرون ما تقول فَيكتبونه. فقال: يا مروذى، أُضلُّ هؤلاء كلَّهم، أقتل نَفسى، ولا أضل هؤلاء كلهم.
قلت: هذا رجلٌ هانَت عليه نفسه فى الله تعالى فَبذلها، كما هانت على بلال نفسه. وقد رَوينا عن سعيد بن المسَيّب: أنه كانت نفسه عليه فى الله تعالى، أهون من نَفس ذُباب. وإنما تهون أنفسهم عليهم لتلمّحهم العَواقب، فعيون البَصائر ناظرة إلى المال لا إلى الحال، وشدة ابتِلاء أحمد دليلٌ على قُوة دينه، لأنه صَحَّ عن النبى ﷺ أنه قال: (يُبْتَلَى الرّجلُ على حَسَبِ دَيِنه) فَسبحان من أيّده وبَصَّره، وقَوّاه ونَصَره.
[ ٤٤٦ ]
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه، قال: أخبرنا عُبيد الله بن أحمد، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبيد الله الكاتب، قال: حدثنا أبو على الحَسن بن مَحمد بن عثمان الفَسَوى، قال: حدثنى داود بن عَرفة، قال: حدثنا مَيمون بن الأصبغ، قال: كنتُ ببغداد، فسمعتُ ضَجّة، فقلتُ: ما هذا؟ فقالوا: أحمدُ بن حنبل يُمتَحن. فأتيتُ منزلى، فأخذتُ مالًا له خَطر، فذهبتُ به إلى من يُدخلنى إلى المجلس، فأدخلونى، فإذا بالسيوف قد جُرِّدت، وبالرّماح قد رُكزت، وبالتِّراس قد نُصبت، وبالسياط قد طُرحت، فألبسونى قَباءٍ أسود، ومِنْطَقَة وسَيفًا، ووقفونى حيثُ أسمع الكلام، فأتى أمير المؤمنين، فجلس على كرسى، وأتى بأحمد بن حنبل، فقال له: وقرابتى من رسول الله ﷺ، لأضربتّك بالسياط، أو تقولَ كما أقولُ، ثم التفت إلى جلاد، فقال: خُذه إليك، فأخذه. فلما ضُرب سوطًا قال: بسم الله، فلما ضُرب الثانى قال: لا حَول ولا قُوة إلا بالله، فلما ضُرب الثالث قال: القرآن كلامُ الله غير مَخلوق، فلما ضُرب الرابع قال: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا). فضربه تسعةَ وعشرين سوطًا، وكانت تِكّة أحمد حاشِية ثوب، فانقطعت، فَنزل السراويل إلى عانَته، فقلتُ: الساعةَ ينهتِك، فرمى أحمدُ طَرفه نَحو السماءِ وحرَّك شَفتيه، فما كان بأسرع من أن بَقى السراويل لم ينزل. قال ميمون: فَدخلت إليه بعد سَبعة أيام، فقلت: يا أبا عبد الله، رأيتُك يوم ضَربوك قد انحلَّ سراويلك، فرفعتَ طرفك نحو السماءِ،
[ ٤٤٧ ]
ورأيتُك تُحرك شفَتيك، فأى شىءٍ قُلتَ؟ قال: قلتُ: اللهُم إنى أسألك باسمك الذى ملأتَ به العرشَ، إن كنتَ تعلمُ أ، ى على الصواب فلا تهتك لى سِتْرًا.
أخبرنا المحمدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقى؛ قالا: أخبرنا حَمْد قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا أبى، قال: حدثنا أحمد بن أبى عُبيد الله، قال: قال أحمد بن الفَرج: حضرتُ أحمد لما ضُرب، فتقدّم أبو الدَّنّ فَضربه بضعةَ عشر سوطًا، فأقبل الدمُ من أكتافِه، وكان عليه سَراويل فانقطع خَيطه، فنزل السراويل، فلحظتى وقد حَرّك شَفتيه، فعادَ السراويل كما كان، فسألتُه عن ذلك، فقال: قلتُ: إلهى وسَيدى، وقَفتنى هذا الموقف، فَتهتكنى على رؤوس الخَلائق، فعادَ السراويل كما كان.
أخبرنا المحمدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقى، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: حدثنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد القاضى، قال: حدثنى أبو عبد الله الجَوهرى، قال: حدثنى يوسف بن يَعقوب بن الفَرج، قال: سمعت على بن محمد القُرشى، قال: لما قُدّم أحمد بن حنبل ليضرب وجُرّد، وبقى فى سَراويله، فبينا هو يُضرب انحلَّ السراويل، فجعلَ يُحرك شَفتيه بشىءٍ، فرأيتُ يَدين خَرجتا من تَحته وهو
[ ٤٤٨ ]
يُضرب، فشدَّتا السراويل، فلما فَرغوا من الضَّرب، قلنا له: ما كنتَ تقول حيثُ انحلَّ السراويل؟ قال: قلتُ يا من لا يعلمُ العرشُ منه أينَ هو إلا هو، إن كنتُ على الحقُّ فلا تُبْدِ عَورتى، فهذا الذى قلتُ.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا أبو على الحسن بن أحمد، قال: حدثنى القاضى أبو يَعلى محمد بن الحسين، قال: حدثنا أبو الحسن على بن محمد الحِنّائى، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل الطَّرسوسى، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عيسى، قال: حدثنا أحمد بن طاهر، قال: حدثنا العباس بن عبد الله، قال: سمعتُ جعفرًا الرازى يقول: كانَ إسحاق بن إبراهيم يقول: أنا والله! رأيتُ يوم ضرب أحمد سراويله وقد ارتَفع من بعد انخفاضه، وانعقدَ من بعد انحِلاله، ولم يفطن بذلك لذهول عقل من حَضره، وما رأيتُ يومًا كان أعظم على المعتصم من ذلك اليوم، والله لو لم يَرفع عنه الضرب لم يَبرح من مكانه إلا ميتًا.
أخبرنا عبد الملك بن أبى القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى، قال: أخبرنا محمد بن المنتصر، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبى الفَضل، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الصّرام، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الأنصارى، قال: سمعتُ بعضَ الجلادين، يقول: لقد بَطل أحمدُ بن حنبل الشُطّار، والله لقد ضَربتُه ضَربًا لو أبرك لى بعيرٌ فضربته ذلك الضرب، لنقبتُ عن جَوفه.
[ ٤٤٩ ]
أخبرنا عبد الملك، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرنى أبو يعقوب إجازة، قال: حدثنا أبو على منصور بن عبد الله، قال: حدثنا بكر بن محمد بن حَمدان، قال: حدثنا جعفر بن كزال، قال: سمعتُ مُحمد بن إسماعيل بن أبى سَمينة، قال: سمعتُ شاباص التائب يقول: لقد ضربتُ أحمد بن حنبل ثمانين سوطًا، لو ضربتُه فيلًا لهدَّتْه.
أنبأنا أبو عبد الله بن البَنّا، عن القاضى أبى يَعلى، قال: اخبرنى محمد بن جَعفر الراشدى، قال: حدثنى بعض أصحابنا، قال: لما أخذت أبا عبد الله السياط، قال: بكَ أستغيثُ يا جبارَ السماءِ ويا جبارَ الأرض.
أخبرنا عبد الملك بن أبى القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: سمعتُ إبراهيم بن إسماعيل الخَلّالى، قال: سمعتُ محمد بن عبد الله بن شاذان، يقول: سمعتُ أحمد بن الحسن بن عَبْدُوَيه، يقول: سمعتُ عبدالله بن أحمد بن حنبل، يقول: كنتُ كثيرًا أسمع والدى يقول: رحمَ الله أبا الهيثَم، عفا الله عن أبى الهيثم الحَداد، اليوم الذى أخرجتُ فيه للسياط، ومُدت يَداى للعُقابين، إذا أنا بإنسان يَجذب ثَوبى من وَرائى، ويقول لى: تَعرفنى. قلتُ: لا، قال: أنا أبو الهيثم العَيّار، اللِّصُّ الطَّرار، مكتوب فى ديوان أمير المؤمنين أنى ضُربت ثمانيةَ عشر ألف سوط بالتفاريق، وصَبرتُ فى ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر أنتَ فى طاعة الرحمن لأجل الدين. قال: فضُربت ثمانية عَشر سوطًا
[ ٤٥٠ ]
بدل ما ضُرب ثمانية عشر ألفًا، وخرج الخادم، فقال: عَفا عنه أميرُ المؤمنين.
وقد ذكر إبراهيم بن مُحمد بن عَرفة في "تاريخه" أن أحمد ضرب ستةُ وثلاثينَ سوطًا.
أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو محمد الخَلال، قال: أخبرنا عمر بن شاهين، قال: حدثنا شُعيب ابن محمد الذارع، قال: حدثنا يحيى بن نُعيم، قال: لما أخرج أحمد بن حنبل إلى المعتصم يوم ضُرب، قال له العون الموكّل به: ادعُ على ظالمك. فقال: ليسَ بصابرٍ من دَعا على ظالمه.
أخبرنا أبو المعمَّر الأنصاري، قال: أخبرنا محفوظ بن أحمد، قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن غالب، قال: سمعتُ أبا الفَضل التميمي، يقول: قال أبو القاسم البَغَوي: رأيتُ أحمد بن حنبل داخلًا إلى جامع المدينة، وعليه كِساء أخضر، وبيده نَعلاه حاسر الرأس، فرأيتُ شَيخًا آدم طُوالًا أبيضً اللحية؛ وكان
[ ٤٥١ ]
على دَكّة المنارة قوم من أصحاب السلطان، فَنزلوا واستقبلوه وقَبلوا رأسه ويده، وقالوا له: ادعُ على من ظلمك. فقال: ليسَ بصابر من دَعا على ظالم.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرني أبو الحُسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي، قال: أخبرنا محمد بن أبي الفَوارس، قال: أخبرنا أحمد ابن جعفر بن سَلْم، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: سمعتُ أبا عبدالله يقول: لما حُملتُ إلى الدار مَكثت يومين لم أطعم، فلما ضُربت جاؤوني بسَويق، فلم أشرب وأتممتُ صومي.
أخبرنا ابن ناصر: قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس، قال: حدثني جعفر ابن أبي عمِران، قال: حدثنا صدقة، قال: حدثني أبو عُمر المَخْزومي، قال: كنتُ بمكة أطوفُ بالبيت مع سَعيد بن مَنصور، فإذا صوتٌ من ورائي: ضُرب أحمد بن حنبل اليوم. قال: فجاء الخبر أنه ضُرب في ذلك اليوم.
وفي رواية أخرى: فقال لي سَعيد بن منصور: أتسمع ما أسمع؟ قلت: نعم، قال: فاعْرِفْ ذلك اليوم، قال: فجاءَ الخبر أنه ضُرِب في ذلك اليوم.
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي ثابت،
[ ٤٥٢ ]
قال: أخبرنا الأزهري، قال: أخبرنا علي بن محمد بن لولو، قال: حدثنا هيثم الدوري، قال: حدثنا محمد بن سُويد الطحان، قال: كنا عند عاصم ابن عَلي، ومعنا أبو عُبيد القاسم بن سَلام وإبراهيم بن أبي اللَّيث - وذكر جماعة - وأحمد بن حنبل يُضرب ذلكَ اليوم، فجعل عاصم يقول ألا رجل يقوم معي فتأتي هذا الرجل فَنكلمه؟ قال: فما يُجيبه أحد، فقال إبراهيم بن أبي الليث: يا أبا الحسين، أنا أبا الحسين، أنا أقومُ معك. فصاحَ: يا غُلام، خُفّي، فقالَ له إبراهيم: يا أبا الحسين، أبلغُ إلى بَناتي، فأوصيهن وأجدد بهن عهدًا، قال: فظننا أنه هب يتكفن ويتحنَّط، ثم جاء فقال عاصم: يا غُلام، خُفّي، فقال: يا أبا الحُسين إني ذهبتُ إلى بَناتي فَبكين، قال: وجاء كِتاب ابنتَي عاصم من واسط: يا أبانا، إنه بلغنا أن هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل فضربه بالسوط على أن يَقول: القُرآن مخلوق، فاتَّقِ الله ولا تُجبه إن سَألك، فوالله لأن يأتينا نعِيُّكَ، أحبّ إلينا من أن يأتينا أنكَ قُلتَ.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا محمد بنعلي الخياط، قال: أخبرنا أمد بن عبد اله بن الخضر، قال: حدثنا أبو جَعفر أحمدبن يعقوب الأصفهاني قال: حدثنا عمر بن الحسن الشيباني، قال: أخبرني أبو شُعيب الحَرّاني قال: كنا مع أبي عُبيد القاسم بن سَلام بباب المعتصم وأحمد بن حنبل يُضرب، قال: فجعل أبو عُبيد يقول: أيُضرَب سَيدنا؟ لا صبرَ، أيضرب سَيدنا لا صبرَ، قال أبو شُعيب: فقلت أنا:
[ ٤٥٣ ]
ضَرَبوا ابن حنبلَ بالسِّياطِ بظُلْمِهِمْ بَغيًّا فثَّبَّتَ بالثباتِ الأنوَرِ
قالَ الموفَّقُ حينَ مُدَّدَ بَينَهُم مَدَّ الأديمِ على الصَّعيد القَرْقَرِ
إني أموتُ ولا أبوءُ بفَجْرَةٍ تُصلي بَوائقَها مَحَلَّ المُفْتَري
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا أبو علي بن البَنّا، قال: أخبرنا الحسن ابن أحمد، قال: أخبرنا ابن السمّاك في الإجازة، قال: حدثنا أبو جعفر محمد ابن أحمد، قال: سمعتُ أبا حاتم قول: لما كان اليومُ الذي ضُرب فيه أحمد، قلتُ: أمرُّ اليومَ فأعرف خَبر أحمد، فبَكَّرتُ فإذا أنا بشيخ قائم، وهو يضقول: اللهمَّ ثبته، اللهمَّ أعنه، ثم لم يَزل كالحَيران، ويقول: إن كان أجابَ حتى أدخل فأقوم مقامه، فخرج رجلٌ، فقال: لم يُجبهم، فقال: الحمدُ لله. فقلتُ: منهذا فقالوا: بِشر بن الحارث.
قلت: وقد نُقِل إلينا حكايات في قصة ضرَبه لم يثبت عندنا صحتها فتنكبناها.
[ ٤٥٤ ]
سياق بَيان فَضله في صَبره وما تَمَّ له
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكَرُوخي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن حَسان، قال: أخبرنا أحمد ابن محمد بن شَارَك، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن السامي، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا عمر بن شاكر، قال: حدثنا أنس بن مالك، قال: قالَ رسول الله صلى لله عليه وسلم:"يَأتي عَلى الناسِ زَمانٌ الصابرُ منهم على دينه لَه أجرُ خَمسينَ مِنْكُم".قالوا: منّا؟ قال: "منكم"، حتى أعادَها ثلاثَ مرات.
أخبرنا يَحيى بن علي المُدِير، قال: أخبرنا أبو بكر الخَياط، قال: حدثنا أبو علي بن حَمَكان، قال: حدثنا أبو بَكر النَّقاش، قال: حدثنا أبو نُعيم الإستراباذي، قال: حدثنا الربيع بن سُليمان، قال: سمعتُ الشافعي
[ ٤٥٥ ]
يقول: أَشَدُّ الأعمال ثلاثة، الجودُ من قِلَّة، والوَرع في خَلوة، وكَلمة الحَقّ عند من يُرجى ويُخاف.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو محمدبن أبي حاتم، قال: سمعتُ أبا زُرْعة يقول: لم أزل أسمع الناسَ يذكرون أحمد بن حنبل بخير ويُقدّمونه على يحيى بن مَعين، وأبي خَيثمة، غير أنه لم يكن من ذكره ما صار بعد أن امتُحن، فلما متحن، ارتَفع ذِكره في الآفاق.
قال ابن أبي حاتم: وحدثنا عبد الملك بن أبي عبدالرحمن، قال: سمعتُ أحمد بن يونس، روى الحديث: "في الجَنة قُصورٌ لا يَدخُلها إلا نبي، أو صِدّيق، أو مُحَكَّم في نفسه". فقيل لأحمد بن يونس: من المحكم في نفسه؟ قال: أحمدُ بن حنبل المحكَّم في نفسه.
قلت: هذا الحديثُ مروي عن كَعب الأحبار: أخبرنا محمد بن عبد الباقي ابن أحمد بن سلمان، قال: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الأصبهاني، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن سَلْم، قال: حدثنا هَنّاد بن السَّرِي، قال: حدثنا محمد ابن عُبيد، عن سلمة بن نُبيْط، عن عبد الله بن أبي الجَعْد، عن كَعب الأحبارن قال:"إن لله ﷿ دارًا دُرّة فوق دُرّة، أو لُؤلؤة فوق لُؤلؤة؛
[ ٤٥٦ ]
فيها سبعون ألفَ قَصر، في كلِّ قَصر سَبعون ألفَ دار، في كلِّ دارٍ سَبعون ألفَ بيت، لا يسكنها إلا نَبِيٌّ أو صِديقٌ أو شهيدٌ أو إمامٌ عادِلٌ أو مُحَكّمٌ في نَفسِه". وقد روا المحدّثون بكسر الكاف ونصبها، فمن فتح الكاف أراد به: الرجل يُخير بين الكُفر والقَتل، ذكره أبو عُبيد الهروي، ومن كسر فالمرادُ به: المنتصف من نَفسه، قاله وكيع.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو محمد الخَلال، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن الزُّهري- من ولد عبد الرحمن بن عَوف -قال: سمعتُ أبين يقول: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل، يقول: قاللي أبي: يا بُني لقد أعطيتُ المجهودَ من نفسي - يعني في المحنة-.
قال: وكتب أهلُ المطامير إلى أحمد بن حنبل: إن رجعتَ عن مقالتك أرتَددنا عن الإسلام!!
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي، قال: حدثنا أبو غالب ابن بنت معاوية قال: ضُرب أحمد ابن حنبل بالسيّاط في اله، فقامَ مقام الصديقين، في العشر الأواخر من
[ ٤٥٧ ]
رَمضان سنة عشرين ومئتين.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد الملك بن محمد البُزُوغائي، قال: أخبرنا علي بن عمر القَزويني، قال: أخبرنا يوسف بن عمر القَوّاس، قال: حدثنا محمد بن القاسم ابن بنت كعب، قال: حدثنا جعفر بن أبي هاشم، قال: مكثَ أحمد بن حنبل في السن سنة سبع عشرة وثماني عشرة وتسع عشرة، وأخرج في رَمضان.
[ ٤٥٨ ]
سياق كيفية خروجه من دار المعتصم
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا أبي، قال: قالَ إبراهيم بن الحارث - مِن ولد عُبادة بن الصّامِت- قال: قال أبو محمد الطُّفاوي لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، أخبرني عما صنعوا بك؟ قال: لما ضُربت بالسياط جاءَ ذاك الطويلُ اللّحية - يعني عُجيفًا - فضربني بقائم السيف، فقلتُ: جاءَ الفرج، تُضرب عنقي وأستريح. فقال له ابن سَمَاعة: يا أميرَ المؤمنين، اضرب عُنقه ودَمه في رَقبتي. فقال له ابن أبي دُؤاد: لا يا أمير المؤمنين، لا تَفعل، فإنه إن قُتل أو ماتَ في دارك، قال الناسُ: صبر حتى قُتل، فاتَّخذه الناس إمامًا وثبتوا على ما هُم عليه، لا ولن أطلقه الساعة، فن ماتَ خارجًا من منزلك شكَّ الناس في أمره [وقال بعضهم: أجاب]، وقال بعضُهم: لم يجبه، فيكونُ أناس في شك من أمره.
وقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبا زُرْعة، يقول: دعا المعتصم بعَمِّ أحمد بن حنبل، ثم قال للناس: تَعرفونه؟ قالوا: نعم، هو أحمد بن حنبل. قال: فانظروا إليه، أليسَ هو صحيح البدن؟ قالوا: نعم، ولولا أنه فعل ذلك لكنت أخافُ أن يقع شر لا يقامُ له، فلما قال: قد سلمته إليكم صحيح البدن، هدأ الناسُ وسكنوا.
[ ٤٥٩ ]
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه، قال: حدثنا عبيد الله بن أحمد، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبيد الله الكاتب، قال: حدثنا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان، قال: حدثني داود بن عَرفة، قال: حدثنا ميمون بن الأصبغ، قال: أخرج أحمد بن حنبل بعد أن اجتمع الناس على الباب وضَجّوا، حتى خاف السلطان فخرج.
[ ٤٦٠ ]