في ذكر المنتخب من الأشعار التي مُدح بها
في حياته ورُثي بها بَعد وفاته
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا محمد بن المنتصر القتيبي، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي الفضل المزكي، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم السنّي، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الأنصاري، قال: أنشدني عبد الله بن أحمد بن حنبل، لأبي سَعيد اليَخامُري، في أبي عبد الله ﵀:
فأنتَ أبا عبدِ الإله مُسدَّدٌ بتَسديد ذِي العرش الرفيع الدعائِمِ
لكَ الفضلُ في الدنيا على عُلمائِنا وزُهّادنا يابَن القُرومِ الأكارِمِ
وقَولُك مَقبولٌ ورأيكَ فاضِلٌ وأمرُك مَحمودُ القُوى والعَزائِمِ
وكلُّ امرئٍ وثقتَه في حَديثِه شَددتَ له أركانَه بدَعائمِ
حللتَ من الإسلامِ والبرَّ والتُّقى بمرتبةٍ لا تُرْتَقى بسَلالمِ
حويتَ بحُور العلم من كلّ بَلدة فَفزتَ بغُنمٍ من جَزيل الغَنائمِ
[ ٥٧١ ]
أخبرنا عبد الملك، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا أبو يعقوب الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله اللآل، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم الصرّام، قال: أخبرنا إبراهيم بن إسحاق الغَسِيلي قال: أخذت هذه القصيدة من أبي بكر المرُّوذي، وذكر أن إسماعيل بن فُلان التّرمذي قالها، وأنشدها [في] أحمد بن حنبل وهو في سِجن المحنة:
تباركَ من لا يعلمُ الغيبَ غَيرُه ومَن لم يَزل يُثْنَي عَليه ويُذكَرُ
علا في السماوات العُلى فوقَ عرشه إلى خَلقه في البرّ والبَحر ينظرُ
سَميعٌ بصيرٌ لا نشكُّ مُدبرٌ وَمَنْ دونه عَبدٌ ذَليلٌ مُدبرُ
يدا رَبنا مَبسوطتانِ كِلاهُما تَسحَّان والأيدي من الخلق تَقْتُرُ
إذا فيه فكَّرنا استَحالت عُقولُنا فَأبنا حَيارى واضمَحلَّ التَّفكُّرُ
وإن نَقَّرَ المخلوقُ عن علم ذاتِه وعن كَيفَ كان الأمرُ ضلَّ المُنَقِّرُ
فلو وصف الناسُ البعوضَة وحدها بعلمِهمُ لم يُحكِموها وقَصَّروا
فكيفَ بمن لا يَقْدِرُ الخلقُ قَدْرَه ومَن هو لا يَبْلَى ولا يَتغيَّرُ
نُهينا عن التَّفتيش والبَحثِ رحمةً لنا وطَريقُ البحثِ يُردي ويُخْسِرُ
وقالوا لنا: قولوا ولا تَتعمَّقُوا بذلك أوصانا النَّبي المُعَزّرُ
فقُلنا وقلَّدنا ولم نَاتِ بدعةً وفي البِدْعة الخُسْران والحقُّ أنورُ
ولم نَرَ كالتسليم حِرزًا وَموئِلًا لمن كانَ يرجو أن يُثاب ويَحذَرُ
[ ٥٧٢ ]
شهدنا بانّ الله لا ربَّ غَيرُه وأحمدَ مبعوثٌ إلى الخَلق مُنذرُ
وأن كتابَ الله فينا كَلامُه وإن شكَّ فيه المُلْحدون وأنكَروا
شهدنا بأنّ الله كلَّم عَبدَه ولم يكُ غير الله عَنه يُعبّر
غداة رأي نارًا فقال لأهله سآتي بنارٍ أو عن النار أخبرُ
فناداه يا موسى أنا الله لا تَخف وأرسلَه بالحقِّ يَدعو ويُنْذِرُ
وقال انطلق ني سميعٌ لكل ما يَجيء به فرعون ذو الكُفر مُبْصِرُ
وكلَّمه أيضًا على الطور ربُّه وقُرّبض والتوراة في اللّوح تُسطَرُ
كذل قال الله في مُحكم الهدى وإسناده الرّوح الأمينُ المُطهرُ
وإنَّ وليَّ الله في دارِ خُلده إلى رَبه ذي الكِبرياء سَينظرُ
ولم نَرَ في أهل الخُصومات كلها زكينا ولا ذا خَشيةٍ يتوقَّرُ
ولم يحمدِ الله الجِدالَ وأهلَه وكانَ رسولُ الله عن ذاك يَزْجُرُ
وسُنَّتُنا تركُ الكلام وأهلهِ ومَن دِينُه تشديقُه والتَّقعُّرُ
وكلّ كلاميِّ قليل خُشوعه له بيعٌ فيه وسوقٌ وَمتجر
تَفرَّغقومٌ للجدال وأغفلوا طريقَ التُّقى حتى غَلا المُتَهوِّر
وقاسوا بآراءٍ ضعافٍ وفرَّطوا وَرأى الذي لا يَتبع الحقَّ أبتَرُ
جَزى الله رَبُّ الناسِ عَنّا ابنَ حنبل وصاحبه خيرًا إذا الناسُ أحضِروا
[ ٥٧٣ ]
سميّ نبي الله أعني مُحمدًا فَقُل في ابنِ نوحٍ والمقالةُ تَقصرُ
سقَى اللهُ قبرًا حَلَّه ما ثَوى بهِ من الغَيثِ وَسْمِيًّا يَروحُ ويُبكِرُ
هُما صَبرَا للحقِّ عند امتحانهم وقَاما بنَصرِ الله والسيَّفُ يَقطُرُ
وأربعةٌ جاؤوا من الشامِ سادَة عليهم كُبولٌ بالحديد تُسمَّرُ
دُعُوا فأبوا إلا اعتِصامًا بدينهِم فأُجلوا عَن الأهلين طُرًّا وسُيِّروا
إلى البلدِ المشحونِ من كُلٍّ فِتنةٍ وفي السِّن كالسُّراق أُلقوا وصُيِّرُوا
فما زادهم إلا رضًا وتَمسكًا بدينهُم والله بالخَلقِ أبصَرُ
إذا مُيِّز الأشياخُ يومًا وحُصِّلوا فأحمدُ من بَين المشايخ جَوْهَرُ
رقيق أدِيم الوَجه حُلْوٌ مُهذَّب إلى كُلّ ذي تَقوى وَقور موقَّرُ
أبيٌّ إذا ما حافَ ضَيمٌ مُؤمّرٌ ومُرٌّ إذا ما خاشَنُوه مُذَكَرُ
لَعمرك ما يَهوى لأحمدَ نكبةً من الناس إلا ناقص العقل مُعْوِرُ
هو المحنةُ اليومَ الذي يُبْتَلَى به فَيعتبرُ السُّنِّيُّ فينا ويُسْبَرُ
شَجّي في حُلوق الملحدين وقُرةً لأعين أهل النُّسك عَفٌّ مُشمِّرُ
فَقا أعينَ المُرّاقِ فعلُ ابن حنبل وأخرسَ من يَبغي العيوبَ ويحقرُ
جَرى سابقًا في حَلْبة الصّدِق والتُّقى كما سَبق الطِّرْف الجَوَادُ المضَمَّرُ
وبَلَّد عَنْ إدراكه كُلُّ كَوْدَنٍ قَطُوف إذا ما حاولَ السبقَ يَعثرُ
[ ٥٧٤ ]
إذا افتخر الأقوامُ يومًا بسيدٍ ففيه لنا - والحمدُ للهِ - مَفخَرُ
فَقُل للألي يَشْنَوْنَه لصَلاحه وصِحتِه والله بالعُذر يَعذِرُ
جُعِلتم فِداءً أجمعينَ لنَعِلِهِ فإنكمُ منها أذلُّ وأحقرُ
أريحانَةَ القُرّاءِ تَبْغُون عَثْرَةً وكُلكُم مِن جيفةِ الكَلْبِ أقذَرُ
فَيا أيها الساعي لتُدرِك شَاوَه رُويدك عن إدراكه سَتُقَصِّرُ
تمسكَ بالعلم الذي كانَ قَدْ وَعَى ولم يُلْهِهِ عنه الخَبِيصُ المزَعْفَرُ
ولا بَغلةٌ هِمْلاَجَةٌ مَغربية ولا حُلَّةٌ تُطْوَى مِرارًا وتُنْشَرُ
ولا مَنزلٌ بالساج والكِلْسِ مُتقنٌ يُنقَّش فيه جِصُّه ويُصوَّرُ
ولا امةٌ بَرّاقةُ الجِيدِ بَضَّةٌ بمنطِقها يُصْبَى الحَليمُ ويُسْحَرُ
حَمى نَفسه الدنيا وقد سَنَحَت له فمنزلُه إلا من القُوتِ مُقْفِرُ
فإن يَكُ في الدنيا مُقِلًاّ فإنه من الأدب المحمود والعلم مُكْثِرُ
وقُل للألي حادُوا معًا عن طَريقه ولم يمكثوا حتى أجابوا وغيَّروا
فلا تأمنوا عُقْبَى الذي قَد أتيتُمُ فإنَّ الذي جئتُم ضَلالٌ مُزوَّرُ
فيا عُلماءَ السوء أينَ عُقولُكُم وأينَ الحديثُ المسنَد المتَخيَّرُ
ألا إنني أرجو النجاةَ ببُغضِكم وكل امرئ يَشْني الضَّلالةَ يُؤجرُ
تأسّى بكم قَومٌ كثير فأصبحوا لَكُم ولَهم في كُل مِصرٍ مُعيّرُ
ويا تسعةَ كانوا تسعة صالحٍ نبي الهدى إذْ ناقة اللهِ تُعقر
نَكصتُم على الأعقابِ حينَ امتُحنتُمُ ولم يَكُ فيكُم [من] لذلك منكِرُ
[ ٥٧٥ ]
كَتبتم بأيديكم حُتوفَ نُفوسكم فياسَوءَتا مما يَخطُّ المُقدِّرُ
وأشمتم أعداءَ دين محمد ولم تُضرب الأعناقُ مِنكم وتُنشَرُ
فَسبحان مَن يُعصى فَيعفو ويَغْفِرُ ويُظهر إحسانَ المُسيء ويَسترُ
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الآل، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم الصرّام، قال: أخبرنا إبراهيم بن إسحاق الغَسِيلي: قال: أنشدني الهَيضم بن أحمد لأبيه يرثي أحمد بن حنبل، فَذكر قصيدة انتَخبتُ منها:
يا ناعيَ العلم بيومَ أحمدا نَعيتَ بَحرًا كان يَجري مُزيدَا
ومَكرُمات وتُقىً وسُودَدا صَلابة في دينه تَجرّدا
إذا عدا قُلت: الربيعُ قد غدا يا أحمدَ الخير الذي تَحمّدا
أشبهتَ سُفيان الذي تَعبَّدا ومِسْعَرًا دانَيتَهُ ومعْضِدا
أشبَهتَهُم قَناعةً ومهتدى وعِفَّةً بنتَ بها ومقتَدى
وكنتَ في هذا وذا أوْحدا سُميتَ في هذا وذاك المُفْردا
قد زُلْزِلَت أرض العِراق كَمدا والشام حُزنًا والحِجازُ أرعَدا
يا أحمد بن حنبل لا تَبعُدا شَيَّدتَ للدين بناءً مرفدا
إذْ كُنتَ في الدينِ لَه مشيدًا ولم تُرد قَصرًا بها مُمرَّدا
[ ٥٧٦ ]
ولا حِصانًا كالعُقاب أجْردا ولا إِماءَ كالسَّعالي نُهَّدا
ألبِسْنَ ربطًا وحُلينَ عَسْجَدًا فَقُمن يُشبِهن غُصونًا مُيَّدا
إنَّ المنيات توافي الموعدا تَنزل بالنازل دُنياه الرَّدى
وحظُّه مِنها الذي تَزَوّدا
قال: وأنشدني الهيضم لأبيه، فذكر قصيدة انتخبت منها:
لِتبكِ عُيون مُسبلاتٌ بوَبلِها على زينةِ الدُّنيا وعالمِ أهلِها
قليلٌ عليه فاستقلا بُكاكُما على مُستقلٌّ بالخُطوب مُقلّها
إمامٌ لأهل العلم تَفري مَطيُّهم إليه الفَلا بينَ السّديس ويُزلَها
فبانَ بيومٍ كانَ مِقدار يَومه وصارَ إلى دار البِلي ومَحلّها
فتلك المطايا قد أُرحْنَ من السُّرَى ومِن شَدِّ أنساعِ الرِّحالِ وحَلِّها
لمهلك ثاوٍ كان مَأوى رِحالهم إذا ما أُنيخت كل عيسٍ برَحْيلِها
لِيُروَ رَميمٌ تَحتَ ردمٍ من الثَّرى تَصوب عليه البارِقاتُ بهَطلِها
سَتحدث أحداثٌ يقال لمثلها ألا مِثلُه في مثلها عِند مِثلها
قال: وأنشدني الهيضَم لأبيه فيه:
للزاهدينَ مع الدموع دُموعُ والعابدين لهم عليكَ خُشوعُ
يَبكون فَقْدَك والجفونُ شِفاؤها هَمَلانُها وَرُقادُها مَمنوعُ
يا أحمد الخَير الذي وارى الثَّرى وبه الشَّتاتُ مِن الجميع جَميعُ
أروَى مَحلَّتَكَ السماءُ وجادَها دِيَمُ الخَريف وصَيِّفٌ ورَبيعُ
[ ٥٧٧ ]
أنبأنا علي بن عُبيد الله، قال: أخبرنا عبد الواحد بن علي العلاف، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سهل، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر ابن سَلْم، قال: حدثنا محمد بن السري أبو بكر، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن الحَجاج النَّيسابوري، قال: سمعتُ أحمد بن المبارك، يَقول: سمعتُ علي بن حُجْر يقول: -ونَعى إليه أحمدَ بْن حنبل رجلٌ يُقال له: إبراهيم -فَقال علي بن حُجر
نَعى لي إبراهيمُ أورعَ عالم سَمعتُ به من مُعدمٍ ومُخَوَّلِ
إمامًا على قصدِ السبيل وسُنَّة النَّبي أمين الله آخِر مُرسَلِ
فقلتُ وفاضَ الدَّمع مني بأربعٍ على النَّحر فَيضًا الجُمانِ المفصَّلِ
سلامٌ عَديد القطرِ والنَّجمِ والثَّرى على أحمد البرِّ التَّقي ابن حَنبلِ
ألا فَتأهبْ للمَنايا فإنَّما الْـ بَقاءُ قليلٌ بَعده لكَ أيْ عَلي
أنبأنا يحيى بن الحسن بن البَنّا، قال: أنبأنا محمد بن الحسين، قال: أنشدنا عُبيد الله بن أحمد، قال: أنشدنا أبو أحمد عبد السلام بن علي، قال: أنشدنا أبو مُزاحم الخاقاني:
جَزى الله ابنَ حَنبلٍ التَّقيَّا عن الإسلام إحْسانًا هَنيّا
فَقد أعطاهُ إذ صَبر احتِسابًا على الأسواط إيمانّيا قوّييا
هُو الوَرِع الذي امتَحنوه قِدْمًا فأَلفَوْهُ عَليمًا لا غَبيّا
وجاءَ بصادِق الآثارِ حتى أقامَ بذل الدّين الرضيّا
[ ٥٧٨ ]
حَبا المتوكّلُ السِّنيُ بَدْءًا وعَودًا أحمدَ المالَ السنيّا
فآثرَ أحمدُ الإقلالَ زُهدًا على الدنيا وكانَ بها سَخِيّا
فأحمدُ جامِعٌ وَرعًا وزُهدًا وعِلمًا نافِعًا حبرًا تَقيّا
وأحمدُ كان للفَتْوى إمامًا رِضًا للمُسلمين مَعًا وَفيّا
وأحمدُ محنةٌ للناسِ طُرًّا نَمِيز به المُعَوّج والسَّويّا
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا محمد بن عبد الملك بن عبد القاهر، قال: أنبأنا عُبيد الله بن أحمد بن عُثمان، قال: أنشدنا عبد السلام بن علي، قال: أنشدنا أبو مُزاحم الخاقاني له:
لقد صارَ في الآفاق أحمدُ مِحنةً وأمر الوَرى فيها فَليس بمُشْكلِ
تَرى ذا الهوى جَهلًا لأحمدَ مُبغضًا وتَعرف ذا التَّقوى بحُبِّ ابن حَنبلِ
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن هارون بن حميد المُجَدَّر، قال لما دفنا أحمد بن حنبل أنشدَنا ابنُ الخَبّازة فيه
ومَن أفْضَتِ الدنيا إليهِ فعافَهَا وقال: هَبِلتِ، الدينُ أنبل مُشكَلِ
ومَن رامَ إبليسُ استمالةَ قَلبه فألفاه كالقِدْح الذي لم يُمَيَّلِ
[ ٥٧٩ ]
ومَن لم يَزل في سُنة الله صابرًا على الضَّرب والأنكاِ واسّجن مُذْ بُلِي
كأني أرى الجلادَ يثني سِياطَه على بَدنٍ بالٍ من الصوم مُنْحَلِ
وأعضاؤه تَنجري الدماء كأنها عيونٌ إذا ما السوط منكبه عَلي
وقد وَهنَت من شدة الضَّرب نَفسه وحسَّ دَبِيبَ الموت في كل مَفْصِلِ
وقال له الجُهَال: يا مُبْتَلَى أجِبْ فإنك إن تأبَ الإجابة تُقتلِ
فقال: على البَرِّ الرَّحيم تَوكُّلي أعوذ بربي من مَقالة مُبطِ
ويا مَنْ يُعَافِي من يَشاءُ ويبتلى أمِتْنِي سَليمَ الدين غيرَ مبدِّلِ
فما حَجَبَ البرُّ الرحيم سُؤالَه لقد خصَّه منه بصيرٍ مُعجَّلِ
فنجّاه منهُ كاملَ الدين سالمًا بلا بدعة من سُنة لم يُحوّلِ
فعاشَ حميدًا ثم ماتَ مُفردًا به أحدٌ من دَهره لم يمثّلِ
فبُورك مَولودًا وبثورك ناشِئًا وبوركَ كَهلًا من أمينِ معَدَّلِ
وبُور مقبوضًا وبورك مُلْحَدًا وبوركَ مَبعوثًا إلى خَير منزلِ
أُرجِّي له الحُسنى بإظهاره التُّقَى وما يشإِ العلامُ بالسرِّ يفعلِ
وبَعْدُ فإنَّ السنَّة اليوم أصبحَتْ مُعززةً حتى كأَنْ لم تُذلَّلِ
[ ٥٨٠ ]
تَصول وتَسطو إذ أقيمَ منارها وحُطَّ مَنارُ الإفك والزّور من عَلِ
وولّى أخو الإبداع في الدين هاربًا إلى النار يهوي مُدبرًا غير مُقبلِ
شَفَى الله منه بالخَليفة جَعفر خَليفتنا ذي السنَّة المتوكِّلِ
وجامع أهل الدين بعد تَشتُّتٍ وفاري رؤوس المارِقين بمِقْصَلِ
أطال لنا ربُّ العبادِ بقاءَه سليمًا من الأهواءِ غَير مُبدلِ
وبوَّأَه بالنصر للدين جَنة يُجاور في رَوضاتها خَير مُرسِل
أنشدنا محمد بن ناصر، قال: أنشدنا جعفر بن أحمد السراج لنفسه في الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل:
سَقى الله قَبرًا حلَّ فيه ابنُ حنبلٍ من الغَيثِ وَسْمِيًّا على إثرهِ ولي
على أنَّ دمعي فيه ريُّ عِظامه إذا فاضَ، ما لم يَبْلَ مِنها وما بَلِي
فلله ربِّ الناس مَذهب أحمدٍ فإنَّ عليه ما حَيِيتُ مُعَوَّلي
دَعَوْه إلى خَلْقِ القُرَان كما دَعَوْا عن السنَّة الغراءِ والمذهبِ الجَلِي
ولما يَزدهُم والسياطُ تَنُوشُه فشَلَّتْ يَمينُ الضاربِ المُتَبتلِ
على قَوله: القُران - وَلْيشهدِ الوَرى- كلامُك يا ربّ الوَرى كيفَما تُلى
فمن مُبْلغٌ أصحابَه أنني به أفاخر أهلَ العلم في كل مَحْفِلِ
وألقى به الزهادَ كلَّ مطلِّق من الخوف دُنياه طلاقَ التبتُّلِ
[ ٥٨١ ]
مَناقبه إن لم تَكن عالمًا بها فَكَشِّفْ طُروس القَوم عنهنَّ واسألِ
لقد عاشَ فيا لدنيا حَميدًا مُوقَّفًا وصار إلى الأخرى إلى خير منزلِ
وإني لراجٍ أن يكونَ شفيعَ مَنْ تولاه من شيخٍ ومن مُتَكَهّلِ
ومن حَدَثٍ قد نَوَّرَ الله قلبَه إذا سألوا عن أصله قال: حَنْبَلِي
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي، قال: أنشدنا أبو إسماعيل عب الله بن محمد الأنصاري في مَدح أحمد بن حنبل:
وإمامِيَ القَوّامُ لله الذي دَفَنُوا حَميدَ الشأن في بَغْدَان
جَمَع التُّقَى والزهدَ في دنياهمُ والعلمَ بعدَ طَهارة الأردانِ
خَصِمُ النبي وصَيْرَفيُّ حديثه ومُفلّق أعرافها بمعان
حَبْرُ العراق، ومحنةُ لذوي الهوى يدري ببغضته ذوُو الأضغانِ
عَرَف الهدى فاجتابَ ثوبي نُصْرة وسَخا بمهجته على عِرْفانِ
عرضَتْ له الدنيا فأعرض سالمًا عنها كفعل الراهب الخَمْصانِ
هانَت عليه نفسُه في دينه ففدى الإمامُ الدينَ بالجُثمانِ
لله ما لَقِيَ ابنُ حنبل صابرًا عزمًا ينصره بلا أعْوانِ
أنا حَنبليُّ ما حييتُ فإن أمُتْ فَوصيتي ذاكُم إلى إخوانِي
قلت: وقد نقلت مدائح كثيرة، ومَراثٍ كثيرة اقتصرت على ما انتخبت منها والله الموفق.
[ ٥٨٢ ]