في ذكر مَنْشئه في صباه
قد ذكرنا أن الإِمام أَحمد﵁- ولد ببغداد، وبها نشأَ، وطلب العلم والحديث بها من شيوخها، ثم رَحل بعد ذلك في طلب العلم إلى البلاد.
قرأتُ على محمد بن أَبي مَنصور، عن أبي القاسم بن البُسْري، عن أَبي عبد الله بن بَطَّة، قال: أخبرنا أَبو بكر الآجُري، قال: أخبرنا أبو نصر بن كُردي، قال: دِجلة العَوْراء خلف مَنزل أحمد بن حنبل.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أَنبأَنا إبراهيم بن عُمر البَرْمَكي، قال: أَنبأَنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أبو بكر الخلّال، قال: أخبرني محمد بن الحسين قال: حدثنا أَبو بكر المروذي، قال: قال لي أَبو عفيف- وذكر أَبا عبد الله أحمد بن حنبل- فقال: كان في الكتّاب معنا وهو غَلَيّم نَعرف فضله، وكان الخليفة بالرقة، فيكتب الناس إلى منازلهم الكتب، فيبعث نساؤهم إلى المعلم: ابعث إلينا بأحمد بن حنبل، ليكتب لهم جواب كتبهم، فيبعثه فكان يجيء إليهن
[ ٢٢ ]
مطأطئ الرأس، فيكتب جواب كتبهم، فربما أَملين عليه الشيءَ من المنكر، فلا يكتبه لهن.
قال المرُّوذي: قال لي أبو سِراج بن خُزيمة: كنا مع أبي عبد الله في الكتّاب، فكان النساء يبعثن إلى المعلم: ابعث إلينا بابن حنبل ليكتب جوابَ كتبهم، فكان إذا دخل إليهن لا يرفع رأسه ينظر إليهن. قال أبو سراج: فقال أبي- وذكره- فجعل يعجب من أدبه، وحسن طريقته. فقال لنا ذات يوم: أنا أُنفق على ولدي وأجيئُهم بالمؤدبين على أن يتأَدبوا فما أراهم يُفلِحون، وهذا أَحمد بن حنبل غلام يتيم، انظر كيف يخرج!! وجعل يعجب.
قال أبو بكر المرُّوذي: وقال لي أبو عبد الله: كنتُ وأنا غُليم أختلف إلى الكتّاب، ثم اختلفت إلى الديوان وأَنا ابن أَربع عشرة سنة.
قال الخلال: وحدثنا محمد بن علي، قال: حدثني أبو المُنَبِّه جارنا: قال: أول شيءٍ عُرف من أحمد بن حنبل، أن عمه كتب جواب كتاب بعث به السلطان، فدفعه إلى أحمد بن حنبل يدفعه إلى الرسول، فلم يدفعه أَحمد
[ ٢٣ ]
إليه، ووضعه في طاقٍ في منزلهم، وطلب الرسول الجواب. فقال عمه: قد وجهت به إليك. ثم قال لأَحمد: أَين الكتاب الذي أَمرتك أن تدفعه إلى الرسول على الباب؟ فقال له: كان عليه قَباء، وهو ذا الكتاب في الطاق.
قال الخلال: وحدثنا أَبو بكر المَرُّوذي، قال: أُخبرت عن العباس بن عبيد الله قال: قال لي داود بن بسطام: أَبطأتْ عليَّ أخبار بغداد، فوجهت إلى عم أبي عبد الله بن حنبل: لم تصل إلينا الأخبار اليوم! وكنت أُريد أَن أحرِّرها وأوصِلها إلى الخليفة. فقال لي: قد بعثت بها مع أحمد ابن أخي. قال: فبعث عمه، فأحضر أبا عبد الله وهو غلام. فقال: أَليسَ بعثتُ معك الأَخبار؟ قال: نعم، قال: فلأَي شيءٍ لم توصلها؟ قال: أنا كنتُ أَرفع تلك الأخبار! رميتُ بها في الماءِ. قال: فجعل ابن بسطام يسترجع ويقول: هذا غلام يتورَّع، فكيف نحن.
قال المرُّوذي: وحدثني حَرَمِي بن يونس المؤدّب، قال: سمعتُ أَبي يقول: رأيت أَحمد بن حنبل في أيام هُشَيم وله قدر. قال المَرُّوذي: وسمعت أَبا عَبد الله يقول: ماتَ هُشَيم ولي عشرون سنة.
أَخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا محمد بن عبد الملك بن عبد القاهر، قال: أَنبأَنا عُبيد الله بن أحمد بن عثمان، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الورّاق؛ أن يحيى بن صاعد حدثهم، قال: حدثنا أبو بكر الأَثرم، قال:
[ ٢٤ ]
أخبرني بعض من كان يَطلب الحديث مع أبي عبد الله أحمد بن حنبل، قال: ما زال أَبو عبد الله بائنًا من أصحابه، قال: ولقد فَقدته يومًا عند إسماعيل ابن عُلَيّة، فدخل وهو ابنُ أَقل من ثلاثين سنة، فما بقي في البيت أحدإلا وسَّع له، وقال: ها هنا ها هنا.
[ ٢٥ ]