في ذكر قصته مع المتوكّل
ولي المتوكل على الله بعد الواثق في يوم الأربعاءِ لستُّ بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، وسِنّه سنت وعشرون سنة يومئذ، فأظهر الله ﷿ به السُّنَّة، وكشفَ تلك الغُمّة، فشكره الناس على ما فعل.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن علي بن إسحاق الخازن، قال: أخبرنا أحمد بن بشر بن سعيد الخِرقي، قال: حدثنا أبو رَوق الهِزَّانيّ، قال: سمعتُ محمد ابن خَلف يقول: كان إبراهيم بن محمد التَّيمي قاضي البصرة يقول: الخُلفاء ثَلاثة؛ أبو بكر الصديق قاتل أهلَ الردّة حتى استجابوا له، وعُمر بن عبد العزيز ردَّ مظالم بني أمية، والمتوكّل محا البِدع وأظهرَ السُّنَّة.
أخبرنا عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرني الحسن بن شهاب العُكْبَري في كتابه، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البُنْدار، قال: حدثنا مُعاوية بن عثمان، قال: حدثنا علي بن حاتم، حدثنا علي ابن الجهم، قال: وجَّه إليّ أمير المؤمنين المتوكّل، فأتيته فقال لي: يا عليّ،
[ ٤٨٢ ]
رأيتُ النبي ﷺ في المنام فقُمت إليه، فقال لي: تَقوم إليّ وأنتَ خليفة! فقلت له: أبشر يا أمير المؤمنين، أمّا قيامك إليه فقيامك بالسنّة، وقَد عَدَّك من الخُلفاءِ، فَسُرَّ بذلك.
أخبرنا عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: حدثنا الأزهري قال: حدثنا عبيد الله بن محمد العُكْبَري، قال: حدثنا أبو الفضل محمد بن أحمد بن سَهل النَّيسابوري، قال: حدثنا سعيد بن عثمان الخياط، قال: حدثني علي بن إسماعيل، قال: رأيتُ جَعفرًا المتوكل بطرسوس في النوم وهو في النّور جالس، قلتُ: المتوكل؟ قال: المتوكل، قلت: ما فَعل الله بك؟ قال: غَفر لي، قلتُ: بماذا؟ قال: بقليل من السنّة أحييتُها.
قلت: أطفأ المتوكل نيران البدعة، وأوقد مَصابيح السنة.
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرني الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عَرفة، قال: في سَنة أربع وثلاثين ومئتين أشخص المتوكل الفُقهاء والمحدّثين، وكان فيهم مُصعب الزُّبيري، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وإبراهيم بن عَبد الله الهَرَوين وعبد الله وعثمان ابنا أبي شَيبة، فَقُسمت بينهم الجوائز، وأجريت عليهم الأرزاق، وأمرهم المتوكل أن يَجلسوا للناس وأن يُحدثوا بالأحاديث التي فيها الردّ على المعتزلة والجَهمية، وأن يُحدثوا بالأحاديث في
[ ٤٨٣ ]
الرّؤية، فجلس عُثمان بن أبي شَيبة في مَدينة المنصور، وَوُضع له مِنبر، واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفًا من الناس، وجَلس أبو بَكر بن أبي شَيبة في مَسجد الرُّصافة واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفًا.
أنبأنا أبو القاسم الحَريري، عن أبي إسحاق البَرْمَكي، قال: أخبرنا أبو الحسن بن الفُرات، قال: أنشدنا القاضي أبو بَكر بن كامل، قال: أنشدني بَكر الخليلي الزاهد، قال: أنشدني أبو عَبد الله غُلام خليل، قال: أنشدني أبو جَعفر الخَوّاص بعَبّادان بعدَ زوال المِحنة:
ذَهَبتْ دَولةُ أصحابِ البِدَعْ وَوَهَي حَبْلُهُم ثمّ انقَطعْ
وتداعي بانصرافٍ جمعُهمْ حِزبُ إِبليسَ الذي كانَ جَمعْ
هَل لهم ياقَوم في بِدعَتهِمْ مِنْ فَقيهٍ أو إمامٍ يُتَّبَعْ
مثل سُفيان أخي الثَّور الذي عَلَّم الناسَ دقيقاتِ الوَرَع
أو سُليمان أخي التَّيم الذي تَرك النَومَ لهولِ المطَّلع
أو فَقيه الحَرمين مالك ذلك البَحر الغزير المُنْتَجَع
أو فَتى الإسلام أعني أحمدًا ذاكَ لو قارعه القُرّا قَرَع
لم يَخَفْ سَوطَهمُ إِذ خَوّفوا لا وَلا سَيفَهمُ لَمّا لَمَعْ
[ ٤٨٤ ]
فصل
ثم بعث المتوكل بعد مُضي خمس سنين من ولايته بتَسيير أحمد بن حنبل إليه، فأخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: وجِّه المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بحمل أبي إليه، فوجَّه إسحاق إلى أبي، فقال له: إن أمير المؤمنين كتبَ إليَّ يأمرني بإشخاصِك إليه، فتأهَّبْ لذلك. قال أبي: وقال لي: اجعلني في حلٍّ من حُضوري ضَربك. قلتُ: قد جعلتُ كلّ من حضر في حِل. قال أبي: وقالَ أسألك عن القرآن مسألة مُستَرشدٍ لا مسألة امتحان، وليكن ذلك عندك مَستورًا، ما تقول في القرآن؟ فقلت: القرآن كلامُ الله غير مَخلوق، قال لي من أين قلتَ: غير مخلوق؟ فقلت: قال الله ﷿: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾، ففرق بين الخَلق والأمر، فقال إسحاق: الأمر مَخلوق، فقلت: يا سبحان الله أمخلوق يخلق مخلوقًا!! فقال: وعمن تحكي أنه ليس بمخلوق؟ فقلت: جعفر من محمد، قال: ليس بخالق ولا مَخلوق، قال: فسكت. فلما كان في الليلة الثانية وجّه
[ ٤٨٥ ]
إليّ، فقال: ما تَقول في الخُروج. فقلت: ذاك إليكم، وجاءَ إلى أبي جماعة من الأنصار والهاشميين عندما وجّه المتوكل في حَمله فقالوا: تُكلّمه؟ فقال: قد نويت أن أكلمه في أهله وفي الأنصار والمهاجرين وما فيه مَصلحة للمسلمين، وكان حمله إلى المتوكل في سنة سبع وثلاثين ومئتين، فأخرج حتى إذا صرنا في موضع يقال له: بُصْرَى، باتَ أبي في المسجد ونحن معه، فلما كان في جوف الليل جاء النَّيسابوري. فقال: يَقول لك ارجع، فقلت: يا أية، أرجو أن يكون خِيَرة، فقال: لم أزل أدعو الله ﷿.
سياق ما حدث بعد ذلك
من تحريض الأعداءِ على أحمد أنه قد أخفى بعض العلويين عنده.
لما أخرج أحمد ﵁ إلى المتوكل، رُدَّ من بعض الطريق، ثم توفي إسحاق بن إبراهيم، وولي مكانه ابنه عبد الله بن إسحاق، فرفع الأعداء إلى المتوكل أن عندَ أحمد علويًاّ.
أخبرنا المحمّدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن جعفر، والحسين ابن محمد، وعلي بن أحمد، قالوا: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد، قال: حدثنا صالح بن أحمدن قال: لما ولي عبد الله بن إسحاق كتب المتوكل إليه: أن وجه إلى أحمد بن حنبل أنَّ عِندك طَلِبَة أمير المؤمنين، فوجَّه بحاجبه مُظَفر،
[ ٤٨٦ ]
وحضر معه صاحب البَريد- وكان يُعرف بابن الكلبي - وكان قد كتب إليه أيضًا، فقال له مُظفر: يقول لك الأمير: قد كتبَ إليَّ أمير المؤمنين أن عندك طَلِبته؟ وقال له ابنُ الكلبي مثل ذلك، وكان قد نام الناس.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: دقُوا الباب وأبي في إزاز فَفتح، فلما قُرئ عليه الكتاب وكأنهم أوَمؤوا إلى أن عنده عَلويًّا. قال لهم: ما أعرفُ من هذا شيئًا، وإني لأرى طاعَته في العُسْرِ واليُسرِ والمَنْشَط والمَكْرَه والأثَرة، وإني أتأسف على تَخلّفي عن الصلاة في جَماعة، وعن حُضور الجمعة ودعوة المسلمين، وقد كان إسحاق وَجّهَ إليه قبل موته: الزَم بيتَك ولا تخرج إلى جمعة ولا جَماعة، وألا نزل بك ما نزل بك في أيام أبي إسحاق. ثم قال له ابن الكَلبي: قد أمرني أمير المؤمنين أن أحلّفك أن ما عندك طَلِبَته فتحلف، قال: إن استَحلفتموني حلفتُ، فأحلَفَه بالله وبالطلاق، أن ما عنده طَلِبَة أمير المؤمنين، ثم قال له أريدُ أن أفتش منزلك، وكنت حاضرًا، فقال ومنزل ابنك، فقام مُظفر وابن الكلبي وامرأتان معهما، فدخلا فَفتشا البيت، ثم فَتش الامرأتان النساءَ، ثم دخلوا منزلي ففتشوه، ودلّوا شمعة في البئر فنظروا، ووجهوا النِّسوة فَفتشوا الحرم ثم خرجوا، فلما كان بعد يومين، ورد تاب علي بن الجهم: إن أمير المؤمنين قد صَحَّ عنده براءَتك مما قُرفت به، وقد كان أهل البدع مَدوا أعينهم، فالحمدُ لله الذي لم يُشمتهم بك، قد وجه
[ ٤٨٧ ]
إليك أمير المؤمنين يأمرك بالخروج، فالله الله أن تَستعفي أو تَرُدَّ المال.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيْم الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر بن مالك، قال: حدثنا أبو جعفر بن ذريح العُكْبَري، قال: طلبت أحمد بن حنبل في سَنة ست وثلاثين ومئتين لأسأله عن مَسألة، فَسأَلتُ عنه فَقالوا: خَرج يُصلي، فجلستُ حتى جاءَ، فسلَّمت عليه فرد عليّ السلام، فدخل الزُّقاق وأنا أماشيه، فلما بَلغنا آخر الدرب، إذا بابُ يفرج، فَدفعه وصار خَلفه، وقال: اذهَب عافاك الله. فثنيت عليه، فقال: اذهب عافاك الله، فَخرج رجل فسألته عن تَخلُّفه عن كلامي، فقال: ادُّعي عليه عند السلطان أن عِنده علويًّا، فجاءَ مُحمد بن نَصر، فأحاط بالمحلة فَفُتشت، فلم يوجد فيه شيء مما ذُكر، فَأحجم عن كَلام العامّة.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا أبو الحُسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بنعلي الخياط، قال: أخبرنا محمد بن أبي الفَوارس، قال: أخبرنا أحمد بن جَعفر بن سَلْم، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: سمعتُ أبا عبد الله يقول: قد جاءَني أبو علي يحيى بن خاقان، فقال لي: إن كتابًا جاءَه فيه: إن أمير المؤمنين يُقرِئك السلام، ويقول لك: لو سَلِمَ أحدٌ من الناس سَلمتَ أنت، هاهنا رجل قد رَفع عليك وهو في أيدينا محبوس، رَفع عليكَ أن عَلويًّا قد تَوجَّه
[ ٤٨٨ ]
من قِبل خُراسان، وقد بعثتَ برجل من أصحابك يَتلقاه وهو ذا مُحبوس؛ فإن شئتَ ضربتُه، وإن شئت حبستُه، وإن شئتَ بعثتُ به إليك، قال: فقلت له: ما أعرف مما قال شيئًا، أرى أن تُطلقوه ولا تَعرضوا له، فقلت لأبي عبدالله: سفكَ الله دمه قَد أشاط بدمائكم، فقال: ما أراد إلا استئصالنا، ولكن قلتُ: لعلّ له والدة أو أخوات أو بنات، أرى أن تُخلوا سَبيله ولا تَعرضوا له.
أخبرنا عبد الملك الكَرُوخي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله اللأَّل، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم الصرّام، قال: أخبرنا إبراهيم بن إسحاق قال: إنَّ المتوكل أخذَ العلوي الذي سَعى بأبي عبد الله إلى السلطان، وأرسله إلى أبي عبد الله ليقولَ فيه مقالة للسلطان، فعفا عنه، وقال: لعلّه يكون له صِبيان يُحزِنهم قَتله.
[ ٤٨٩ ]
سياق قصة خُروجه إلى العَسْكر بعد انقضاء أمر هذه التُّهمة
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرن إبراهيم بن عمر، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: وَرد كتابُ علي بن الجَهم: إنَّ أمير المؤمنين قد وجّه إليكَ يعقوب المعروف بقَوْصَرَّة ومعه جائزة ويأمرك بالخُروج، فالله الله أن تَستعفي أو تَردّ المال، فيتَّسع القول لمن يُبغضك، فلما كانَ الغد وَرد يعقوب فدخل إليه، فقال: يا أبا عبد الله، أميرُ المؤمنين يقرأ عليكَ السلام ويقول: قَد صحَّ عِندنا نقاءُ ساحَتك، وقد أحببتُ أن آنس بقُربك، وأن أتبرك بدُعائك، وقد وجَّهتُ إليك عشرة آلاف دِرهم مَعونةً على سفرك. وأخرج بَدْرةً فيها صُرّة نحو من مئتي دينار، والباقي دراهم صِحاح، فلم ينظر إليها، ثم شدّها يعقوب وقال له: أعودُ غدًا حتى أنظر ما تَعزم عليه، وقال له: يا أبا عبد الله، الحمدُ لله الذي لم يُشمت بكَ أهل البِدع. وانصرف، فَجئتُ بإجَّانَة خَضراء فكَببتُها، على البَدرة، فلما كان عند المغرب، قال: يا صالح، خذ هذا صَيِّره عندك، فصيرتُها عند
[ ٤٩٠ ]
رأسي فوق البيت، فلما كان السَّحر إذا ينادي: يا صالح، فقمتُ فصعدتُ إليه، فقال: ما نمتُ ليلتي هذه، فقلت: لمَ يا أبَة؟ فجعل يبكي، وقال: سلمتُ من هؤلاءِ حتى إذا اكن في آخر عُمري بُليتُ بهم، قد عزمتُ على أن أفرّق هذا الشيء إذا أصبحتُ، فقلت: ذلك إليكَ، فلما أصبحَ جاءَه الحسنُ البزّاز والمشايخ، فقال: جئني يا صالح بميزان؛ فقال: وجِّهوا إلى أبناءِ المهاجرين والأنصار، ثم قال: وَجِّه إلى فُلان حتى يُفرق في ناحيته، وإلى فلان. فلم يزل حتى فَرقها كلّها ونفضتُ الكيسَ، ونحنُ في حالة الله تعالى بها عليم. فجاءَ بُني لي فقال: أعطني يا أبة دِرهمًا، فنظر إليَّ فأخرجتُ قِطعة أعطيته، وكتب صاحب البريد أنه قد تصدّق بالدراهم من يَومه حتى تَصدق بالكيس.
قال علي بن الجَهم: فقلتُ له: يا أميرَ المؤمنين، قد [تصدق بها و] علم الناس أنه قد قبل منك، وما يَصنع أحمد بالمال؟ وإنما قُوته رغيفُ، قال: فقال لي: صَدقتَ يا علي.
قال صالح: ثم أخرجنا ليلًا معنا حراس معهم النفَّاطات، فلما أضاءَ الفجر، قال لي: يا صالح، أمعك دراهم؟ قلت: نعم. قال: أعطهم، فأعطيتهم دِرهمًا درهمًا. فلما صرنا إلى الحنّاطين، قال يعَقوب:
[ ٤٩١ ]
قفوا هاهنا، ثم وجَّه إلى المتوكل يُعلمه بمصيرنا، فدخلنا العَسكر وأبي مُنكَّسُ الرأس، ثم جاءَ وَصيفٌ يُريدُ الدار، فلما نظر إلى الناس وجمعهم، قال: ما هؤلاء؟ قالوا: هذا أحمد بن حنبل، فوجه إليه بعد ما جاز بيَحيى بن هَرْثَمة، فقال: يُقرئك الأميرُ السلام، وقول: الحمدُ لله الذي لم يشمّتْ بكَ أهلَ البدع، قد علمتَ ما كان حال ابن أبي دُؤاد، فينبغي أن تتكلّم بما يحب الله ﷿، ثم أنزل دار إيتاخ، فجاءَ علي بن الجَهم، فقال: قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلافٍ مكانَ التي فرقها، وأمر أن لا يُعلم بذلك فَيغتمّ، ثم جاءَه أحمد بن مُعاوية، فقال: إن أمير المؤمنين يُكثر ذكرك، ويَشتهي قُربك، وتُقيم هاهنا تُحدِّث. فقال: أنا ضَعيف، ثم وضع أصبعه على بَعض أسنانه، فقال: إن بَعض أسناني يَتحرك، وما أخبرت بذلك ولدى، ثم وجَّه إليه: ما تَقول في بَهيمتين انتَطحتا فعقَرت أحداهما الأخرى، فسقطت فذُبحت؟ فقال: إن كانَ طرف بَعينه، ومَصع بذَنبه، وسال دمه؛ يؤكل.
ثم صار إليه يحيى بن خاقان، فقال: يا أبا عبد الله، قد أمرني أمير المؤمنين أن أصير إليك لتركبَ إلى أبي عبد الله وَلده، وأمرني أن أقطع لكَ سوادًا
[ ٤٩٢ ]
وطَيلسانًا وقَلَنْسوةً، فأي قَلَنسوةٍ تَلبس؟ فقلت: ما رأيته لبس قَلَنسوة قط، وقال: إن أمير المؤمنين قد أمر أن يصير لكَ مَرتبة في أعلى المراتب، ويصير أبوعبد الله في حجرك، ثم قال لي: قد أمر أمير المؤمنين أن يُجري عليكم وعلى قراباته أربعة آلاف درهم، ثم عادَ يحيى من الغد، فقال: يا أبا عبد الله تركب؟ قال: ذاك إليك، فقال: استَخر الله ﷿، فلبس إزاره وخُفية، وقد كان خُفّه قد أتى عليه نحو من خَمس عشرة سنة مَرقوعًا برقاع عِدّة، فأشار يحيى إلى أن يَلبس قَلنسوة. فقلت مالَه قَلنسُوة، ولا رأيته يَلبس قَلنسوة، فقال: كيفَ يدخل حاسرًا! وطلبنا له دابة يركبها، فقال يحيى: مُصَلِّي، فجلس على التراب، وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ ثم ركب بَغل بعض التجار. فمضينا معه حتى إذا دخل دار أبي عبدالله أجلس في بيتٍ في الدّهليز، ثم جاءَ يحيى فأخذ بيده حتى أدخله ورُفع لنا الستر ونحن نَنظره، فَقعد، فقال له: يا أبا عبد الله في حجرك، قال صالح: فأخبرني بعض الخدم، أن المتوكل كان قاعِدًا وراءَ سِتْر، فلما دخل أبي الدارَ، قال لأمه: يا أماه، قد أنارت الدار، ثم جاءَ خادم بمنديل، فأخذ يحيى المنديل، وأخرج مُبطَّنة فيها قميص، فأدخل يَده في جيب القَميص والمُبَطنة، ثم أخذ بيده فأقامه حتى أدخل جيبَ
[ ٤٩٣ ]
القميص والمبطنة في رَأسه، ثم أدخل يده فأخرج يده اليمنى، وكذلك اليسرى، وهو لا يُحرك يَده. ثم أخذ قلنسوة فوضعها على رأسه، وألبسه طيلسانًا، ولم يَجيئوا بخُف فبقي الخف عليه، ثم انصرف فلما صار إلى الدار نَزع الثياب عنه، ثم جعل يبكي، ثم قال: سَلمتُ من هؤلاءِ منذ ستين سَنة، حتى إذا كان في آخر عُمري بُليت بهم! ما أحسبني سلمتُ من دخولي على هذا الغلام، فكيف بمن يجب عليَّ نصحُه من وقت أن تَقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده؟ ثم قال: يا صالح، وجّه هذه الثياب إلى بغداد تُباع ويُتصدق بثمنها، ولا يشتري منكم أحد شيئًا، فوجهت بها فبيعت وفرق ثمنها.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا ابن البُسْري، عن أبي عبد الله ابن بَطَّة، قال: أخبرنا الآجُرّي، قال: أخبرنا أبو نصر بن كُردي، قال: حدثنا المُّروذي، قال: سمعتُ زُهير بن محمد، يقول: أنا أول من تَلقى أبا عبد الله قبل أن يَخرج من الحَرّاقة، قال: فخرج وعليه الكساء الذي خُلع عليه، قال: فسقط فَجعل يجره وما سَوّاه عليه.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن يوسف، قال: أخبرنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أخبرنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: ثم أخبرناه أن الدار التي هو فيها لإيتاخ. فقال: اكتب رُقعةً إلى محمد بن الجَراح، استعِف لي من هذه الدار، فكتبنا
[ ٤٩٤ ]
رُقعة، فأمر المتوكل أن يُعفى منها، ووجه إلى قوم يخرجوا عن منازلهم، فسأل أن يعُفي من ذلك، فاكتُرَيت لنا دارٌ بمئتي درهم فصار إليها، وأجري لنا مائدةٌ وثَلجٌ، وضُرب الخَيش وفُرِش الطَّبري، واشتكت عينه ثم بَرئت، فقال لي: ألا تعجب؟ كانت عيني تشتكي فتمكث حينًا حتى تبرأ، ثم قد بَرئت في سُرعة.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي الفضل، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الصرّام، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الغَسِيلي، قال: حدثني أبو بَكر المرُّوذي، قال: قال لي أحمد بن حنبل ونحن بالعَسكر: لي اليوم ثمان منذ لم آكل شيئًا، ولم أشرب إلا أقلّ من ربع سَويق. وكان يمكث ثلاثًا لا يطعم، فإذا كانت ليلة الرابعة أضعُ بين يَديه قدر نِصف ربع سَويق، فربما شربه، وربما ترك بَعضه، وكان إذا ورد عليه أمر يَغمّه لم يَطعم ولم يُفطر إلا على شَربِةِ ماء.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن يوسف، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر قال: أخبرنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: جَعل أبي يُواصل في العسكر يُفطر في كل
[ ٤٩٥ ]
ثلاث على تمرٍ شُهريز، فمكث بذلك خمسةَ عشر يومًا، يُفطر في كل ثلاث، ثم جعل بعد ذلك يُفطر ليلةً وليلة، لا يفطر إلا على رغيفٍ وكان إذا جيءَ بالمائدة تُوضع في الدهليز لكي لايراها، فيأكل مَن حَضر، وكان إذا أجهده الحرّ تُلقى له خِرقة فيضعها على صَدره، وفي كل يوم يوجه المتوكل بابن ماسَويه ينظر غليه ويقول: يا أبا عبد الله، أنا أميلُ إليك وإلى أصحابك، وما بكمن علة إلا الضَّعف وقلة الرِّزّ، وإن عبادنا ربما أمرناهم بأكل دُهن الخَلِّ فنه يلين، وجعل يَجيئه بالشيءِ ليشربه فيصبه، وجَعل يعقوب وعَتّاب يصيران إليه، فيقولان له: يقول ل أمير المؤمنين: ما تقول في ابن أبي دُؤاد، وفي ماله؟ فلا يُجيب في ذلك شيئًا، وجعلا يُخبرانه بما يحدث من أمر ابن أبي دؤاد في كل يوم، ثم أحدر ابنُ أبي دؤاد إلى بَغداد بعد ما أشهد عليه ببيع ضِيَاعه، وكان ربما صار إليه يَحيى وهو يُصلي، فيجلس في الدّهليز حتى يَفرغ، ويجيء علي بن الجَهم، فينزع سيفه وقلنسوته ويدخل عليه.
وأمر المتوكل أن يُشترى لنا دار، فقال لي: يا صالح، قلت: لبيك، قال: لئن قررتَ لهم بشراءِ دار لتكونَنَّ القطيعةُ بيني وبينك، إنما يريدون أن يُصيّروا هذا البلدَ لي مأوى ومسكنًا، فلم يزل يدفع شراء الدار حتى اندفع، وصار إليَّ صاحب النُّزل، فقال: أعطيك كل شهر ثلاثة آلاف درهم مكان المائدة؟ قلت: لا. وجَعلت رسُل المتوكل تأتيه يسألونه عن خبره، فيصيرون إليه،
[ ٤٩٦ ]
فيقولون له: هو ضعيف، وفي خلال ذلك يقولون: يا أبا عبد الله، لابدّ له من أن يراك فيسكت، فإذا خرجوا، قال: أما تعجب من قولهم: لابدّ أن يراك، وما علمهم من أنه لابد أن راني؟ وجاءَ يعقوب، فقال: يا أبا عبد الله، أميرُ المؤمنين مُشتاق إليك، ويقول: انظر اليوم الذي تَصير إليه فيه أي يوم هو حتى أعرفه؟ فقال: ذاكَ إليكم، فقال: يوم الأربعاء يوم خالٍ، ثم خرج يعقوب، فلما كان من الغد جاء فقال: البشرى يا أبا عبدالله، أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام، ويقول لك: قد أعفيتُك عن لبس السَّواد والركوب إلى وُلاة العهد وإلى الدار، فإن شئتَ فالبس القُطن، وإن شئتَ فالبس الصوف، فجعل يَحمد الله ﷿ على ذلك. ثم قال له يعقوب: إن لي ابنًا وأنا به مُعْجَب، وله من قَلبي موقع، فأحب أن تُحدّثه بأحاديثَ، فسكت، فلما خَرج، قال: أتُراه ما يرى ما أنا فيه؟!
أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أبو القاسم بن البُسْري، عن أبي عبد الله بن بَطة، قال: أخبرنا الآجرِّي، قال: أخبرنا أبو نَصر بن كردي، قال: حدثنا المرُّوذي، قال: سمعتُ يعقوب- رسول الخَليفة - يقول لأبي عبد الله يَجيئك ابني بَين المغرب والعشاءِ، فتحدثه بحديث واحد أو حديثين؟ فقال: لا، لا يجيء، فلما خرج سمعته يقول: ترى لو بلغ أنفه طرف السماءِ حدثته؟ أنا أحدث حتى يوضع الحبل في عنقي؟!
[ ٤٩٧ ]
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا البَرْمَكي، قال: حدثنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: كانَ أبي يَختم من جُمعة إلى جُمعة، فإذا خَتم يدعو ونؤمّن، فلما فرغ جعل يقول: أستخيرُ الله ﷿. مِرارًا، فجعلتُ أقول: ما تريد؟ فقال: أعطي الله عهدًا إنّ عهده كان مسؤولًا وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، أني لا أحدّث حديثًا تامًّا أبدًا حتى ألقى الله ﷿، ولا أستثني منكم أحدًا، وجاءَ علي بن الجهم، فقلنا له، فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وأخبر المتوكل بذلك. وقال أبي: يُريدون أن أحدّث فيكون هذا البلد حَبْسي، وإنما كان سبب الذين أقاموا بهذا البلد أنهم أعطوا فَقبلوا، وأمروا فحدَّثوا. وكان يدخل عليه يَحيى ويعقوب وعَتّاب وغيرهم فيتكلمون وهو مغمض العَين يتعلل، وضعَف ضعفًا شديدًا، فكانوا يُخبرون المتوكل بضعَفه فيتوجع لذلك، ويوجِّه غليه في كل وقت يسأله عن حاله، وكان في خلال ذلك يأمر لنا بالمال، فيقول: يُوصَل غليهم ولا يُعلم شَيخهم. ويقول: ما يُريد منهم؟ إن كان هو لا يريد الدُّنيا فلِمَ يمنعهم؟
وقالوا المتوكل: إنه لا يأكُل من طَعامك، ولا يجلس على فِراشك، ويُحرم هذا الشراب الذي تَشرب. فقال: لو نُشِر المعتصم، وقال لي فيه شيئًا لم أقبله.
قرأتُ على أبي الفَضل بن أبي منصور، عن أبي القاسم بن البُسْري، عن
[ ٤٩٨ ]
أبي عَبد الله بن بَطة، قال: أخبرنا أبو بكر الآجُرّي، قال: حدثنا محمد بن كُردين قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: سمعتُ أبا عبد الله يقول: أنا مُنذ كذا وكذا أستخيرُ الله ﷿ في أن أحلِفَ أن لا أحدّث، وقال: قد تركنا الحديث وليسَ يتركونا.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا ابن يوسف، قال: أخبرنا البَرْمَكي، قال: حدثنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح قال: ثم انحدرتُ إلى بغداد وخلَّفت عبد الله عنده، فإذا عبد الله قد قَدم، وجاءَ بثيابي التي كانت عنده. فقلت: ما حالك فقال: قال لي: انحدر وقل لصالح لا يخرج، فأنتم كُنتم آفتي، والله لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ، ما أخرجتُ واحدًا منكم معي، ولولا مكانكم لم كانت تُوضع هذه المائدة؟ ولمن كان يُفرش هذا الفرش، ويُجري هذا الشيء فكتبتُ أعلمه بما قال عبد الله، فكتب بخَطه: بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله عاقبتك، ودفع عنك كل مَكروه ومحذور، الذي حَملني على الكتابة إليك، والذي قلتُ لعبد الله: لا يأتيني منكم أحد، رجاء أن ينقطع ذكري ويَخْمُد، فإنكم إذا كُنتم هاهنا فَشا ذكري، وكان يجتمع الناس إليكَ، قوم ينقلون أخبارنا، ولم يكن إلا خير، واعلم يا بني، أنك إن أقمتَ فلم تأتني أنتَ ولا أخوك فهو رضائي، فلا تَجعل في نَفسك إلا خيرًا، والسلامُ عليك ورحمة الله وبركاته.
قال أبو الفضل: ثم وَرد كتابٌ آخر بطه إليّ يذكر فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أحسنَ الله عاقبتك، ودفع عنك السّوء برحمته، كتابي إليك، وأنا
[ ٤٩٩ ]
بأنعُم من الله ﷿ مُتظاهرة، أسأله تمامها والعون على أداءِ شُكرها، قد انفكَّت عنا عقد، إنما كان حبس من كان هاهنا لما أعطوا فَقبلوا، وأُجري عليهم فصاروا في الحَدّ الذي صاروا إليه، وحدَّثوا ودخلوا عليهم. فنسأل الله ﷿ أن يُعيذنا من شَرّهم وأن يُخلّصنا، فقد كان ينبغي لكم لو فديتموني بأموالكم وأهاليكم لهان ذلك عليكم للذي أنا فيه، ولايكبر عليكم ما أكتب به إليكم، فالزموا بُيوتكم لعل الله ﷿ أن يُخلّصنا، والسلام عليكم ورَحمة الله.
ثم ورد عليّ غير كتاب بخطه بنحو من هذا. فلما خرجنا رُفِعَت المائدة والفُرش، وكلُّ ما كان أقيم لنا، وأوصى وصِيّة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل؛ أوصى أنه يَشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليُظهره على الدين كله ولو كَره المشركون، وأوصى من أطاعه من أهله وقَرابته أن يعبدوا الله في العابدين، وأن يَحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين، وأوصى أني رضيتُ بالله ﷿ ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، وأوصي أن لعبد الله بن محمد المعروف بفُوران عليَّ نحوًا من خمسين دينارًا، وهو مصدَّق فيما قال، فيُقْضَى مالَه عليَّ من غلة الدار إن شاءَ الله، فإذا استوفى أعطى ولدُ صالحٍ [وعبد الله ابني أحمد بن محمد بن حنبل] كلّ ذكر وأنثى عشرة
[ ٥٠٠ ]
دراهم، عشرة دراهم، بعد وفاء مال أبي محمد. شَهد أبو يوسف وصالح وعبد الله ابنا أحمد بن محمد بن حنبل.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا محمد بن المنتصر الباهِلي، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي الفضل، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الأنصاري، قال: حدثني أبو بكر المرُّوذي، قال: أنبَهني أبو عبد الله ذات ليلة، وقد كان واصَلَ، فإذا هو قاعد، فقال: هو ذا يُدَارُ بي من الجوع، فأطعِمْني شيئًا، فجئته بأقلَّ من رَغيف، فأكل، ثم قال: لولا أني أخاف العون على نفسي ما أكلتُ، وكان يقوم من فراشه إلى الخروج، فيقعد يَستريح من الضعف من الجوع، حتى إن كنت لأبلُّ له الخِرقة فيلقيها على وجهه ترجع إليه نَفسه، حتى أوصى وأشهدَ على وصيته من الضعف من غير مرض. فسمعته يقول عند وصيته ونحن بالعَسكر: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أحمدُ بن محمد؛ أوصى: أنه يَشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شَريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله، ولوكَره المشركون، وأوصَى من أطاعه من أهلهِ وقرابته أن يحمدوا الله في الحامِدين وأن يَنصحوا لجماعة المسلمين، وأوصى: إني رَضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وأوصى أن عليه خمسينَ دينارًا تُؤدّى من الغَلة حتى تُستَوفي.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن
[ ٥٠١ ]
أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبي، والحسين بن محمد، قالا: حدثنا أحمد بن محمد بن عُمر، قال: سمعتُ عبد الله بن أحمد ابن حَنبل يقول: مكث أبي بالعَسكر عند الخليفة ستة عشر يومًا، ما ذاق شيئًا إلا مقدار رُبع سَويق، في كل ليلة يشرب شَربة ماء، وفي كل ثلاث ليال يستفُّ حَفنةً من السَّويق، فرجع إلى البيت ولم تَرجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، ورأيتُ ماقضيّه قد دخلا في حَدَقتيه.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلال، أخبرني محمد بن الحسين، أن أبا بكر المرُّوذي حدثهم، قال: كان أبو عبد الله بالعَسكر، يقول: انظر هل تَجدي ماء الباقلاء؟ فكنت ربما بللتُ خُبزه بالماء فيأكله بالملح، ومنذ دخلنا العسكر إلى أن خرجنا ما ذاق طَبيخًا ولا دَسمًا.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخَياط، قال: أخبرنا ابن أبي الفوارس، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمد بن سَلْم، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: قال أبو عبدالله أحمد بن حنبل: إني لأتمنى الموتَ صباحًا ومساءً أخاف أن أُفتنَ بالدنيا، لقد تفكرتُ البارحة، فقلت: هذه مِحنتان، امتحنتُ بالدين، وهذه محنة بالدنيا. وقال لي ونحن بالعسكر: ألا تَعجب! كان قُوتي فيما مَضى أرغفة؛ وقد ذهبت عني
[ ٥٠٢ ]
شَهوة الطعام فما أشتهيه، قد كنت في السجن آكل وذلك عندي زيادة في إيماني وهذا نُقصان، وقال لنا يومًا ونحن بالعسكر: لي اليومَ ثمان لم آكل شيئًا ولم أشرب إلا أقل من ربع سَويق. وكان يمكث ثَلاثًا لايطعم، وأنا معه، فإذا كان الليلة الرابعة أضعُ بين يديه قَدر نصفِ رُبعِ سَويق، فربما شَربه وربما تَرك بعضه، فمكث نحوًا من خَمسة عشر يومًا، أو أربعة عشر يومًا لم يطعم إلا أقل من ربُعين سَويقًا، وكان إذا ورد عليه أمر يَغمه لم يَطعم ولم يفطر، وواصل لا شربة ماء، وكُلّم في أمره وفي الحمل على نفسه، فقيل له: لو أمرت بقِدر تُطبخ لك لترجع إليك نفسك؟ فقال: الطبيخُ طعام المطمئنين، مَكث أبو ر ثلاثين يومًا مالهُ طعام إلا ماء زَمزم؛ وهذا إبراهيم التَّيمي كان يَمكث في السِّجن كذا وكذا لا يأكل، وهذا ابنُ الزُّبيرا، يمكث سَبعًا.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرني عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر، قال: حدثنا علي بن عَبد العزيز، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد: أن المتوكل كان قد اكترى لهم دارًا قال: فسأل أبي أن يُحَوَّل من الدار التي اكتُريت له، فاكترى هو دارًا وتحوَّل
[ ٥٠٣ ]
إليها، فسأل عنه المتوكل فقيل له: إنه عَليل. فقال: كنتُ أحب أن يكون في قُربى وقد أذِنت له، يا عُبيد الله، احمل إليه ألف دينار يَقسمها، وقل لسعيد يُهييء له حَرّاقة يَنحدر فيها. فجاءَه عليّ بن الجَهم في جوف الليل، ثم جاءَ عُبيدالله ومعه ألف دينار. فقال: إن أمير المؤمنين قد أذن لكَ، وقد أمر بهذه الألف دينار. فقال: قد أعفاني أمير المؤمنين مما أكره فردّها، وقال: أنا رقيقٌ على البَرد؛ والبَرُّ أرفق بي فكُتب له جواز، وكتب إلى محمد بن عبد الله في برّه وتَعاهده؛ فقدم علينا بين الظهر والعَصر.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: اخبرنا أحمد بن حَسْنُويَه، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن السامي، قال: سمعتُ سُليمان بن الأشعث يقول: كتبَ المتوكل على خَليفته أن يحمل أحمد إليه؛ فحُمل إليه، فلما قدم أحمد أمر أن يُفرغ له قصر ويُبسط له فيه، ويُجرى على مائدته كل يوم كذا وكذا، وأراد أن يُسمع ولده الحديثَ فأبى أحمد ولم يجلس على بساطه، ولم يَنظر إلى مائدته وكان صائمًا، فإذا كان عند الإفطار أمرَ رفيقه الذي معه أن يَشتري له ماءَ الباقلاء فيُفطر عليه، فبقي أيامًا على هذه الحال، وكان علي بن الجَهم من أهل السنّة حسنَ الرأي في أحمد، فكلّم أميرَ المؤمنين فيه، وقال: هذا رجلٌ زاهدٌ لا يُنتفع به؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذنَ له. ففعل، ورَجع أحمد إلى مَنزله.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا علي بن البُسْري، عن أبي عبد الله
[ ٥٠٤ ]
ابن بَطَّة، قال: حدثني أبو بكر الآجُرِّي، قال: حدثنا أبو نَصر بن كُردي، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: سمعتُ إسحاق بن حنبل ونحن بالعسكر يُناشد أبا عبد الله ويسأله الدخول على الخَليفة ليأمره ويَنهاه. وقال: إنه يَقبل منك، هذا إسحاق بن رَاهويه يدخل على ابن طاهر فيأمره وَينهاه، فقال أبو عبد الله: تَحتجُّ عليّ بإسحاق! فانا غير راضٍ بفعله، ما له في رُؤيتي خير، ولا لي في رُؤيته خير؛ يجب عليّ إذا رايتُه أن آمره وأنهاه، الدُنُو منهم فِتنة، والجُلوس معهم فتنة، ونَحن متباعدون منهم ما أرانا نَسْلَم، فكيف لو قربنا منهم؟ قال المرُّوذي: وسمعتُ إسماعيل ابن أخت ابن المبارك يُناظر أبا عبد الله ويُكلمه في الدخول على الخَليفة، فقال له أبو عبدالله: قد قال خالَكَ يعني ابن المبارك- لا تأتهم فإن أتينَهم فاصدُقهم، وأنا أخاف أن لا أصدُقهم. وسمعت أبا عبد الله، يقول: لو دخلتُ عليه ما ابتدأته إلا بأبناءِ المهاجرين والأنصار. وفي رواية أن عم أحمد قال له: لو دخلتَ على الخليفة فإنك تَكْرُم عليه، فقال: إنما غَمّي من كَرامتي عليه.
وبلغني عن أبي الحُسين بن المُنادي، أنه قال: امتنع أحمد من الحديث قبل أن يموت بثمان سنين أقل أو أكثر، وذلك أن المتوكل وجَه إليه فيما بَلغنا يقرأ ﵇، ويسأله أن يجع المعتز ي حجره ويُعلمه العِلم، فقال للرسول: اقرأ على أمير المؤمنين السلام، وأعلمه أن عليَّ يمينًا مُقفلة أني لا أتم حَديثًا حتى أموت. وقد كان أمير المؤمنين أعفاني مما أكره. فقامَ الرسول من عنده.
[ ٥٠٥ ]
سياق ما جَرى بينه وبَين المتوكل بعد عَوده من العَسْكر
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو محمد بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: كان يأتيه رسول المتوكل يُبلغه السلام، ويسأله عن حاله فَنُسرُّ نحن بذلك، وتَأخذه نَفضةٌ حتى نُدثِّره، ثم يقول: والله لو أن نَفسي في يدي لأرسلتها، ويَضم أصابعه ثم يَفتحها.
وقَدم المتوكل فنزل الشمّاسية يُريد المدائِن، فقال: يا صالحَ، أحب أن لا تذهب إليهم ولا تُنبههم. قلت: نعم. فلما أن بعد يوم وأنا قاعد خارجًا، وكان يومًا مطيرًا، إذا يَحيى بن خاقان قد جاء والمطر عليه في مَوكب عظيم، فقال سُبحان الله! لم تَصر إلينا حتى تُبلغ أمير المؤمنين [السلام] عن شيخك حتى وجَّه بي. ثم نزل خارج الزقاق، فجهدت به أن يدخل على الدابة فلم يَفعل، فجعل يَخوض الطين. فلما صار إلى الباب نَزع جُرموقًا كان على خُفه، ودَخل البيت، وأبي في الزاوية قاعد عليه كِساء مُرقعٌ وعِمامة، والسِّتر الذي على باب البيت قِطعة خَيش، فسلّم عليه وقبَّل جبهته وسأله عن
[ ٥٠٦ ]
حاله، وقال: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام، ويقول: كيفَ أنت في نفسك؟ وكيف حالك قد أنستُ بقربك، ويَسألك أن تدعو الله ﷿ له. فقال: ما يأتي عليَّ يوم إلا وأنا أدعو الله ﷿ له. ثم قال له: قد وَجَّه معي ألف دينار تُفرقها على أهل الحاجة، فقال: يا أبا زكريا، أنا في البيت مُنقطع عن الناس، وقد أعفاني مما أكره وهذا مما أكره، فقال: يا أبا عبد الله الخُلفاء لا يَحتملون هذا كله. فقال: يا أبا زكريا، تلطَّف في ذلك، فدعا له ثم قام، فلما صار إلى الدار رَجع، وقال: هكذا لو وجه إليك بعض إخوان كنتَ تفعل؟ قال: نعم. قال صالح: فلما صرنا إلى الدّهليز، قال: قَد أمرني أمير المؤمنين أن أدفعها إليكَ تفرقها في أهل بيتكم. فقلت: تكونُ عندك حتى تَمضي هذه الأيام. وقلَّ يومٌ يمضي إلا رسول المتوكل يأتيه.
قال ابن أبي حاتم وأخبرنا عبد الله بن أحمد فيما كتب إليّ، قال: سمعتُ أبي يقول: لقد تمنيتُ الموتَ وهذا أمر أشدّ علي من ذلك، ذاك فِتنة الدين، الضَّرب والحَبس كنتُ أحتمله في نفسي، وهذه فتنة الدنيا. أو كما قال.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: حدثنا أبو نُعَيْم الحافظ، قال حدثنا أبي، قال: حدثنا أحمد ابن محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سمعتُ أبي يقول: هذا أمر أشد عليَّ من ذلك ذاك فتنة الدين، الضرب والحبس كنتُ احتمله في نفسي، وهذا فِتنة الدنيا.
[ ٥٠٧ ]
أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبانا ابن البُسْري، عن أبي عبد الله بن بَطَّة قال: حدثنا الآجُرِّي، قال: حدثنا أبو نَصر بن كُردي، قال: حدثنا المرُّوذي، قال: قال لي أبو عبد الله: قد جاءَ يحيى بن خاقان ومعه شَوى، فجعل يقلله أبو عبد الله. قلت له: قالوا: إنها ألف دينار، قال: هكذا. قال: فَرددتُها عليه فبلغ الباب ثم رجع، فقال: إن جاءَك أحدٌ من أصحابك بشيءٍ تقبله؟ قلت: لا. قال: إنما أُريد أن أخبر الخَليفة بهذا. قلت لأبي عبد الله: أي شيءٍ كان عليكَ لو أخذتها فقَسمتَها؟ فكلَح وجهه، وقال: إذا أنا قسمتها أي شيءٍ كنتُ أريد؟ أكون له قَهْرَمانًا؟!
أخبرنا المحمدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيْم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا سليمان ابن أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد. قال أبو نعيم: وحدثنا محمد وعلي والحُسين، قالوا: حَدثنا مُحمد بن إسماعيل، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: كَتب عُبيد الله بن يحيى إلى أبي يُخبره: إن أمير المؤمنين أمرني أن أكتب إليك أسألك عن أمر القرآن، لا مسألة امتحان، ولكن مسألة معرفة وبَصيرة. فأملي عليَّ أبي إلى عُبيد الله بن يحيى: بسم الله الرحمن الرحيم، أحسنَ الله عاقبت يا أبا الحسن في الأمور كُلها، ودَفع عنكَ مَكارِه الدنيا
[ ٥٠٨ ]
والآخرة برحمته، قد كتبتُ إليكَ - رضي الله عنك- بالذي سأل عنه أمير المؤمنين بما حضرني، وإني أسأل الله أن يُديم توفيق أمير المؤمنين، فَقد كان الناس في خَوضٍ من الباطل واختلاف شَديد يَغتمِسون فيه، حتى أفضَت الخلافة إلى أمير المؤمنين، فنفى الله بأمير المؤمنين كُلّ بِدعة وانجلى عن الناس ما كانوا فيه من الذلّ وضيق المحابِس، فصرف الله ل كله وذهب به بأمر المؤمنين، وقع ذلك من المسلمين موقعًا عظيمًا، ودعوا الله لأمير المؤمنين، فأسأل الله أن يَستجيب في أمير المؤمنين صالحَ الدعاءِ، وأن يتمّ ذلك لأمير المؤمنين، وأن يزيد في نيته، ويُعينه على ما هو فيه، فقد ذُكر عن ابن عباس أنه قال: لا تَضرِبوا كتابَ الله بعضَه ببعضٍ، فإن ذلك يُوقع الشكَّ في قلوبكم. وذُكر عن عَبد الله بن عمرو، أن نفرًا كانوا جُلوسًا بباب النبي ﷺ، فقال بعضهم: ألم يَقل الله كذا؟ وقال بعضهم: ألم يَقل الله كذا؟ فسمع رسولُ الله ﷺ فَخرج كأنما فقئ في وجهه حبُّ الرمان، فقال: "أبهذا أمِرتُم، أن تَضربوا كتابَ الله بعضَه ببعضٍ، إنما ضَلَّت الأمَم قَبلَكُم في مِثل هذا، إنكم لَستُم مما هاهُنا في شَيءٍ انظُروا الذي أُمِرتم بهِ فاعملوا به، وانظُروا الذي نُهيتُم عَنه فانتَهوا عَنه". وذكر أحاديث ثم قال: وقد قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾. وقال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾. فأخبر
[ ٥٠٩ ]
أن الأمر غير الخلق - وذكر آيات - وقال: لستُ بصاحب كلام، ولا أرى الكلامَ في شيءٍ من هذا إلا ما كان في كتابِ الله، أو في حديث عن النبي ﷺ، أو عن أصحابه، أو عن التابعين.
[ ٥١٠ ]