في ذكر إعراضه عن أهل البِدع ونهيه
عن كلامهم وقَدحه فيهم
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن المنتصر، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي الفضل، قال: حدثنا أبو إسحاق الأنصاري، قال: حدثنا صالح بن أحمد قال: جاءَ الحِزامي إلى أبي وقد كانَ ذهب إلى ابن أبي دؤاد، فلما خَرج إليه ورآه، أغلقَ الباب في وَجهه ودخل.
أخبرنا محمد بن عمر الفقيه، والحسين بن علي الخياط، قالا: أخبرنا عبد الصمد بن المأمون، قال: أخبرنا علي بن عمر الدَّارَقُطْني، قال: حدثنا عثمان ابن إسماعيل بن بكر السكري، قال: سمعت أبا داود السّجستاني يقول: قلتُ لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أرى رجلًا من أهل السنة مع رجل من أهل البدع، أتركُ كلامه؟ قال: لا، أو تُعْلِمه أن الذي رأيته معه صاحب بدعة، فإن ترك كلامه وألا فألحِقه به، قال ابنُ مسعود: المرءُ بخِدْنِه.
[ ٢٥٠ ]
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا أبو سهل بن سعدويه، قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن الفضل القرشي، قال: أخبرنا أبو بكر بن مردويه، قال: حدثنا عثمان بن محمد البصري، قال: حدثنا أحمد بن محمد الجواربي، قال: حدثنا الحسن بن ثواب، قال: قال لي أحمد بن حنبل: ما أعلمُ الناسَ في زمانٍ أحوج منهم إلى طلبِ الحديث من هذا الزمان، قلتُ: ولم؟ قال: ظَهرت بدع، فمن لم يكن عنده حديث وَقع فيها.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو طالب محمد بن علي البيضاوي، قال: أخبرنا أبو عُمر بن حيّويه، قال: حدثنا أبو مُزَاحِم موسى بن عُبيد الله بن يحيى بن خاقان، قال: قال لي عمي أبو علي عبَد الرحمن بن يُحيى بن خاقان: أمر المتوكل بمسألة أحمد بن حنبل عمن يتقلّد القضاء؟ فسألته. قال أبو مزاحم: فسالت عمي أن يُخرج إليَّ جوابَه، فوجّه إليَّ بنسخة فكتبتها، ثم عدت إلى عمي فأقرّ لي بصحة ما بعث به.
وهذا نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم، نسخة الرقعة التي عرضتها على أحمد بن محمد بن حنبل بعد أن سألته عما فيها فأجابني عن ذلك بما قد كتبتُه، وأمر ابنَه عبد الله أن يوقع بأسفلها بأمره، ما سألته أن يوقع فيها، سألت أحمد بن حنبل، عن أحمد بن رباح، فقال فيه: إنه جَهمي معروف بذلك، وإنه إن قُلّد شيئًا من
[ ٢٥١ ]
أُمور المسلمين كان فيه ضَرر على المسلمين لما هو عليه من مذهبه وبدعته.
وسألته عن ابن الخلَنْجي، فقال فيه أيضًا مثل ما قال في أحمد بن رباح، وذكر أنه جَهمي معروف بذلك، وأنه كان من شرهم وأعظمهم ضررًا على الناس، وسألته عن شُعيب بن سهل فقال فيه: جَهمي معروف بذلك. وسألته عن عُبيد الله بن أحمد فقال: جهمي معروف بذلك، وسألته عن المعروف بأبي شُعيب فقال فيه: إنه جهمي معروف بذلك. وسألته عن محمد ابن مَنصور قاضي الأهواز، فقال فيه: إنه كان مع أبي دُؤاد وفي ناحيته وأعماله، إلا أنه كان من أمثلهم، ولا أعرف رأيه، وسألته عن ابن علي بن الجعد فقال: كان معروفًا عند الناس بأنه جَهمي مشهور بذلك، ثم بلغني عنه الآن أنه رجع عن ذلك. وسألته عن الفَتح بن سَهل صاحب مظالم محمد بن عبد الله ببغداد، فقال: جَهمي معروف بذلك، من أصحاب بشر المريسي، وليس ينبغي أن يقلّد مثله شيئًا من أمور المسلمين لما في ذلك من الضرر. وسألته عن ابن الثَّلجي، فقال: مبتدع صاحب هوى. وسألته عن إبراهيم بن عَتاب فقال: لا أعرفه، إلا أنه كان من أصحاب بشر المريسي، فينبغي أن يحذر ولا يقرب، ولا يقلّد شيئًا من أمور الناس.
وفي الجملة: إن أهل البدع والأهواء لا ينبغي ان يُستعان بهم في شيءٍ من أمور المسلمين، فإن في ذلك أعظم الضرر على الدين، مع ما عليه رأي أمير المؤمنين أطال الله بقاءه من التمسك بالسنة والمخالفة لأهل البدع.
ويقول أحمد بن محمد بن حنبل: وقد سألني عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان عن جميع ما في هذا القرطاس وأجبته بما كتب به، وكنت عليلَ العين ضعيفًا في بدني، فلم أقدر أن أكتب بخطي، فوقع هذا التوقيع في أسفل هذا القرطاس عبد الله ابني بأمري وبين يدي، وأسأل الله أن يطيل بقاءَ أمير المؤمنين، وان يديم عافيته، ويحسن له المعونة والتوفيق بمنِّه وقُدرته.
[ ٢٥٢ ]
أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر البَرمكي، عن أبي بكر أحمد بن جعفر الفَقيه، قال: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد سِبط أبي إبراهيم المُذَكِّر يقول: سمعتُ الطبراني يقول: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا أبي قال: قُبور أهل السنة من الفُساق روضة من رياض الجنة، وقبور أهل البدع من الزهاد حفرة من حُفر النَّار.
فصل
وقد كان الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل لشدة تَمسكه بالسنة ونَهيه عن البدعة يتكلم في جَماعةٍ من الأخيار إذا صَدر منهم ما يخالف السنة، وكلامه ذلك محمول على النصيحة للدين.
أخبرنا أبو مَنصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن نعيم الضَّبي، قال: سمعتُ أبا بكر أحمد بن إسحاق الصبغِي يقول: سمعت إسماعيل بن إسحاق السّراج يقول: قال لي أحمد بن حنبل يومًا: بلغني أن الحارث هذا - يعني المحاسبي - يكثر الكون عندك؛ فلو أحضرتَه منزلك وأجلستني من حيثُ لا يراني فأسمع كلامه؟ فقلت: السمع والطاعة لك يا أبا عبد الله، وسَرَّني هذا الابتداء من أبي عبد الله، فقصدت الحارث وسألته أن يَحضُرنا تلك الليلة، فقلت: وتسأل أصحابك أن يحضروا معك، فقال: يا إسماعيل، فيهم كَثْرة فلا تَزِدْهم على الكُسْب والتمر وأكثر منهما ما استطعت، ففعلتُ ما أمرني به،
[ ٢٥٣ ]
وانصرفت إلى أبي عبد الله وأخبرته، فحضر بعد المغرب وصَعِدَ غُرْفَةً في الدار، واجتهد في وِرْدِه إلى أن فرغ، وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا، ثم قاموا لصلاة العتمة ولم يصلوا بعدها، وقعدوا بين يدي الحارث وهم سكوت لا ينطق واحد منهم إلى قريب من نصف الليل، وابتدأ واحد منهم وسأل الحارث عن مسألة فأخذ في الكلام وأصحابه يستمعون كأن على رءوسهم الطير، فمنهم من يبكي، ومنهم من يحن، ومنهم من يزعق، وهو في كلامه، فصعدت الغرفة لأتَعرَّف حال أبي عبد الله، فوجدته قد بكى حتى غُشي عليه، فانصرفت إليهم، ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا، فقاموا، وتفرقوا، فصعدت إلى أبي عبد الله، وهو متغير الحال، فقلت: كيف رأيتَ هؤلاءِ يا أبا عبد الله؟ فقال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاءِ القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل، وعلى ما وصفت من أحوالهم فلا أرى لك صحبتهم. ثم قام وخرج.
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي، قال: سمعتُ أبا القاسم النَّصْراباذي، يقول: بلغني أن الحارث المحاسبي تكلم في شيءٍ من الكلام، فهجَره أحمد بن حنبل فاختفى في دار ببغداد ومات فيها، ولم يُصَلّ عليه إلا أربعة نفر.
[ ٢٥٤ ]