في ذكر تَبرك الأولياء به وزيارتهم له
أَخبرنا محمد بن أَبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إِبراهيم بن عمر، قال: أخبرنا علي بن مَرْدَك قال: حدثنا عبد الرحمن بن أَبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أَحمد، قال: جِئت يومًا إِلى المنزل فقيل لي: قد وجه أَبوكَ أَمس في طلبك، فجئت فقال: جاءَني رجل أَمس كنتُ أُحب أَن تَراه، بينا أَنا قاعد في نَحر الظَّهيرة إِذ أَنا برجل يُسلّم بالباب، فكأن قلبي ارتاحَ، فقمت ففتحت الباب، فإِذا برجل عليه فَروة، وعلى أُم رأسه خِرقة ما تَحت فَروته قميص ولا معه ركوة ولا جِراب ولا عُكّازة، قَد لوّحته الشمس، فقلت
[ ١٩٦ ]
له: ادخل، فدخل الدّهليز، فقلتُ: مِن أَين أَقبلتَ؟ قال: من ناحية المشرق، أُريد بعضَ هذه السواحل، ولولا مكانك ما دخلتُ هذا البلد إِلا أَني نَويت السلام عليك. قال: قلت: على هذه الحال؟ قال: نعم، ما الزهد في الدنيا؟ قلت: قصر الأمل، وجعلتُ أَتعجب منه. فقلت في نفسي: ما عندي ذهبٌ ولا فِضة. فدخلت البيت فأَخذت أَربعة أَرغفة فخرجتُ إِليه فقلتُ: ما عندي ذهبٌ ولا فِضة، وإِنما هذا من قوتي فقال: أَو يَسرك أَن أَقبل ذلك يا أبا عبد الله؟ قلت: نعم، قال: فأَخذها فَوضعها تحتَ حضنه وقال: أَرجو أَن تَكفيني هذه زادي إِلى الرقة، أستودعك الله. قال: فلم أَزل أَنظر إِليه إِلى أَن خرج- وكان يدكره كثيرًا-.
أَخبرنا محمد بن أَبي منصور، قال: أَخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أَنبأَنا البَرْمَكي، قال: أخبرنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أَبو بكر الخَلال، قال: حدثنا عبد الله بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن أَحمد السِّمسار، قال: حدثنا أَبو عبد الله بن سافري- وَرّاق الحسن البزاز وكان ثقة- قال: كنا نتعبد في مَسجد العطار ونحنُ أَحداثٌ، بعضنا يعمل خوصًا؛ وبعضنا مغازل وغير ذلك، وكان فِينا شاب ذو هيئة، فحدثنا الشاب قال: كنا نَصيد السمك بناحية الدُّجيل، فانقلبتُ عشيةً، فإِذا رجل عليه أَطمار رَثَّة يمشي وأَنا أَحضّ فلا أَلحقه، فاستقبلته فقلتُ له: يا هذا، أَنتَ من
[ ١٩٧ ]
الأَبدال؟ قال: نعم، قلتُ: أَينَ تريد؟ قال: الشام، قلت: من أَين جئتَ؟ قال: من عند أَحمد بن حنبل، قلت: أَيَّ شيء تعمل عنده؟ قال: أَسأَله عن مسأَلة، أَحمد منا وهو أَفضل منا، ثم جاءَ وقتُ المغرب فصلّينا، ثم العشاء، ثم انفتل فقلت له: إِنّ هذا السمك نَصيده. فقال: إِنا لا نأكل، ثم كأَن الأَرض ابتلعته.
قال الخلال: وحدثنا أَبو بكر المَرُّوذِي، قال: قدم رجل من الزهاد، فأَدخلته على أَبي عبد الله وعليه فَروٌ خَلقٌ، وخُريقة على رأسه، وهو حافٍ في بردٍ شديد، فسلَّم عليه، فقال له: يا أَبا عبد الله، قد جئتُ من موضع بعيد، وما أَردتُ إِلا السلامَ عليك. وأريدُ عَبّادَانَ؛ وأُريد إِنْ أَنا رجعتُ أَن أَمُرّ بكَ وأُسلمَ عليك. فقال له أَبو عبد الله: إِن قُدِّر، فقام الرجل فَسلم وأَبو
[ ١٩٨ ]
عبد الله قاعد، قال المَرُّوذِي: ما رأَيتُ أَحدًا قط قام من عند أَبي عبد الله حتى يقومَ أَبو عبد الله إِلا هذا الرجل، فقال لي أَبو عبد الله: ما ترى؟ ما أَشْبَهه بالأَبدال! أَو قال: إِني لأَذكر به الأَبدال! فأَخرج إِليه أَبو عبد الله أَربعة أَرغفة مَشطورة بكامَخ وقال: لو كانَ عندنا لواسيناك.
أَخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحمد بن علي بن ثابت، قال: أَخبرني عُبيد الله بن أَبي الفَتح والحسن بن أَبي طالب قالا: حدثنا علي بن محمد ابن إِبراهيم الجَوهري، قال: حدثنا طَلحة بن حفص الصفّار، قال: حدثنا عباس الشِّكْلي، قالا: حدثنا إسماعيل الدَّيلمي، قال: كنتُ في البيت عند أَحمد بن حنبل، فإِذا نحن بداق يدق الباب فخرجت إِليه، فإِذا أَنا بفتىً عليه أَطمارُ شَعر، قال: فقلتُ: ما حاجتك؟ قال: أُريدُ أَحمد بن حنبل، قال: فدخلتُ إِليه فقلت: يا أَبا عبد الله، بالباب شاب عليه أَطمارُ شعر يَطلبك، قال: فخرج إِليه فسلم عليه، فقال له الفتى: يا أَبا عبد الله، أخبرني ما الزُّهد في الدنيا؟ فقال له أَحمد: حدثنا سفيان عن الزُّهري: أن الزُّهد في الدنيا قِصر الأَمل، فقال له: يا أَبا عبد الله، صِفه لي، قال- وكان الفتى قائمًا في الشمس والفيءُ بين يديه- فقال: هو أَن لا تَبلغ من الشمس إِلى الفيء، قال: ثم ذهب ليولي، فقال له أَحمد: قِفْ، قال: فدخل فأَخرج له صُرة فدفعها إِليه، فقال: يا أَبا عبد الله، من لا يبلغ من الشمس إِلى الفَيء أَي شيءٍ يعمل بهذه؟ ثم تَركه وولّى.
أَخبرنا محمد بن أَبي منصور، قال: أَنبأَنا أَبو الحسين بن عبد الجبار، قال:
[ ١٩٩ ]
أخبرنا أَبو إِسحاق إِبراهيم بن فارس، قال: حدثنا محمد بن عمر الشَّهْرُزُورِي قال: حدثنا أَبو الحسن عبد الله بن صالح الخطيب، قال: سمعتُ أَبا الحسين يعقوب بن موسى، قال: سمعت عبد الصمد بن علي، يقول: سمعت محمد بن فَنْجُويَه، يقول: سمعت أَبا يعلي الموصلي يقول: سمعتُ أَحمد بن حنبل، يقول: خرجتُ في وجه الصبح فإِذا أَنا برجل مُسيل منديله على وَجهه، فناولني رُقعة، فلما أَضاءَ الصبح قَرأتها فإِذا فيها مكتوب:
عِش موسِرًا إِن شئتَ أَو مُعْسِرًا لابُدَّ في الدُّنيا من الغَمِّ
وكُلَّما زادَك مِن نِعْمَةٍ زادَ الذي زادَك في الهَمِّ
إِني رأَيتُ الناسَ في دَهرنا لا يطلُبون العِلمَ للعِلمِ
إِلا مُباهاةً لأصحابِهم وعُدَّةً للخَصم والظُّلْم
قال: فظننتُ أَن محمد بن يحيى الذُّهلي ناولني، فَلقيتُه فقلتُ له: الرقعة التي ناولتني؟ فقال لي: ما رأَيتك وما ناولتك رُقعة، فعلمت أَنها عظةٌ لي.
[ ٢٠٠ ]