في سبب اختيارنا لمذهبه على مذهب غيره
اعلم وفقك الله؛ أنه إنما يتبين الصواب في الأمور المشتبهة لمن أعرض عن الهوى، والتفت عن العصبية، وقصد الحق بطريقه، ولم ينظر في أسماء الرجال ولا في صيتهم، فذلك الذي ينجلي له غامض المشتبه، فأما من مال به الهوى، فعسير تقويمه.
واعلم: أنا نظرنا في أدلة الشرع وأصول الفقه وسبرنا أحوال الأعلام المجتهدين، فرأينا هذا الرجل أوفرهم حظًا من تلك العلوم، فإنه كان من الحافظين لكتاب الله ﷿.
قال أبو بكر بن حمدان القطيعي: قرأت على عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: لقنني أبي أحمد بن حنبل القرآن كله باختياره. وقرأ أحمد بن حنبل على يحيى بن آدم، وعبيد بن الصباح، وإسماعيل بن جعفر وغيرهم بإسنادهم، وكان أحمد لا يميل شيئًا في القرآن، ويروي الحديث: "أنزل
[ ٦٦٠ ]
مفخمًا ففخموه". وكان لا يدغم شيئًا في القرآن إلا: (اتخذتم) وبابه، كأبي بكر، ويمد مدًا متوسطًا.
وكان ﵁ من المصنفين في فنون علوم القرآن من التفسير والناسخ والمنسوخ والمقدم والمؤخر إلى غير ذلك، مما أشرنا إليه في باب ذكر تصانيفه.
وأما النقل: فقد سلم الكل له انفراده فيه، بما لم ينفرد به سواه من الأئمة من كثرة محفوظه منه، ومعرفة صحيحه من سقيمه وفنون علومه، وقد ثبت أنه ليس في الأئمة الأعلام قبله من له حظ في الحديث كحظ مالك. ومن أراد معرفة مقام أحمد في ذلك من مقام مالك، فلينظر فرق ما بين "المسند" و"الموطأ".
وقد كان أحمد ﵁ يذكر الجرح والتعديل والعلل من حفظه إذا سئل
[ ٦٦١ ]
كما يقرأ الفاتحة، ومن نظر في كتاب "العلل" لأبي بكر الخلال عرف ذلك، ولم يكن هذا لأحد منهم، كذلك انفراده في علم النقل بفتاوى الصحابة وفضائلهم وإجماعهم واختلافهم لا ينازع في ذلك.
وأما علم العربية، فقد قال أحمد: كتبت من العربية أكثر مما كتب أبو عمرو الشيباني.
وأما القياس: فله من الاستنباط ما يطول شرحه، وقد أشرنا إلى بعض ذلك في باب قوة فهمه.
ثم إنه ضم إلى العلوم ما عجز عنه القوم من الزهد في الدنيا، وقوة الورع، ولم ينقل عن أحد من الأئمة أنه امتنع من أرفاق السلطان وهدايا الإخوان كامتناعه، ولولا خدش وجوه فضائلهم ﵃، لذكرنا عنهم ما قبلوه وترخصوا بأخذه.
وقد سبق في كتابنا هذا من زهده في المباحات ما يكفي ويشفي ثم إنه ضم إلى ذلك الصبر على الامتحان وبذل المهجة في نصرة الحق، ولم يكن ذلك لغيره.
وقد اخبرنا المحمدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهل، قال: أخبرني محمد بن يحيى بن آدم الجوهري، قال: حدثنا محمد بن
[ ٦٦٢ ]
عبد الله بن عبد الحكم، قال: سمعت الشافعي، يقول: قال لي محمد بن الحسن: صاحبنا أعلم أم صاحبكم؟ قلت: تريد المكابرة أو الإنصاف؟ قال: بل الإنصاف، قال: قلت: فما الحجة عندكم؟ قال: الكتاب والإجماع والسنة والقياس، قال: قلت: أنشدك الله! أصاحبنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم؟ قال: إذا أنشدتني بالله فصاحبكم. قلت: فصاحبنا أعلم بسنة رسول الله أم صاحبكم؟ قال: صاحبكم. قلت: فصاحبنا أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله أم صاحبكم؟ قال: صاحبكم. قلت: فبقي شيء غير القياس؟ قال: لا. قلت: فنحن ندعي القياس أكثر مما تدعونه، وإنما يقاس على الأصول فيعرف القياس. قال: ويريد بصاحبه مالك بن أنس.
قلت: فقد كفانا الشافعي ﵁ بهذه الحكاية المناظرة لأصحاب أبي حنيفة، وقد عرف فضل صاحبنا على مالك، فإنه حصل ما حصله مالك وزاد عليه كثيرًا، وقد ذكرنا شاهد هذا باعتبار "المسند" و"الموطأ". وقد كان الشافعي ﵁ عالمًا بفنون العلم إلا أنه سلم لأحمد علم النقل الذي عليه مدار الفقه.
فأخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا محمد بن أحمد الجارودي، قال: قال القطيعي: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل، يقول: سمعت أبي يقول: سمعت الشافعي يقول: أنتم أعلم بالحديث منا؛ فإذا صح الحديث فقولوا لنا حتى نذهب إليه.
[ ٦٦٣ ]
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أبو سهل بن سعدويه، قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن الفضل القرشي، قال: أخبرنا أبو بكر بن مردويه، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سمعت أبي يقول: قال محمد بن إدريس الشافعي: يا أبا عبد الله، إذا صح عندكم الخبر عن رسول الله ﷺ، فأخبرونا به نرجع إليه.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا سليمان ابن أحمد، قال: سمعت عبد الله بن أحمد، يقول: سمعت أبي يقول: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: يا أبا عبد الله أنت أعلم بالأخبار الصحاح منا، فإذا كان خبر صحيح، فأعلمني حتى أذهب إليه، كوفيًا كان أو بصريًا أو شاميًا.
قال عبد الله: جميع ما حدث به الشافعي في كتابه، فقال: حدثني الثقة، أو أخبرني الثقة، فهو أبي ﵀.
وكتابه الذي صنفه ببغداد أعدل من الكتاب الذي صنفه بمصر، وذاك أنه حيث كان ها هنا كان يسأل الشيخ فيغير عليه، ولم يكن بمصر يغير عليه إذا ذهب إلى خبر ضعيف. وسمعت أبي يقول: استفاد منا الشافعي ما لم نستفد منه.
[ ٦٦٤ ]
قال سليمان بن أحمد: وحدثنا محمد بن إسحاق بن راهويه، قال: سمعت أبي يقول: ما رأى الشافعي مثل أحمد بن حنبل.
أنبأنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر بن شاهين، قال: حدثنا أحمد بن كامل القاضي، قال: حدثني عدة من أصحاب أحمد، قالوا: كان يقول: انتفع بنا الشافعي أكثر مما انتفعنا به.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي. وأخبرنا عبد الله بن علي المقرئ، قال: أخبرنا عبد الملك بن محمد السيوري، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي بن أحمد ابن الفضل، قالا: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مردك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، قال: سمعت أبي يقول: أحمد بن حنبل أكثر من الشافعي، تعلم الشافعي أشياء من معرفة الحديث من أحمد، وكان الشافعي فقيهًا ولم يكن له معرفة بالحديث، فربما قال لأحمد: هذا الحديث قوي محفوظ؟ فإذا قال أحمد: نعم. جعله أصلًا وبنى عليه.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أبو سهل بن سعدويه، قال: أخبرنا محمد بن الفضل القرشي، قال: حدثنا أبو بكر بن مردويه، قال: حدثني أحمد ابن إسحاق، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الفابزاني، قال: سمعت أبا بكر الأثرم، يقول: كنا في مجلس البويطي؛ فقرأ علينا عن الشافعي أن التيمم ضربتان. فقلت له: ورويت حديث عمار بن ياسر عن النبي ﷺ-: "إن
[ ٦٦٥ ]
التيمم ضربة واحدة". فحك من كتابه "ضربتين" وصيره "ضربة" على حديث عمار. وقال: قال الشافعي: إذا رأيتم عن رسول الله الثبت فاضربوا على قولي، وارجعوا إلى الحديث وخذوا به فإنه قولي.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: اخبرنا منصور بن عبد الله بن خالد، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: أخبرنا منصور بن عبد الله بن خالد، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن علي البخاري، قال: سمعت محمد بن إبراهيم البوشنجي- وذكر أحمد بن حنبل- فقال: هو عندي أفضل وأفقه من سفيان الثوري، وذلك أن سفيان لم يمتحن من الشدة والبلوى بمثل ما امتحن أحمد بن حنبل، ولا علم سفيان ومن تقدم من فقهاء الأمصار كعلم أحمد بن حنبل؛ لأنه كان أجمع لها وأبصر بمتقنهم وغالطهم، وصدوقهم وكذوبهم منه.
قلت: فهذا بيان لقوة علمه وفضله الذي حث على إتباعه عامة المتبعين؛ فأما المجتهد من أصحابه، فإنه يتبع دليله من غير تقليد له، ولهذا يميل إلى إحدى الروايتين عنه دون الأخرى، وربما اختار ما ليس في المذهب أصلًا، لأنه تابع للدليل، وإنما ينسب هذا إلى مذهب أحمد لميله إلى عموم أقواله.
فصل
فإن قال أصحاب أبي حنيفة: إن أبا حنيفة قد لقي الصحابة؛ فالجواب
[ ٦٦٦ ]
من وجهين: أحدهما: أن الدارقطني قال: لم يلق أبو حنيفة أحدًا من الصحابة، وقال أبو بكر الخطيب: رأى أنس بن مالك. والثاني: أنه لقي الصحابة سعيد بن المسيب وغيره ولم يقدموهم عليه.
فإن قال أصحاب مالك: إنه لقى التابعين، بطل بالتابعين الذين لقيهم، فإنهم قد لقوا الصحابة وهو مقدم عليهم عندهم، فإن قالوا: هو عالم دار الهجرة فمسلم، إلا أن صاحبنا ضم علمه إلى غيره.
فإن قال أصحاب الشافعي: له نسب يلاصق نسب النبي ﷺ، وقد قال ﵇: "قدموا قريشًا ولا تقدموها، وتعلموا من قريش ولا تعالموها". قلنا: قرب نسبه لا يوجب تقديمه في العلم على غيره، فإن عموم علماء التابعين كانوا من الموالي، كالحسن، وابن سيرين، وعطاء، وطاوس، وعكرمة، ومكحول وغيرهم، وتقدموا على خلق كثير من أهل الشرف بالنسب، لأن تقدمهم كان بكثرة العلم لا بقرب النسب. وقد أخذ الناس بقول ابن مسعود وزيد ما لم يأخذوا بقول ابن عباس.
فأما قوله: "قدموا قريشًا". فقال إبراهيم الحربي: سئل أحمد عن ذلك فقال: يعني في الخلافة، "ولا تعالموها": محمول على النبي ﷺ. فإن قالوا:
[ ٦٦٧ ]
كان الشافعي فصيحًا فمسلم، وذلك لا يعطي التقدم على غيره، لأن التقدم بكثرة العلم. على أنه قد أخذ عليه كلمات، فقالوا: قد قال: ماء مالح. وإنما يقال: ملح، وقال: ﴿أَلّا تَعولوا﴾: يكثر عيالكم. ومعناه عند اللغويين: أن لا تميلوا. وقال: إذا أشلى كلبًا- يريد: أغراه- وإنما الإشلاء عند العرب الاستدعاء. وقال: ثوب يسوى كذا، والعرب تقول: يساوي.
وقال أبو بكر المروزي: كان أحمد بن حنبل لا يلحن في الكلام. فإن قالوا: فقد روى عنه، قلنا: لأنه كان أكبر سنًا منه، وقد روى الشافعي عن مالك وهو مقدم عندكمعليه، على أنه قد روى الشافعي عن أحمد أيضًا على ما قد سبق بيانه.
قال البويطي: سمعت الشافعي، يقول: كل شيء في كتبي [حدثني الثقة، فهو أحمد بن حنبل]. وقال بعض أهل العلم: فهو أحمد بن حنبل.
هذا قدر الانتصار لاختيارنا ورحمة الله على الكل، وللناس فيما يعشقون مذاهب.
[ ٦٦٨ ]
[ ٦٦٩ ]