في ذكر جَماعة ممن لم يُجب في المحنة
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن علي بن يَعقوب، قال: أخبرنا محمد بن نعيم الضَّبي، قال: سمعتُ أبا العباس السَّيَاري يقول: سمعت أبا العباس بن سعيد المرْوَزي يقول: لم يَصبر في المِحنة إلا أربعة، كلّهم من مَرو: أحمد بن حنبل، وأحمد ابن نَصر، ومُحمد بن نوح، ونُعَيم بن حَمّاد.
قال أبو الحُسين بن المنادي: وممن لم يُجب: أبو نُعيم الفَضل بن دُكَيْن، وعَفّان، والبُوَيْطي، وإسماعيل بن أبي أويس، وأبو مُصعب المدنيان، ويَحيى الحِمّاني.
سياق أخبار المشتَهرين بالذكر منهم
عَفّان بن مُسلم
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقّاق،
[ ٥٣٠ ]
قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: حضرتُ عند عَفان بعد ما دعاه إسحاق بن إبراهيم للمِحنة - وكان أول من امتُحن من الناس عَفّان - فسأله يَحيى بن مَعِين من الغد - بعد ما امتُحن - وأبو عبدالله أحمد بن حنبل حاضر ونحن مَعه، فقال له يحيى: يا أبا عُثمان، أخبرنا بما قال لك إسحاق بن إبراهيم، وما رددتَ عليه؟ فقال عفّان ليحيى: يا أبا زكريا، لم أسوّد وجهك ولا وجوه أصحابك - يعني بذلك: أني لم أجب - فقال له: فكيفَ كان؟ قال: دعاني إسحاق بن إبراهيم، فلما دخلت عليه، قرأ علي الكتاب الذي كتب به المأمون من أرض الجزيرة إلى الرقّة، فإذا فيه: امتَحِنْ عفان، وادعه إلى أن يقول: القرآن كذا وكذا، فإن قال ذلك فأقره على أمره، وإن لم يُجبك إلى ما كتبتُ به إليك فاقطع عنه الذي يجري عليه. وكان المأمون يُجري على عفّان خمس مئة درهم كل شهر، قال عفان: فلما قرأ على الكتاب، قال لي إسحاق بن إبراهيم: ما تقول؟ فقرأتُ عليه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ حتى ختمتُها، فقلت: أمخلوق هذا؟ فقال لي إسحاق: يا شيخ، إن أمير المؤمنين يقول: إن لم تُجبه إلى الذي يدعوك إليه يَقطع عنك ما يجري عليك، وإن قطع عنك أمير المؤمنين قطعنا عنك نحن أيضًا، فقلت له: يقول الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، فسكت عني إسحاق وانصرفت، فَسُرَّ بذلك أبو عبد الله ومن حَضر من أصحابنا.
[ ٥٣١ ]
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو منصور بن محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز، قال: حدثنا أبو الفضل صالح بن أحمد التميمي، قال: سمعتُ القاسم بن أبي صالح، قال: سمعت إبراهيم - يعني ابن الحسين بن دَيْزِيل - يقول لما دُعي عفان للمِحنة، كنت آخذ بلجان حماره، فلما حضر عرض عليه القَول، فامتنع أن يُجيب، فقيل له: يُحبس عطاؤك، قال: - وكان يُعطي في كل شهر ألف درهم - فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ قال: فلما رجع إلى داره عَذله نساؤه ومن في داره، قال: وكان في داره نحو أربعين إنسانًا، قال: فدقَّ عليه داق البابَ، فدخل عليه رَجل شَبهتُه بسمّان أو زَيّات ومعه كيس فيه ألف درهم، فقال: يا أبا عثمان، ثَبَّتك الله ما ثبَّتَّ الدِّينَ، وهذا لك في كل شهر.
أبو نُعيم الفَضل بن دُكَين
أخبرنا أبو البَركات بن علي البزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي الطُّرْيثِيثي، قال: أخبرنا هِبَة الله بن الحسن الطبري، قال: ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن عمر بن عيسى، قال: سمعتُ أبي يقول: ما رأيتُ مَجلسًا يجتمع فيه المشايخ أنبل من مشايخ اجتمعوا في مَسجد جامع الكوفة في وقت الامتحان، فقُرئ عليهم الكِتاب الذي فيه المحنة، فقال أبو نُعيم: أدركتُ ثمان مئة شَيخ ونيفًا وسبعين شيخًا، منهم الأعمش فمَن دونه، فما رأيتُ
[ ٥٣٢ ]
خَلقًا يقول بهذه المقالة -يعني بخلق القرآن - ولا تكلم أحد بهذه المقالة إلا رُمي بالزَّندقة، فقام أحمد بن يونس فقبل رأسَ أبي نُعيم وقال: جزاكَ الله عن الإسلام خَيرًا.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: قرأتُ على البَرْقاني، عن أبي إسحاق المُزَكّي، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: سمعتُ محمدبن يونس، قال لما أدخل أبو نعيم على الوالي ليَمتحنه، قال: أدركتُ الكوفة وبها أكثر من سبع مئة شيخ، الأعمش فمَن دونه؛ يقولون: القُرآن كلام الله، وعُنقي أهون عندي من زِرّي هذا. فقام إليه أحمد بن يونس فَقبل رأسه، وكان بينهما شحناء؛ وقال: جَزاك الله من شيخ خيرًا.
أخبرنا عبدالرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي طاهر، قال: أخبرنا أبو بَكر أحمد بن سليمان النَّجاد، قال: حدثنا محمدبن يونس الكُدَيْمي، قال: سمعت أبا بكر بن أبي شَيْبَة، يقول: لما أن جاءَت المِحنة إلى الكوفة، قال لي أحمد بن يونس: القَ أبا نعيم فقل له، فلقيتُ أبا نعيم، فقلت له، فقال: إنما هو ضَرب الأسياط، وأخذ زِرّه فقطعه، وقال: رأسي أهون عليَّ من زرّي.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا
[ ٥٣٣ ]
ابن رزق، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد، قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: سمعتُ أبا عبد الله- يعني أحمد بن حنبل- يقول: شيخان قاما لله بأمر لم يقم به أحد - مثل ما قاما به: عَفان، وأبو نُعيم- يعني امتناعهما من الإجابة-
نُعيم بن حماد
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرني الأزهري، قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا أحمد بن معروف الخَشّاب، قال: حدثنا الحسين بن قَهم، قال: حدثنا محمد بن سَعد، قال: نُعيم بن حماد، كان من أهل مَرْوَ، طلبَ الحديث طلبًا كثيرًا بالعراق والحجاز، ثم نَزل مصر، فلم يزل بها حتى أشخص منها في خلافة أبي إسحاق بن هارون، وسُئل عن القرآن، فأبي أن يُجيب فيه بشيء مما أرادوه عليه، فحُبس بسامرّا، فلم يزل مَحبوسًا بها حتى مات في السجن سنة ثمان وعشرين ومئتين.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرني الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: سنة تسع وعشرين ومئتين، فيها مات نُعيم بن حَمّاد، وكان مُقيدًا مَحبوسًا لامتناعه من القول بخلق القرآن، فجُرّ بأقياده فأُلقي في
[ ٥٣٤ ]
حُفرة، ولم يُكفّن ولم يُصلّ عليه، فعل لك به صاحب ابن أبي دُؤاد.
أبو يَعقوب يوسف بن يَحيى البُوَيْطي
حُمِل في أيام المحنة، وأُريد على القول بخلق القرآن فامتنع، فحُبس ببغداد ولم يزل في الحبس إلى أن مات فيه، وكان فقيهًا زاهدًا.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي الحافظ، قال: أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أحمد الأنماطي، قال: حدثنا محمد بن حَمدان الطَّرَائِفي، قال: حدثنا الربيع بن سُليمان، قال: رأيتُ البُوَيْط] على بَغل في عنقه غُلٌّ وفي رجليه قَيد، وبين الغُلّ والقَيد سلسلة حَديد فيها طوبَة زنها أربعون رطلًا وهو يقول: إنما خَلق اللهُ الخلقَ بكُنْ، فإذا كانت كُنْ مخلوقة، فكأنَّ مخلوقًا خَلق مَخلوقًا، والله لأموتنَّ في حديدي هذا حتى يأتي من بَعدي قوم يعلمون أنه قد ماتَ في هذا الشأن قوم في حَديدهم، وَلئن أُدخلتُ عليه لأصدُقنّه -يعني الواثق-.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أبو بَكر الخطيب، قال: أخبرنا العَتيِقي، قال: أخبرنا علي بن عبد الرحمن بن أحمد المصري، قال: حدثنا أبين قال: كان البُويْطِي، مُتقشفًا، حُمل من مصر أيام المحنة إلى العراق، وأرادوه على المِحنة فامتنع، فسُجن ببغداد وقُيّد، فتوفي في السجن والقيد سَنة اثنتين وثلاثين ومئتين.
[ ٥٣٥ ]
أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخُزاعي، يُكنى أبا عبدالله
وسويقة نَصر ببغداد منسوبة إلى أبيه، ومالك بن الهيثم جده كان أحد نُقباء بني العباس في ابتداءِ الدولة، وكان أحمد من أهل الدين والصلاح والأمّارين بالمعروف، وسَمع الحديث من مالك بن أنس، وحماد بن زيد، وهُشيم في آخرين، وقد روى عنه يحيى بن مَعين وغيره، وكان قد اتُّهم بأنه يريد الخِلافة، فأخذ وحمل إلى الواثق، فقال له: دَعما أخذتَ له، ما تَقول في القرآن؟ قال: كلام الله، قال: أفمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله، قال: أفترى ربك في القِيامة؟ قال: كذا جاءَت الرواية، فقال: وَيحك يرى كما يُرى المحدود المجسَّم؟! ودعا بالسيف وأمر بالنِّطع، فأُجلس عليه وهو مقيد، وأمر بشد رأسه بحبل، وأمرهم أن يمدوه، ومشى إليه حتى ضَرب عنقه، وأمر بحمل رأسه إلى بَغداد، فنُصِب في الجانب الشرقي أيامًا، وفي الجانب الغَربي أيامًا.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله الحَذّاء، قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن سَلْم، قال: حدثنا أبو بَكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق، قال: حدثنا أبو بَكر المرُّوذي، قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل - وذكر أحمد بن نَصر - فقال: ﵀ ما كان أسخاه، لقد جادَ بنفسه.
[ ٥٣٦ ]
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الخطيب، قال: حدثنا أبو نَصر إبراهيم بن هِبة الله الجَرْبَاذْقَاني، قال: حدثنا مَعمر بن أحمد الأصبهاني، قال: أخبرني أبو عَمرو عثمان بن محمد العثماني إجازةً، قال: حدثني علي بن محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن خَلف، قال: كان أحمد بن نَصر خِلِّي، فلما قُتل في المِحنة وصُلب رأسه، أخْبرت أن الرأس يَقرأ القرآن، فمضيت فبتُّ بقربٍ من الرأس مُشرفًا عليه، وكانَ عنده رجالة وفُرسان يحفظونه، فلما هدأت العيون سمعتُ الرأس يقرأ: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾. فاقشعرَّ جلدي، ثم رأيتُه بعد ذلك في المنام وعليه السندس والإستبرق، وعلى رأسه تاج، فقلت: ما فعل الله بكَ يا أخي؟ قال: غَفر لي وأدخلني الجنة، إلا أني كنت مَغمومًا ثلاثة أيام، قلتُ: ولِمَ قال: كان رسول الله ﷺ مَرَّ بي، فلما بَلغ خشبتي حوَّل، وجهه، فقلت له بعد ذلك: يا رسول الله، قُتلت على الحق أو على الباطل؟ فقال لي: أنتَ على الحق، ولكن قتلك رَجل من أهل بيتي، فإذا بلغتُ إليكَ أستحيي منك.
أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: قرأتُ على أبي بكر البرقاني عن أبي إسحاق إبراهيم بن مُحمد المُزَكِّي، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق السرّاجن قال: سمعتُ عبد الله بن محمد، يقول: حدثنا إبراهيم بن الحسن، قال: رأى بعضُ أصحابنا أحمدَ بن نصر في النوم بعد ما قُتل، فقال
[ ٥٣٧ ]
له: ما فَعل بكَ ربك؟ قال: ما كانت إلا غَفوة حتى لقيتُ الله فضحك إلي.
قال الخطيب: لم يَزل رأسُ أحمد بن نصر منصوبًا ببغداد، وجسده مصلوبًا بسُرَّ مَنْ رَأي ست سنين على أن حُطَّ، وجُمع بين رأسه وبدنه ودُفن بالجانب الشرقي في المقبرة المعروفة بالمالِكية، ودفن في شوال سنة سبع وثلاثين.
وممن أخذ في المحنة الحارث بن مسكين أبو عَمرو المصري
وكان قد سمع من سُفْيان بن عُيَيْنَة وغيره، وكان فَقيهًا على مذهب مالك، ثَبتًا في الحديث، فحمله المأمون إلى بغداد في أيام المِحنة وسجنه لأنه لم يُجب على القَول بخلق القرآن، فلم يَزل محبوسًا إلى أن ولي المتوكل فأطلقه، وأطلق جميع من كان في السجن.
وممن امتُحن عبد الأعلى بن مُسهِر أبو مُسهر الدمشقي الغَساني
أشخص إلى المأمون بالرّقّة، فأخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي، قال: أخبرني الأزهري، قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا أحمد بن معروف الخَشَاب، قال: حدثنا الحسين بن قهم، قال: حدثنا محمد بن سَعد، قال: أشخص أبو مُسهر الغساني من دمشق إلى عَبد الله بن هارون وهو بالرّقَة، فسأله عن القرآن، فقال: القُرآن كلام الله،
[ ٥٣٨ ]
وأبى أن يقول: مَخلوق، فدعا له بالسيف والنّطع ليضرب عُنقه، فلما رأى ذلك، قال: مَخلوق. فتركه من القتل، وقال: أما إنك لو قلت ذلك قبل أن أدعو بالسيف لقبلتُ منك، ورددتك إلى بلادك وأهلك، ولكنك تَخرج الآن فتقول: قلتُ ذلك فَرقًا من القتل، أشخِصوه إلى بغداد فاحبسوه بها حتى يموت. فأشخص من الرّقَة إلى بغداد في شَهر ربيع الآخر من سنة ثمان عشرة ومئتين، فحُبس، فلم يلبث إلا يَسيرًا حتى مات في الحبس في غُرة رجب سنة ثمان عشرة، فأخرج ليدفن فَشهده قوم كثير من أهل بغداد.
قلت: وعُموم هؤلاءِ الذين لم يُجيبوا أهمل منهم قوم، وحُبس منهم قوم، فلم يلتفت إليهم، وإنما كانَ المقصود أحمد بن حنبل لجلالة قَدره وعِظَم موقعه.
[ ٥٣٩ ]