فى ذكر ما جرى له بعد موت المأمون
قد ذكرنا أنه لما جاءَ الخبر بموت المأون، رُدَّ أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح فى أقيادهما، فماتَ محمد بن نوح فى الطريق، ورُدَّ أحمد إلى بغداد مقيدًا.
أخبرنا عبد الملك بن أبى القاسم الكَرُوخى، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: أخبرنى جدى، قال: أخبرنا محمد بن أبى جَعفر المنذرى، وأبو أحمد بن أبى أسامة، قالا: سمعنا محمد ابن إبراهيم البُوشَنْجى، يقول: أُخذ أحمد أيام المأمون ليُحمل إلى المأمون ببلاد الروم، فبلغ أحمد الرقَّة، ومات المأمون بالبَذَنْدون قبل أن يَلقاه أحمد، وذلك فى سنة ثمان عشرة ومئتين.
فأخبرنى أبو العباس الرقى - وكان من حُفاظ أهل الحديث - أنهم دخلوا على أحمد بالرقة وهو مَحبوس، فجعلوا يذاكرونه ما يُروى فى التَّقِية من الأحاديث، فقال أحمد: وكَيف تصنعون بحديث خَبّاب: (إِنَّ مَنْ كانَ قَبْلكُم كانَ يُنْشَر أحدُهم بالمِنشارِ ثُمّ لا يَصده ذلكَ عن دينِه) قال: فيئسنا منه. فقال أحمد: لستُ أُبالى بالحَبس، ما هو ومنزلى إلا واحد، ولا قتلًا بالسيف، إنما
[ ٤٢٧ ]
أخاف فِتنةً بالسوط، وأخاف أن لا أصبر. فسمعه بعض أهل الحبس وهو يقول ذلك، لا عليكَ يا أبا عبد الله، فما هو إلا سَوطان ثم لا تدرى أين يَقع الباقى، فكأنه سُرِّى عنه، ورُدّ من الرَّقة وحُبس.
أخبرنا هِبة الله بن الحسين بن الحاسب، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن البَنّا، قال: أخبرنا الفَتح بن أبى الفَوارس، قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن سَلْم، قال: حدثنا عمر بن محمد بن عيسى الجَوهرى، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: لما جاءَ نَعِىُّ المأمون رُدّ أبى ومُحمد بن نوح فى أقيادهما إلى الرَّقة، وأخرجنا فى سفينة مع قوم مُحبسين، فلما صارا بعانات توفى محمد بن نوح ودُفن بها، ثم صارَ أبى إلى بغداد وهو مُقيد، فمَكث بالياسرية أيامًا، ثم صار إلى الحَبس فى دارٍ اكتُريت له عند دار عُمارة، ثم نُقل بعد ذلك إلى حَبس العامة فى دَرب الموصلى، وفى رواية فى دَرب يُعرف بالموصلية.
أخبرنا محمد بن أبى منصور، قال: أخبرنا أبو الفضل الحداد، قال: حدثنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا محمد بن جَعفر، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل ابن أحمد، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: قال أبى: كنتُ أُصلى بأَهلِ السجن وأنا مُقيد.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القَزاز، قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت، قال: أخبرنى الحسن بن على التَّميمى، قال: حدثنا عمر بن أحمد الواعظ، قال:
[ ٤٢٨ ]
حدثنا أحمد بن محمد بن مَسْعَدة الأصبهانى، قال: حدثنا أبو يحيى مَكى بن عبد الله بن يوسف الثَّقفى، قال: حدثنا أبو بكر الأعين، قال: قلتُ لآدم العَسقلانى: إنى أُريد أن أخرج إلى بغداد، أفلكَ حاجة؟ قال: نعم، إذا أتيتَ بغداد فأتِ أحمد بن حنبل فَأقرِئه مِنى السلامَ، وقل له: يا هذا، اتَّقِ الله وتقرب إليه بما أنت فيه، ولا يستفزنَّك أحد، فإنك إن شاء الله مُشرف على الجَنة، وقل له: حَدَّثنا الليثُ بن سَعد، عن مُحمد بن عَجلان، عن أبى الزِّناد، عن الأعرج، عن أبى هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ: (مَنْ أرادَكُم عَلى مَعصِيةِ الله فَلا تُطيعوه). فأتيتُ أحمد بن حنبل فى السِّجن فدخلتُ عليه، فسلَّمتُ عليه وأقْرَأته السلامَ، وقلتُ له هذا الكلامَ والحديث، فأطرقَ أحمد إطراقةً ثم رفع رأسه فَقال: ﵀ حيًا وميتًا، فلقد أحسنَ النصيحة.
أخبرنا عبد الملك بن أبى القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد
[ ٤٢٩ ]
الأنصارى، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم السَّرخسى، قال: أخبرنا محمد بن عُبيد الله الَّلأَّل، حدثنا محمد بن إبراهيم الصرّام، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الغَسيلى، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن طَريف الأعين، قال: أتيتُ آدم بن أبى إياس، فقلت له: إن عبد الله بن صالح يُقرِئُك السلامَ، قال: لا تُقرِئْنى منه السلام، ولا تُقرِئه منى السلام. فقلت: ولِم. قال: لأنه قالَ: القرآن مخلوق، فقلت له: إنه قد اعتذر اليومَ وأخبر الناسَ برجوعه عن ذلك، إن كان كذلك فَأقرِئه منى السلام. فلما فرغتُ قلت له: إنى أُريد الخُروج إلى بغداد، فهل لك من حاجة؟ قال: نعم، ائتِ أحمدض بن حنبل فاقرأ عليه منى السلام، وقل له: يا هذا، اتق الله وتقرب إلى الله بما أنتَ عليه، ولا يستفزنَّك أحد عن دينك، فإنك إن شاء الله مشرفٌ على الجَنة. وقل له: حدَّثنا الليث بن سعد عن ابن عَجلان عن أبى الزَّناد عن الأعرج عن أبى هُريرة قال: قالَ رسول الله ﷺ: (مَن أرادكم على مَعصية الله فلا تُطيعوه). فأتيته وهو فى السِّجن فأقرأته السلام وأخبرته بالكلام والحَديث، فأطرق مليًّا، ثم قال: يَرحمه الله حيًا وميتًا قد أحسن النصيحة.
[ ٤٣٠ ]