في ذكر كَرمه وجوده
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْدُ بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أحمد ابن محمد، قال: حدثني أبو حَفص عمر بن صالح الطَّرَسوسي، قال: وقع من يد أبي عبد الله أحمد بن حنبل مِقراض في البئر، فجاءض ساكن له فأخرجه، فلما أن أخرجه ناوله أبو عبد الله مقدار نصف درهم أقلَّ أو أكثر، فقال: المِقراض يساوي قيراطًا، لا آخذ شيئًا فخرج، فلما أن كان بعد أيام قال له: كَم عليك من كِرى الحانوت؟ قال: كرى ثلاثة أشهر، وكراؤه في كل شهر ثلاثة دراهم، فضرب على حسابه وقال: أنت في حِل.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلال، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قال أبو سَعيد ابن أبي حنيفة المؤدّب: كنت آتي أباك فربما أعطاني الشيء وقال: أعطيتك نصف ما عندنا؛ فجئت يومًا فأطلت القُعود؛ فخرج ومعه أربعة أرغفة فقال: يا أبا سعيد، هذا نصف ما عندنا. فقلت: يا أبا عبد الله، هذه الأربعة الأرغفة أحب إلى من أربعة آلاف من غيرك.
قال الخلال: وحدثنا محمد بن أبي هارون، قال: حدثني أبو بكر بن أبي
[ ٣٢٤ ]
موسى، قال: حدثني يحيى بن هلال الوراق، قال: جئت إلى محمد بن عبدالله بن نُمير فشكوت إليه، فأخرج إليّ أربعة دراهم أو خمسة دراهم، وقال: هذا نصف ما أملك، قال: وجئت مرة إلى أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فأخرج إلىَّ أربعة وقال: هذه جميع ما أملك.
قال الخلال: وأخبرني عبد الله بن إسماعيل، قال: حدثني علي بن عبد الصمد الطيالسي، قال: قال لي هارون المستملي: لقيتُ أحمد فقلت: ما عندنا شيء، فأعطاني خمسة دراهم، وقال: ما عندنا غيرها.
قال الخلال: وحدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: كان أبو عبد الله ربما واسى من قوته، وجاءَه أبو سعيد الضرير فشكى إليه، فقال له: يا أبا سعيد، ما عِندنا إلا هذا الجذع، فَجِيء بحَمّال يحمله، قال: فأخذتُ الجِذع فبعته بتسعة دراهم ودانقين.
وكان أبو عبد الله شديد الحياءِ، كريم الأخلاق، يعجبه السخاء.
قال الخلال: وحدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: حدثني أبو محمد النّسائي جعفر بن محمد قال: قال لي أبو عبدالله يوم عيد: ادخل، فدخلت، فإذا مائدة وقَصْعة على الخِوان وعليها عُراق وقِدْرٌ إلى جانبه، فقال لي: كُل، فلما رأى ما بي قال: إن الحَسن كان يقول: والله لتأكلنّ، وكان ابن سيرين يقول: إنما وَضع الطعام ليؤكل، وكان إبراهيم بن ادهم يبيع ثيابه ويُنفقها على أصحابه، وكانت الدنيا أهون عليه من ذاك - وأومأ إلى جذع مطروح - فانبسطتُ وأكلتُ.
أنبانا يحيى بن الحسن، قال: أنبأنا محمد بن الحسين بن خلف، قال:
[ ٣٢٥ ]
حدثنا عبيد الله بن أحمد الصيرفي، قال: حدثنا عيسى بن موسى بن خاقان، قال: سمعتُ أبا الموجّه محمد بن عمرو بن الموجّه، يقول: سمعتُ علي بن يحيى يقول: صليتُ الجمعة إلى جنب أحمد بن حنبل، فلما سلّم الإمام قام سائل يَسأل الناس، فأخرج أحمد قِطعة فدَفعها إليه، فقال له رجل: ناولني قِطعتك ولكَ بها درهم، فما زال يزيده حتى بلغ خمسين درهمًا، فقال له السائل: لا أعطيك؛ إني لأرجو فيها ما ترجو.
قرأت على محمد بن أبي منصور، عن أبي القاسم بن اليسري، عن أبي عبد الله بن بَطة، قال: أخبرني محمد بن الحسين الآجري، قال: أخبرني محمد ابن كُردي، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: كنتُ مع أبي عبد الله في طريق العَسكر، فنزلنا منزلًا، فأخرجتُ رغيفًا ووضعت بين يديه كوز ماء، فإذا بكلبٍ قد جاء فقام بحذائه، وجعل يُحرك ذنبه، فألقى إليه لقمة، وجعل يأكل ويلقي إليه لقمة، فخفت أن يضر بقوته فقمتُ فصحت به لأنحّيه من بين يديه، فنظرتُ إلى أبي عبد الله قد احمارًّ وتغير من الحياءِ وقال: دَعه، فإنَّ ابن عباس قال: لها أنفس سُوء.
[ ٣٢٦ ]