في ذكر قصته مع الواثق
ولي الواثق أبو جعفر هارون بن المعتصم في ربيع الأول سنة سَبع وعشرين ومئتين، وحسَّن له ابنُ أبي دُؤاد امتحانَ الناس بخلق القرآن، ففعل ذلك ولم يَعرض لأحمد، ما لما علم من صَبره، أو لما خاف من تأثير عُقوبته، لكنه أرسل إلى أحمد بن حنبل: لا تُساكنّي بأرض. فاختفى أحمد بقية حياة الواثق، فما زال يتنقل في الأماكن، ثم عاد إلى منزله بعد أشهر، فاختفى فيه إلى أن مات الواثق.
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أقام أحمدُ بن حنبل مدة اختفائه عند إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النَّيسابوري.
قلت: وقد روي: عند إبراهيم بن هانئ وبيتُ الوالِد والوَلد واحدٌ.
أخبرنا موهوب بن أحمد، قال: أخبرنا علي بن أحمدبن البُسْري، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن المُخَلِّص، قال: حدثنا البَغَوي، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل في سنة ثمان وعشرين في أولها، وقد حدث حديث معاوية عن النبي ﷺ، أنه قال:"لم يَبقَ من الدنيا إلا بَلاءٌ وفِتنةٌ، فأعدّوا
[ ٤٧٢ ]
للبلاءِ صبرًا". فَجعل يقول: اللهمَّ رضينا! اللهمَّ رضينا!
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله، قال: أخبرني جعفر بن محمد الخُلْدِي في كتابه، قال: حدثني أبو حامد- قَرابة أسد المعلم - قال: قال إبراهيم ابن هانئ: اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاثة أيام. ثم قال: اطلبْ لي مَوضعًا حتى أتحول إليه. قلت: لا آمَنُ عليك يا أبا عبد الله. فقال: افعلْ؛ فإذا فعلتَ أفدتُك، فطلبتُ له موضعًا، فلما خرج قال لي: اختفى رسولُ الله ﷺ في الغارِ ثلاثةَ أيام ثم تحوَّل، وليسَ ينبغي أن يُتبع رسول الله في الرخاءِ ويُترك في الشدة.
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، وعلي بن أبي عمر، قالا: أخبرنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن نُصير، قال: حدثنا أبو حامد أحمد بن مخلد بن ماهان الحَذّاء، قال حدثنا فَتْح بن شُخْرُف، قال: قال لي إبراهيم بن هانئ النَّيسابوري: اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاث ليال. ثم قال: اطلب لي
[ ٤٧٣ ]
مَوضعًا حتى أدور إليه، فقلت: لا آمنُ عليكَ يا أبا عبد الله. فقال لي: النَّبي ﷺ اختفى في الغار ثلاثةَ أيام ثم دار، وليس يَنبغي أن تُتبع سنة رسول الله في الرخاءِ وتُترك في الشدة. قال فتح: حدثت به صالحًا وعبد الله فقالا: لم نسمع هذه الحكاية إلا منك، وحدثت بها إسحاق بن إبراهيم بن هانئ فقال: ما حدثني أبي بها.
أخبرنا عبد الملك الكَرُوخِي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم السرخسي، قال: أخبرنا أحمد بن أبي عمران، قال: أخبرنا أبو علي الحسين بن جعفر الخطيب، قال: سمعتُ هارون بن عبد الرحمن، يقول: سمعت تَميم بن بهلول الرازي، يقول: سمعتُ أبا زُرعة، يقول: قلت لأحمد بن حنبل: كيف تخلصتَ من سيفِ المعتصم وسَوطِ الواثق؟ فقال: لو وُضع الصدقُ على جُرح لَبرأ.
[ ٤٧٤ ]
فصل
وقد روي أن الواثق ترك امتحان الناس بسبب مُناظرة جرت بين يديه رأي بها أن الأولى ترك الامتحان.
فأخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي ابن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن الفرج بن علي البزّاز، قال: حدثنا عبد الله ابن إبراهيم بن ماسي، قال: حدثنا جعفر بن شُعيب الشاشي، قال: حدثني محمد بن يوسف الشاشي، قال: حدثني إبراهيم بن مَتَّةَ، قال: سمعتُ طاهر بن خَلف، يقول: سمعتُ محمد بن الواثق - الذي كان يُقال له المهتدي بالله - يقول: كان أبي إذا أرادَ أن يَقتل رجلًا أحضرنا ذلك المجلس، فأتي بشيخ مخضوبٍ مُقيَّد. فقال أبي: ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه - يعني ابن أبي دُؤاد - قال: فأدخل الشيخ. فقال: السلامُ عليك يا أمر المؤمنين، فقال: لا سلَّم الله عليك، فقال: يا أميرَ المؤمنين، بئسَ ما أدَّبك مؤدِّبك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. والله ما حييتني بها، ولا بأحسن منها، فقال ابن أبي دُؤاد:
[ ٤٧٥ ]
يا أمير المؤمنين، الرجل مُتكلم. فقال له: كَلَّمه، فقال: يا شَيخ، ما تَقول في القُرآن؟ قال الشيخ: لم تُنصِفني، وَلِّنِي السؤال، فقال له: سَل، فقال له الشيخ: ما تقول في القرآن؟ قال: مَخلوق، فقال: هذا شيء علمه النبي ﷺ وأبو بَكر وعُمر وعُثمان وعَلي والخلفاء الراشدون، أم شيء لم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه. فقال: سبحان الله! شيء لم يَعلمه النبي صلى الله عليه، ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخُلفاء الراشدون علمته أنت! قال: فَخجل، فقال: أقِلْني، قال: والمسألة بحالها، قال: نعم. قال ما تقول في القرآن؟ قال: مَخلوق، فقال: هذا شيء علمه النبي ﷺ وأبو بَكر وعُمر وعُثمان وعَلي والخُلفاء الراشدون أم لا يَعلموه فقال: عَلموه ولم يَدعوا الناسَ إليه، فقال: أفلا وَسِعكَ ما وَسعهم؟ قال: ثم قامَ أبي، فدخل مَجلس الخَلوة، واستلقى على قَفاه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، وهو يقول: هذا شيء لم يَعلمه النبي ﷺ ولا أبو بكر ولا عُمر وعُثمان وعلي والخُلفاء الراشدون، ولم يدعوا الناس إليه، أفلا وَسعك ما وَسعهم؟! ثم دعا عَمّارًا الحاجب، فأمر أن يرفع عنه القيود ويُعطيه أربع مئة دينار، ويأذن له في الروع، وسَقط من عينه ابنُ أبي دُؤاد، ولم يمتحن بعد ذلك أحدًا.
وقد رُويت لنا هذه القصة على صِفة أخرى: فأخبرنا أبو منصور
[ ٤٧٦ ]
عبد الرحمن بن محمد القزاز، وأبو السعود أحمد بن عي بن المُجلي، قالا: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: أخبرنا أحمد بن سِندي الحَدّاد، قال: قُرِئ على أحمد بن الممتَنع وأنا أسمع، قيل له: أخبركم صالح بن علي بن يعقوب الهاشمي، قال: حضرتُ المهتدي بالله أمير المؤمنين وقد جَلس للنظر في أمور المتظلّمين في دار العامة، فنظرتُ إلى قِصص الناس تُقرأ عليه من أولها إلى آخرها، فيأمر بالتوقيع فيها، ويُنشأ الكتابُ عليها، وتُحَرّر وتُختم وتُدفع إلى صاحبها بَين يديه، فَسرني ذلك واستحسنتُ ما رأيتُ، فجعلت أنظر إليه، ففطن ونظر إليَّ فَغضضتُ عنه، حتى كان ذلك منِّي، ومنه مِرارًا ثلاثًا، إذا نَظَر غَضَتُ وإذا شُغل نظرتُ، فقال لي: يا صالح، قلتُ: لَبَّيك يا أمير المؤمنين، وقمت قائمًا، فقال: في نَفسك منا شيء تُريد- أو قال: تحب - أن تَقوله؟ قلتُ: نَعم يا سيدي، فقال لي: عُد إلى مَوضعك، فعدت حتى إذا قام قال للحاجب: لا يبرح صالح، فانصرفَ الناس ثم أذن لي فَدخلت، فدعوتُ له، فقال لي: اجلس، فجلستُ، فقال: يا صالح، تقولُ لي ما دارً في نفسك أو أقول أنا ما دار في نفس أنه دار في نفسك؟ قلتُ: يا أمير المؤمنين، ما تعزم عليه وتَأمر به، فقال: أقولُ أنا إنه دار في نفسي أنك استحسنتَ ما رأيتَ منا، فقلتَ: أيّ خليفةٍ خَليفتنا إن لم يكن يقول: القرآن مخلوق. فورد على قلبي أمر عظيم، ثم قلت: يا نفسُ هل تموتينَ قبل أجلك؟ وهل تَموتين إلا مرة؟ وهل يجوزُ الكذب في جدّ أو هزل؟
[ ٤٧٧ ]
فقلت: يا أمير المؤمنين، ما دار في نفسي إلا ما قلتَ، فأطرق مليًّا ثم قال: وَيحك! اسمع مني ما أقول، فوالله لتسمعنَّ الحق، فَسُرّي عني، فقلتُ: يا سيدي، ومن أولى بقول الحق منك وأنتَ خليفةُ رب العالمين، وابنُ عم سيد المرسَلين. فقال: ما زلتُ أَقول: إن القرآن مَخلوق صدرًا من أيام الواثق، حتى أقدم أحمدُ بن أبي دُؤاد عَلينا شيخًا من أهلِ الشام من أهل أذَنه، فأُدخل الشيخ على الواثق مُقيدًا، وهو جميل الوجه، تام القامة، حسن الشيبة، فرأيتُ الواثق قد استحيا منه ورقَّ له، فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب منه، فسلم الشيخ فأحسن، ودعا فأبلغ، فقال له الواثق: اجلس، فَجلس. فقال له: يا شَيخ، ناِر ابنَ أبي دُؤاد على ما يُناظرك عليه، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، ابن أبي دُؤاد يصبو ويضعف عن المناظرة، فغضب الواثق وعاد مكان الرقّة له غَضبًا عليه. وقال: أبو عبد الله بن أبي دؤاد يصبو ويضعف عن مناظرتك أنتّ؟ فقال الشيخ: هَوّن عليكَ يا أمير المؤمنين ما بك، فَائذَنْ في مُناظرته. فقال الواثق: ما دعوتُك إلا للمناظرة، فقال الشيخ: يا أميرَ المؤمنين، إن رأيتَ أن تحفظ عليَّ وعليه ما نقول، قال: أفعل، قال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن مقالتك هذه، هي مقالةٌ واجبة داخلة في عَقد الدين، فلا يكون الدين كاملًا حتى يقال فيه بما قلت؟ قال: نعم. قال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن رسول الله ﷺ حينَ بعثه الله تعالى إلى عباده هل سَترَ شيئًا مما أمره الله ﷿ به في
[ ٤٧٨ ]
أمر دينهم؟ قال: لا. فقال الشيخ: فدعا رسول الله ﷺ الأمة إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد، فقال الشيخ: تَكلم! فسكت، فالتفتَ الشيخ إلى الواثق فقال: يا أمير المؤمنين، واحدة. فقال الواثق: واحدة. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن الله تعالى حين أنزل القرآن على رَسول الله، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾، هل كان الله تعالى الصادقُ في إكمال دينه، أو أنتَ الصادق في نُقصانه حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد، فقال الشيخ: أجب يا أحمد، فلم يجب، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، اثنتان، فقال الواثق: اثنتان، فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن مقالتك هذه، عَلمها رسول الله أم جَهلها؟ قال ابن أبي دُؤاد: علمها، قال: فدعا الناسَ إليها؟ فسكتَ. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، ثلاث؛ فقال الواثق: ثلاث، فقال الشيخ: يا أحمد، فاتَّسع لرسول الله أنعَلمها وأمسكَ عنها كما زعمتَ ولم يُطالب أمته بها؟ قال: نعم. قال الشيخ: واتَّسع لأبي بَكر الصدّيق، وعُمر ابن الخطاب، وعُثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب ﵃؟ قال ابن أبي دُؤاد: نعم، فأعرض الشيخ عنه وأقبل على الواثق، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قد قَدَّمت القول: إن أحمد يصبو ويضعف عن المنارة. يا أمير المؤمنين، إن لم يَتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة بما زعم هذا أنه اتسع لرسول الله ولأبي بَكر وعُمر وعُثمان وعَلي. فلا وَسَّعَ الله على مَن لم يتَّسع لهم. فقال
[ ٤٧٩ ]
الواثق: نعم، إن لم يتَّسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله ﷺ، وأبي بَكر وعُمر وعُثمان وعَلي، فلا وَسَّعَ الله علينا، اقطَعوا قيدَ الشيخ، فلما قَطعوا القيدَ ضرب الشيخُ بيده إلى القَيد حتى يَأخذه فجاذَبه الحدادُ عليه، فقال الواثق: دَع الشيخَ يأخذه، فأخذه فَوضه في كُمه، فقال له الواثق: يا شَيخ، لم جاذبتَ الحداد عليه؟ قال: لأني نويتُ أن أتقدمَ إلى من أوصي إليه إذا أنا متْ أن يَجعله بيني وبينَ كفني، حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله يوم القيامة، وأقول: يا ربّ، سَلْ عبدَك هذا لِمَ قيَّدني وروّع أهلي وَولدي وإخواني بلا حق أوجبَ ذلك عليَّ وبَكى الشيخ، وبَكى الواثق وبكينا، ثم سأله الواثق أن يجعله في حِل وسَعةٍ مما ناله، فقال له الشيخ والله يا أمير المؤمنين، لقد جعلتُك في حِل وسَعة من أول يوم إكرامًا لرسول الله، إذ كنتَ رجلًا من أهله، فقال الواثق: لي إليك حاجة. فقال الشيخ: إن كانت مُمكنة فعلتُ، فقال له الواثق: تُقِيم قِبَلَنا، فَنَنتفع بك ويَنتفع بك فتياننا. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إن ردَّك إياي إلى الموضع الذي أخرجني عنه هذا الظالم، أنفع لك من مقامي عليك، وأخبرك بما في ذلك؛ أصير إلى أهلي وولدي فأكفّ دعاءَهم عليك، فقد خَلّفتهم على ذلك، فقال له الواثق: فتقبل منَّاصِلة تَستعين بها عَلَى دهْرك، فقال: يا أمير المؤمنين، لاتحلّ لي، أنا عنها غَني وذو مِرَّةٍ سَوي، فقال: سل حاجةً. فقال: أو تقضيها يا أمير المؤمنين قال: نَعم. قال: تأذن أن يُخلي لي السبيل الساعة إلى الثَّغر. قال: قد أذنتُ لك، فسلَّم وخرج. قال المهتدي بالله: فرجعتُ عن هذه المقالة، وأظن أن الواثق رَجع عنها منذ ذلك الوقت.
[ ٤٨٠ ]
أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا أبو بكر عبد الله بن علي بن حَمُّويَه، قال: سمعتُ أبا بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي الحافظ، أخبرنا بحديث الشيخ الأذّني ومناظرته. فقال: الشيخُ هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد بن إسحاق الأُذْرَمِي.
قلت: وقد روي أن الواثق رَجع عن القول بخلق القرآن قبل مَوته.
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بَكر الخطيب، قال: أخبرني عُبيد الله بن أبي الفتح، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عَرفة، قال: حدثني حامد بن العباس، عن رجل، عن المهتدي بالله، أن الواثق ماتَ وقد تابَ عن القولِ بخلق القرآن.
[ ٤٨١ ]