في ذكر تَعففه عن أموال الناس وظَلْفِ
نفسه عنها وقَطع طمعه منها
أخبرنا إسماعيل بن أحمد السَّمرْقَنْدي، ومحمد بن أبي القاسم البغدادي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد الأصبهاني، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا موسى بن هارون، قال: سمعتُ إسحاق بن راهويه يقول: لما خرج أحمد بن حنبل إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة؛ فأكرى نفسه من بعض الجَمّالين إلى أن وافى صَنعاءَ، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة، فلم يَقبل من أحد شيئًا.
قال سليمان بن أحمد: وحدثنا عبد الله بن أحمدن قال: كتب إليّ الفتح ابن شُخْرُف بخط يده؛ أنه سمع عَبدَ بن حُميد يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: قدم علينا أحمد بن حنبل هاهنا، فأقام سنتين إلا شيئًا، فقلت له: يا أبا عبد الله، خُذ هذا الشيء فانتفع به، فإن أرضنا ليست بأرض مَتجر ولا مكسب - وأرانا عبد الرزاق كفَّهُ ومَدَّها فيها دنانير - فقال أحمد: أنا بخير. ولم يَقبل مني شيئًا.
[ ٣٠٩ ]
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن عبد الله القايني، قال: سمعتُ أبا عبد الله الحسين بن محمد الجُنَابَذي، قال: سمعتُ عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، يقول: سمعتُ أحمد بن سِنان الواسطي، يقول: بَلغني أن أحمد بن حنبل رَهن نعله عند خَباز على طعام أخذه منه عند خروجه من اليمن، وأكرى نفسه من ناس من الجمالين عند خروجه، وعَرض عليه عبد الرزاق دراهم صالحة فلم يَقبلها.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن عبدالواحد الحريري، قال: أخبرنا أبو عمر بن حَيّويه، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المرّوذي، قال: سمعت أحمد بن منصور الرَّمَادِي، يقول: سمعتُ بحرًا البقال يقول- وكان عندنا في قرية عبد الرزاق - وذُكر أحمد بن حنبل، فقال: ما فعل؟ فقلت له: وما يُدريك مَن أحمد؟ فقال: كان عندنا هاهنا، فلما خرج أصحابه تَخلّف من بَعدهم فمرّ بي، فقال: يا بَحر، لك عندي درهم، خذ هذه النعل، فإن بعثتُ إليك من صنعاء بالدرهم، وألا فالنعل بالدرهم، أرضيت؟ قلت: نعم، ومَضى، فأخبرتُ همام ابن أخت عبد الرزاق، فقال: ويَحك! لأي شيء أخذتَ النعل منه؟
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكَرُوخي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد
[ ٣١٠ ]
الأنصاري، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: أخبرنا زاهر بن أحمد، قال: أخبرنا علي بن عبد الله بن مبشر.
وأخبرنا ابن ناصر، قال: المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد ابن عبدالواحد الحريري، قال: أخبرنا أبو عمر بن حَيّويه، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المرّوذي، قالا: سمعنا الرَّمَادِيّ، يقول: سمعت عبد الرزاق- وذكر أحمد بن حنبل - فَدمعت عيناه وقال: قدم وبلغني أن نفقته نفدت، فأخذت عَشرة دنانير وأقمته خلف الباب وما معي ومعه أحد، وقلت: إنه لا يجتمع عندنا الدنانير، وقد وجدت عند النساءِ عَشرة دنانير فَخذها، فأرجو أن لا تُنفقها حتى يتهيأ عندنا شيء. فتبسم وقال لي: يا أبا بكر، لو قَبلت شيئًا من الناس، قبلتُ منك. ولم يَقبل. معنى الروايتين مُتقارب.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبين قال: حدثنا أبو الحسن بن أبان، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: عَرض عَلَّي يزيدُ بن هارون خمس مئة درهم - أو أكثر أو أقل - فلم أقبل منه، وأعطى يَحيى بن مَعين وأبا مُسلم المستَملي، فأخذا منه.
أخبرنا إسماعيل ومحمد، قالا: أخبرنا حَمْد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا عمر بن الحسن القاضي، قال: حدثنا محمد بن حاتم بن أبي قماش، قال: قال حمدان بن سِنان الواسطي: قدم علينا أحمد بن حنبل معه جماعة، فَنِفدَت نفقاتهم فبررتهم فأخذوا،
[ ٣١١ ]
وجاءَني أحمد بن حنبل بفَروةٍ فقال: قل لمن يبيع هذه ويجيئني بثمنها فأتسع به، قال: فأخذت صرة دراهم فمضيت بها إليه فَردها، فقالت امرأتي: هذا رجلٌ صالح لعله لم يرضها فأضعفها، فأضعفتها فلم يقبل، وأخذ الفروة مني وخرج.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال، قال: أخبرني أحمد بن محمد البَراثي، قال: حدثني أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن حسان الفقيه، قال: حدثني رجل كان رفيقًا لأبي عبد الله أحمد بن حنبل بواسِط على باب يزيد بن هارون، فجاءه أبو عبد الله بجُبة يبيعها في شِدّة البرد، قال: فلم أزل به حتى صَرفتُه عن بيعها، ثم صرتُ إلى يزيد بن هارون فقلتُ: يا أبا خالد، إن أحمد بن حنبل جاءَني بجُبته لأبيعها له في هذا البرد، فقال لجاريته: زني مئة درهم وهاتيها، فدفعها إليّ وقال: ادفَعها إليه، فجئت بها إليه فقلت: هذه بعثها أبو خالد. فقال: إني لمحتاج إليها، وإني لابن سبيل، ولكن لا أحب أن أعود نفسي هذا؛ رُدّها عليه. فرددتها إليه، فدفع إليَّ جُبته، فبعتُها له.
قال الخلال: وأخبرني أبو غالب علي بن أحمد، قال: حدثني صالح بن أحمد، قال: جاءَتني حُسن، فقالت: يا مولاي، قد جاءَ رجل بتِلِّيسَةٍ فيها فاكهة يابسة وهذا الكتاب؛ قال صالح: فقمت فقرأت الكتاب فإذا فيه: يا أبا عبدالله، أبضعتُ لك بضاعةً إلى سَمرقند فوقع فيها كذا وكذا، ورددتها فوقع فيها كذا وكذا، وقد بعثتُ بها إليك أربعة آلاف درهمن وفاكهة أنا لقطتها من
[ ٣١٢ ]
بستاني، ورثته عن أبي وأبي عن أبيه، قال: فجمعت الصبيان، فلما دخل دخلنا عليه، وقلت له: يا أبَة، ما ترِقُّ لي من أكل الزكاة؟ ثم كشفت عن رأس الصبية وبكيت فقال: من أين علمتَ؟ دعني حتى أستخير الله الليلة، قال: فلما كان من الغد، قال: يا صالح، صُنّي، فإني قد استخرت الله الليلة، فعزم لي أن لا آخذها، قال: وفتح التِّلِّيسة وفرقها على الصبيان؛ وكان عنده ثوب عُشاري فبعث به إليه ورد المال. قال صالح: فبلغني أن الرجل اتخذه كفنًا.
أخبرنا إسماعيل بن أبي بكر، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: حدثنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد.
وأخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا القَطِيعي، قالا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني علي بن الجَهم بن بدر، قال: كان لنا جار، فأخرج لنا كتابًا، فقال: أتعرفون هذا الخط؟ قلنا: نعم، هذا خط أحمد بن حنبل، كيف كتب لك؟ قال: كنا بمكة مقيمين عند سفيان بن عُيَينة، فَفقدنا أحمد ابن حنبل أيامًا لم نره، ثم جئنا إليه لنسأل عنه، فقال لنا أهل الدار التي هو فيها: هو في ذلك البيت، فجئنا إليه والباب مَردود عليه وإذا عليه خُلْقان؛ فقلنا له: يا أبا عبد الله، ما خبرك؟ لم نَرك منذ أيام؟ فقال: سُرقت ثيأبي. فقلت له: معي دنانير، فإن شئتَ خذ قرضًا وإن شئتَ صِلة، فأبي أن يفعل، فقلت: تكتب لي بأجرة؟ قال: نعم، فأخرجت دينارًا فأبى أن يأخذه وقال:
[ ٣١٣ ]
اشتر لي ثوبًا واقطعه نصفين، فأومأ إلى أنه يأتزر بنصف ويرتدي بالنصف الآخر، وقال: جئني ببقيته، ففعلتُ وجئت بورق فكتب لي فهذا خطه.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخَلال، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن شاهين، قال: سمعتُ أبا الحسن أحمد بن محمد بن حماد المقرئ يذكر عن علي بن الجهم أنه رأى بيد رجل من أهل الرَّبض كتابًا بخط أبي عبد الله، قال: فقلت له: من أين لك دفتر أحمد بن حنبل؟ فقال لي: يا أبا الحسن، وتَعرف خطه؟ قلت: نعم. فقال: ليس هذا دفتر أحمد بن حنبل ولكنه دفتري بخطه. فقلت له: وكيف صار هذا هكذا؟ فقال لي: كنا عند ابن عُيينة سنةً من السنين، ولم يكن من أهل الربض تلك السنة مُقيمًا على ابن عُيينة غيري وغيره، ففقدته أيامًا فسألت عنه، فذُللت على موضعه، فجئت فإذا هو في شبيه بكهف في جياد على بابه قفص، فقلت: سلام عليكم. فقال لي: وعليكم السلام. فقلت: أدخل؟ فقال: لا. ثم قال: ادخل، فدخلت وإذا عليه قطعة لِبدٍ خَلق، فقلت: لم حَجبتني؟ قال لي: حتى استترتُ، فقلت له: ما شَأنك؟ فقال: سُرقَتْ ثيأبي، فبادرت إلى منزلي فجئتُ بصرّة فيها مئة درهم، فعرضتها عليه فامتنع، وسألته أن يقبلها قرضًا فأبى عليّ، حتى بلغت عشرين درهمًا، كل ذلك يأبى عليّ، فقمت موليًا وقلت: ما يحل لك أن تقتل نفسك وأنا اعرض عليك فلا تقبل! فقال لي: ارجع، فرجعت، فقال لي: أليس قد سمعتَ معي من ابن
[ ٣١٤ ]
عُيينة سَماعًا كثيرًا؟ فقلت: بلى، فقال: تُحب أن أنسخه لك؟ قلت: نعم؛ فقال لي: اشتر ورقًا وجئني به، فكتب بدراهم ذكر مبلغها، فاكتسى منها ثوبين باثني عشر درهمًا، وأخذ الباقي نَفقة.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمدبن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمدم بن حنبل، قال: حدثني إسماعيل بن أبي الحارث، قال: كان عندنا شَيخ مَرْوزي، فجاءَ إليه أحمد بن حنبل ثم خرج، فقلت له: في أي شيءٍ جاءَك أبو عبد الله؟ فقال: هو لي صديق وبيني وبينه أنس، وتلكأ أن يُخبرنا فألححنا عليه فقال: كان استقرضَ مني مئتي درهم أو ثلاث مئة درهم، فجاءَني بها، فقلت: يا أبا عبد الله، ما دفعتها وأنا أنوي أن آخذها منك، فقال: وأنا ما أخذتها إلاَّ وأنا أنوي أن أردها إليك.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن جعفر بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: دخلتُ على أبي في أيام الواثق- والله يعلم في أي حالة نحن - وقد خرج لصلاة العصر، وكان له لبد يجلس عليه قد أتت عليه سنون كثيرة حتى قد بَلي، فإذا تحته كتاب كاغد، وإذا فيه: بلغني يا أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق، وما عليك من الدين، وقد وجهتُ إليك بأربعة آلاف درهم على يدي فُلان لتقضي بها دينك، وتوسع بها على عيالك، وما هي من صدقة ولا زكاة، وإنما هو شيء ورثته من أبي. فقرأت الكتاب، ووضعته، فلما
[ ٣١٥ ]
دخل قلت: يا أبَة، ما هذا الكتاب؟ فاحمرَّ وجهه وقال: رَفَعْتُهُ منكَ. ثم قال: تذهب بجوابه، فكتب إلى الرجل: وصلَ كتابك إليّ ونحن في عافية، فأما الدَّيْنُ فإنه لرجل لا يُرهقنا، وأما عيالنا فهم في نعمة الله والحمد لله. فذهبتُ بالكتاب إلى الرجل الذي كان أوصل كتاب الرجل، فقال: وَيحك، لو أن أبا عبد الله قبل هذا الشيء، ورمى به مثلًا في دجلة كان مأجورًا، لأن هذا الرجل لا يعرف له معروف، فلما كان بعد حين ورد كتاب الرجل بمثل ذلك، فردَّ عليه الجواب بمثل ما ردن فلما مضت سنة أو أقل أو أكثر ذكرناها، فقال: لو كنا قبلناها كانت قد ذَهبت.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك، قال: حدثنا عبدالرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، فذكر مثله سواء، إلا أنه لم يذكر: فقال: لو أن أبا عبد الله قبل هذا ورمى به في دجلة.
وقد روى هذه الحكاية أبو بكر الخلال وذكر فيها أن الموجِّه إليه الحسن بن عيسى بن ماسَرْجِس مول ابن المبارك.
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس الوراق، قال: حدثني أبو بكر محمد بن يعقوب المُقْرئ، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن داود المصري، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن
[ ٣١٦ ]
الحجاج، قال: حدثني محمد بن سعيد الترمذي، قال: قدم صديق لنا من خُراسان فقال: إني أبضعتُ بضاعة ونَويت أن اجعل ربحها لأحمد بن حنبل، والربح عشرة ىلاف درهم، فاحملها إليه، قال: قلت: حتى أذهب إليه فانظر كيف الأمر عنده؛ فذهبت إليه فسلمت عليه وقلت له: فلان، فإذا هو عارف به؛ فقلت له: إنه أبضع بضاعة وجعل ربحها لك وهي عشرة آلاف درهم، فقال: جزاه الله عن العناءِ خيرًا، نحن في غِنَّى وسعة. فأبى أن يأخذها ﵀.
وقد حدثنا بهذه الحكاية من طريق أبي بكر الخلال عن المرُّوذي فسمى الرجل محمد بن سليمان السَّرخسي، وقال فيها: فراجعه فقال: دعنا نكن أعزاءَ.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا محمدبن موسى بن حماد البَربري، قال: حُمل إلى الحسن بن عبد العزيز الجَرَوي ميراثه من مصر مئة ألف دينار، فحَمل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس، في كل كيس ألف دينار، فقال: يا أبا عبد الله، هذه من ميراثٍ حلال، خذها فاستعن بها على عائلتك، قال: لا حاجةَ لي فيها، أنا في كِفاية. فردها ولم يقبل منه شيئًا.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل. (ح) وأخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي
[ ٣١٧ ]
ابن مَرْدَك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قالا: حدثنا صالح بن أحمد، قال: شهدتُ ابن الجروي أخا الحسن وقد جاء إليه بعد المغرب فقال: أنا رجل مشهور، وقد أتيتك في هذا الوقت وعندي شيء قد أعددته لك، فأحب أن تقبله وهو ميراث، فلم يَزل به، فلما أكثر عليه قام ودخل. قال صالح: فأخبرت عن الحسن قال: قال لي أخي: لما رأيته كلما ألححتُ عليه ازداد بعدًا، قلت: أخبره كم هي، قلت: يا أبا عبد الله، هي ثلاثة آلاف دينار. فقام وتركني، زاد أبو نعيم: قال صالح: وقال لي يومًا: أنَّا إذا لم يكن عندي قطعة أفرح.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخَلال، قال: أخبرنا أبو بكر المَرُّوزذي، قال: سمعت أبا بكر ابن حماد المُقرئ، يقول: سمعت أبا ثابت الخطاب يقول: قال ابن الجَرَوي: ذهبتُ إلى أحمد بن حنبل فقلت: هذه ألف دينار اشترِ بها غَلّة للصبيان، فأبَى أن يقبلها، قال: وكان يُكرمني. فلما قلتُ له ذلك قال: أحب إذا كان لكَ حاجة لا تجيء، فإن أردت أن تسألني عن شيءٍ فأرسل إليّ. فحرمتُ نفسي.
قال الخلال: وأخبرنا محمد بن الحسن بن هارون، قال: سمعت الفضل بن محمد، يقول: حدثنا إسماعيل بن حرب، قال: أحصي ماردَّ أبو عبد الله أحمد ابن حنبل حين جيءَ به إلى العسكر فإذا هو سبعون ألفًا.
[ ٣١٨ ]
قال الخلال: وأخبرني الحسن بن الهيثم، قال: سمعت أبا سعيد الأذْرمي. يقول: سمعتُ صالح بن أحمد يقول: كنتُ عند أبي يومًا فدعاني النساء، فقلن: قل لأبيك ليس عندنا دقيق - أو قال: خبز - فقلت له، فقال: الساعة، ثم أبطأ عليهن فعاودنني، فقلت له، فقال: الساعة، فبينا نحن كذلك إذا برجل يدق الباب، فخرجتُ إليه، فإذا رجل خُراساني يشبه الفَيْج على كتفه عصا فيها جراب؛ فقلت له: ما حاجتك؟ فقال: حاجتي إلى أحمد بن حنبل، فدخلت فأخبرته، فقال: عُدْ إليه فقل له: فيمَ قصدتَ؟ في مسألةٍ؟ في حديث؟ فقال: ما قصدتُ في مسألة ولا حديث. فقلت له؛ فقال: أدخله، فدخَل الرجل فَوضع العصا والجراب ثم قال له: أنت أحمد بن محمد بن حنبل؟ قال: نعم؛ قال: أنا رجل من أهل خُراسان، مرض جارٌ لي فعدتهن فقلت له: هل لك من حاجة؟ فقال: هذه خمسة آلاف درهم تأخذها وتوصلها إلى أحمد بن حنبل بعد وفاتي، فقد قصدتك بها من خُراسان. فقال له: بيننا وبين هذا الرجل قَرابة؟ قال: لا. قال: فبيننا وبينه رَحِم؟ قال: لا؛ قال: فبيننا وبينه نعمة يَرُبُّها؟ قال: لا؛ قال: ضُمَّها رَحمك الله. فرادَّه فَخَشَّنَ له أبي، فحمل المالَ وانصرف. فلما كان بعد مدة كان جالسًا بين الكتب، فنظر فيها فرفع رأسه فقال: تَدري يا صالح مُنذ كم كان الخراساني عندنا؟ قلت: لا، قال: له اليوم احد وستون يومًا، هل جُعتم فيها أو فَقدتم شيئًا؟
[ ٣١٩ ]
قال الخلال: وحدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبلن قال: سمعت فُوران يقول: مرض أبو عبد الله فعاده الناس - يعني قبل المئتين - وعاده علي بن الجعد فجعل عند راس أبي عبد الله صُرّة. فقلت له: إن عليًّا قد جَعل عند رأسك هذه الصرّة، فقال: كما رأيتَه فاذهب فردها إليه. قال: فذهبتُ فرددتها.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن مَرْدَك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قال فُوران أبو محمد لأبي: عندي خُف سأبعث به إليك. فسكت؛ فلما عاد إليه أبو محمد قال: يا أبا محمد، لا تبعث بالخف، فقد شغل قلبي عليّ.
قال صالح: ووجه رجل من الصين بكاغد صيني إلى جماعة من المحدثين فيهم يحيى وغيرهن ووجه بقِمطَر إلى أبي فردَّه.
قال صالح: وقال لي أبي: جاءَني ابن يَحيى بن يحيي؛ وما خرج من خُراسان بعد ابن المبارك رجل يُشبه يحيى بن يحيى؛ فجاءَني ابنه فقال: إن أبي أوصى بمبطنة لك وقال: يذكرني بها. فقلت: جئني بها. فجاءَ برزمة ثياب، فقلت له: اذهب رَحمك الله، يعني ولم يَقبلها.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر
[ ٣٢٠ ]
الخلال، قال: أخبرني محمد بن موسى، قال: سمعت ابن نَيْزَك يقول: كنت أتبع أحمد ويحيى يمضون إلى سَعدويه- أو قال غيره - فاتخذ لهم - أراه قال: سعدويه - قِدر طعام، فلما فطن أحمد لذلك قال: قد قَرُب وقت الصلاة، وخرج فما اجترأ واحد منهم أن يكلمه، فجاءَ إلى سقاية فيها حب ماء، فأخرج فتيتًا معه في خرقة، وأخذ كوزًا من الحب وجَعل يستفه ويشرب عليه الماء، وصلى الظهر، ثم جاءَ فاستأذن ودخل، وقد طَعموا وصلوا، فقعد يكتب.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال، قال: أخبرني محمد بن الحسين، قال: حدثني المرُّوذي، قال: سمعتُ حُميد بن الربيع الكوفي، يقول: قال أبو عبد الله يومًا لأصحاب الحديث: من منكم منزله في الكَرخ؟ فقال له فتى: أنا يا أبا عبد الله، فقال له: تلبث فإن لنا حاجة؛ فأخرج أبو عبد الله دراهم وقال: اشترِ بهذه ورقًا حتى تَجيءَ به مَعك إذا جئت. قال: فاشترى الفتى ورقًا، وحشى في دُسوت الورق دنانير. وجاءَ به إلى أبي عبد الله فأعطاه، وانقطع الفتى من المجيء، ففتح أبو عبد الله الوَرق فجعلت الدنانير تتناثر، فجمعها وجعل يقول لأصحاب الحديث: من منكم يعرف الفتى الذي اشترى لي ورقًا؟ فقال له رجل: أنا أعرف منزله، قال: فتلبث هاهنا، فإن لي حاجةً، وحمل أبو عبد الله الدنانير ومضى معه، فلما صار إلى قطيعة الربيع إذا الفتى قاعدٌ، فقال له الرجل: هذا صاحبك يا أبا عبد الله؟ فقال له أبو عبد الله: انصرف أنتَ. ثم جاء فسلم ووضع الدنانير في حجره وانصرف.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حمْدُ بن
[ ٣٢١ ]
أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: سمعت شاكر بن جَعفر، يقول: سمعت أبا جعفر أحمد بن محمد التُّسْتَري، يقول: كانَ غلام يختلف إلى أحمد بن حنبل، فناوله يومًا درهمين، فقال: اشترِ به كاغَدًا، فخرج الغلام فاشترى له وجَعل في جوف الكاغد خمس مئة دينار وشده وأوصله إلى بيت أحمد، فسأل أحمد أهل بيته: أحُمِل شيء من البياض؟ فقالوا: نعم، فَوُضع بين يديه، فلما أن فتحه تناثرت الدنانير، فردها في مكانها، وسأل عن الغلام حتى دُلَّ عليه، فوضعه بين يديه، فتبعه الغلام وهو يقول: الكاغد اشتريتُه بدراهمك خُذه، فأبى أن يأخذ الكاغَد أيضًا.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبانا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن هارون الخلال، قال: أخبرني محمد بن الحسين، قال: حدثنا المرُّوذي، قال: أخبرت أن أبا بكر المستملي لما قدم بأبي عبدالله من الثغر، خرج معه يخدمه، قال: فنزلنا في بعض المنازل، فإذا بعض إخوانه قد أرسل إليه بمئة دينار، وقال: تنفقها يا أبا عبد الله في سَفرك، فردها، فقال له: يا أبا عبد الله، أنا معيل ورجل من أهل الثغر، فدعني آخذها؛ قال: وَيحك؛ إن عطيتهم أول مرة ليست مثل الثانية، فدَعنا نكن في عِزٍّ. فردها ولم يقبلها.
قال الخلال: وأخبرني عبد الله بن أحمد، قال: دُقَّ علينا الباب ليلة دقًاّ خفيفًا، ففتحت فإذا إنسان قد وضع خِوانًا كبيرًا عليه منديل أبيض وقال: خُذ هذا. ومَرّ مبادرًا؛ وكانت مائدة كبيرة، فأدخلتها فوضعتها قدام أبي
[ ٣٢٢ ]
فقال: أيّ شيءٍ هذا؟ من منزل أبي محمد؟ ٠ يعني فُوران -، قلت: لا، قال: من أين؟ من جاءَ به؟ قلت: وضعه ومَرَّ، وإذا طعام سرى فيه جامات حلواء قد أنفق عليه دراهم كثيرة، فسكت ساعة يفكر ثم قال: ابعث منه إلى منزل عمكن وصبيان صالح - وأومأ إلى الجارية والصبيان - وخُذ أنت، قال: عبد الله: ثم علمتُ بعد من أين جاء.
وكان قوم يُهدون إليه فلا يصيب منه شيئًا، وكان عبدوس العطار ربما وجه إلينا بالشيءِ فلا يذوق منه.
[ ٣٢٣ ]