في ذكر ما جرى له مع وَلديه وعَمه
حين قَبلوا صِلة السُّلطان
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا إبراهيم بن عُمر البَرْمَكي.
وأخبرنا عبد الله بن علي المقرئ، قال: أخبرنا عبد الملك بن أحمد السُّيُوري، قال: أخبرنا عبد العزيز بن أحمد بن الفَضل، قالا: أخبرنا علي ابن عبد العزيز، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: لما قَدم أبي من عند المتوكل مَكثَ قليلًا ثم قال: يا صالح، قلتُ: لَبَّيك، قال: أُحب أن تَدع هذا الرزق فلا تَأخذه ولا توكل فيه أحدًا، قد علمتُ أنكم إنما تأخذون هذا بسببي، فإذا أنا متُّ فأنتم تعلمون. فسكتُّ، فقال: مالَك؟ فقلت: أكره أن أعطيك شَيئًا بلساني وأخالف إلى غَيره فأكون قد كذبتُكَ ونافَقتكَ، وليس في القَوم أكثر عِيالًا مني ولا أعذر، وقد كنتُ أشكو إليك، فتقول: أمرك مُنعقد بأمري، ولعل الله أن يحلّ عني هذه العُقدة، ثم قلتُ: وقد كنتَ تدعو لي وأرجو أن يكون الله ﷿ قد استجابَ لك: فقال لا تفعل فقلت: لا. فقال: قُم فَعل الله بك وفَعل، ثم أمرَ بسدِّ الباب بَيني وبينه، فتلقّاني عبد الله وسألني فأخبرتُه، فقال: ما أقول؟ فقلت: ذاك إليك، فقال له مثل ما قال لي، لا أفعل، فكان منه نحو مما كان
[ ٥١٣ ]
منه إليَّ، ولقينا عمّه، فقال: لِمَ أردتُم أن تقولوا له؟ وما كان علمه إذا أخذتم شيئًا؟ فدخل عليه، فقال: يا أبا عبد الله، لستُ آخذ شيئًا من هذا، فقال: الحمدُ لله، فهجَرنا وسدَّ الأبواب بيننا، وتحامى منازلنا أن يدخل منها إلى منزله شيءٌ، وقد كان قديمًا قبل أن نأخذ من السلطان يأكل عندنا، وربما وَجَّهنا بالشيءِ فيأكل منه، فلما مَضى نحو من شَهرين، كتب لنا بشيء فجيء به إلينا، فأول من جاء عَمه فأخذ، فأخبر فجاء إلى الباب الذي كانَ سدَّه بيني وبينه وقد فَتح الصبيان كُوة، فقال: ادعوا إليَّ صالحًا، فجاءَني الرسولُ، فقلت له: لستُ أجيء، فوجَّه إليّ: لم لا تجيء؟ فقلتُ له: هذا ارزق يَرتزقه جماعة كثيرة، وإنما أنا واحد منهم، وليس فيهم أعذر مني، فإذا كان توبيخٌ خُصِصْتُ به أنا، فمضى، فلما نادى عَمّه بالأذان خَرج، فلما خرج، قيل له: إنه قد خَرج إلى المسجد، فجئتُ حتى صرت في الموضع الذي أسمع له: إنه قد خَرج إلى المسجد، فجئت حتى صرت في الموضع الذي أسمع كلامه، فلما فَرغ من الصلاة التفتَ إلى عمه، ثم قال له: يا عدو الله، نافَقتني وكَذبتني وان غيُرك أعذر مِنك! زعمتَ أنك لا تأخذ من هذا شيئًا ثم أخذتَ، فأنت تستغل مئتي درهم، وعمدتَ إلى طريق المسلمين تَستغله، إنما أشفق أن تُطوق يوم القيامة بسَبع أرضين. ثم هَجره وتركَ الصلاةَ في المسجد، وخَرج إلى مسجدٍ آخر يُصلي فيه.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو بَكر بن مالك، قال: حدثنا أبو جَعفر بن ريح العُكْبَري، قال: طلبتُ أحمد بن حنبل
[ ٥١٤ ]
في سَنة ست وثَلاثين ومئتين لأسأله عن مسألة، فَسألتُ عنه فقالوا: إنّه خَرج يُصلي خارجًا، فجلستُ له على باب الدَّرب حتى جاء، فقمتُ فسلّمتُ عليه فردَّ عليَّ السلام، فدخل الزُّقاق وأنا أماشيهن فلما بلغنا آخر الدَّرب، إذا باب يُفرج، فَدفعه وصار خَلفه، وقال: اذهب عافاك الله، فالتفتُّ فإذا مَسجد على الباب وشَيخٌ مخضوب قائم يُصلي بالناس، فجلستُ حتى سَلَّم الإمام، فخرجَ رجلٌ، فقتل: هذا الشيخ مَن هو؟ قال: إسحاق عمّ أحمد ابن حنبل، قلتُ: فلما له لا يُصلي خَلفه؟ فقال: ليسَ يُكلِّم ذا ولا ابنيهِ لأنهم أخذوا جائِزة السلطان.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر، قال: أخبرنا علي بن مَرْدَك، قال: حدثنا أبو محمد بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: بَلغ أبي في زمان هَجرهِ لنا أنه قد كتبَ لنا بشيءٍ [فبلغه]؛ فجاءَ إلى الكُوّة التي في الباب، فقال: يا صالح، انظر ما كان للحَسن وأم علي، فاذهب به إلى فُوران حتى يَتصدَّق به في الموضع الذي أخذ منه. فقلت له: ما علم فوران من أي موضع أخذ، فقال: افعل ما أقول لكَ، فوجَّهت ما كان أضيف إليهما إلى فوران، وكان إذا بلغه أنا قد قَبلنا طَوى تلكَ اللَّيلة فلم يُفطر، ثم مَكث شهرًا لا أدخل عليه، ثم فَتح الصبيان الباب، ودخلوا غير أنه لا يُدخل إليه شيء من مَنزلي. ثم وجَّهت
[ ٥١٥ ]
إليه: يا أبَة، قد طالَ هذا الأمر، وقد اشتقتُ إليك فدخلتُ عليه، فستَ، فأكببتُ عليه وقلتُ: يا أبَة، تُدخل على نفسك هذا الغَمّ؟ قال: يا بُني، مالا أملكه. ثم مكثنا مدة لم نَأخذ شيئًا، ثم كُتب لنا بشيءٍ فَقبضناه، فلما بَلغه هَجرنا أشهرًا، فكلَّمه فُوران، ووجَّه إليَّ فوران فدخلت، فقال له: يا أبا عبد الله، صالح وحُبّكَ له، فقال: يا أبا محمد، لقد كان أعز الخَلق عليَّ، وأيّ شيءٍ أردته له إلا ما أردتُه لنفسي؟ فقلت له: يا أبَه، ومن رأيتَ أنت ممن قويتَ قويَ على ما قويتَ عليه أنت؟ قال: وتحتجُّ عليَّ؟ ثم كتبَ إلى يَحيى بن خاقان يَسأله ويعزم عليه أن لا يُعيننا على شيءٍ من أرزاقنا ولا يتكلّم فيها، فلم وصل رسوله بالكتاب إلى يحيى، أخذه صاحب الخبر، فأخذ نُسخته ووصلت إلى المتوكل. فقال لعُبيد الله: كم من شَهر لولد أحمد بن حنبل فقال: عَشرة أشهر. فقال: تحمل إليهم الساعة أربعينَ ألف درهم من بيتِ المال صِحاح ولا يُعلم بها، فقال يَحيى للقيّم: أنا أكتُب إلى صالح أُعلِمُهُ. فورد عليَّ كتابه، فوجهتُ إلى أبي أعلمته، فقال الذي أخبره: سكتَ قليلًا وضربَ بذقنه صَدره ثم رَفع رأسه، وقال: ما حيلتي إذا أردتُ أمرًا، وأرادَ الله ﷿ أمرًا.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أبو يَعقوب الحافظ، قال: أخبرنا أبو علي بن أبي بكر المرْوَزي، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحَسن بن علي البخاري، قال:
[ ٥١٦ ]
سمعتُ محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي، يقول: حُكى لنا عن المتوكل، أنه قال: إن أحمد ليَمنعنا من برِّ وَلده. وذلك أنه كانَ وجه إلى ولده وإلى وَلد ولده وإلى عمّه بمال عظيم، فأخذوه دونَ علم أحمد، فلما بلغه ذلك، أنكر عليهم وتقدّم إليهم بردِّه، وقال لهم: لِمَ تأخذوه والثُّغور مُعطَّلة غير مَشحونة، والفَيءُ غير مَقسوم بينَ أهله؟ فاعتلّوا بخروج ذلك المال من أيديهم في ديونهم وما كانَ عليهم، ثم وجَّه المتوكل مالاّ آخر، وقال: لِيُعْط ولده من غَير علم أحمد، فأخذوه، فبلغ ذلك أحمد فجمعهم وقال لهم: احتجَجتم في المال الأول بذهابه عَنكم وبديونكم، فردوه، فأنا شهدت وقد سد بابًا كان بينه وبين صالح ابنه، وترك مسجده ومُؤذنه عمّه وإمامه ابن عمير، وداره لَزيقة المسجد، وهَجرهم من أجل ذلك المال، وأنا رَأيتُه يَخرج من زقاقه ومن دربه إلى الشارع، ويدخل دربًا آخر فيه مَسجد يقال له: مسجد سِدرة، يُصلي فيه الجماعة، ثم لما شخص إلى العَسكر والمؤيَّد، وهم وُلاة العهود، فجعل يَتمارض، وإذا سُئل قال: لا أحفظ، وكُتبي عني غائبة، حتى أعفي، ووقَّع المتوكل في بعض ما وقَّع: أعفَينا أحمد مما يَكره. ولقد جاءَته تُحفة رُطَب من قِبل المتوكل مَختومة فما طَعم منها، وبَلغني أنه احتج في ذلك اليوم فقال: إنَّ أمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره، فإذا جاءَه شيء، قال: هذا مما أكره، فَيُعفى، فكانَت هذه حاله.
أخبرنا هِبة الله بن أحمد الحَريري، قال: أنبأنا مُحمد بن علي بن الفَتح، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن الصَّباح الكوفي، قال: حدثنا جَعفر بن محمد ابن نُصير، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مَسروق، قال: قال لي عبد الله بن
[ ٥١٧ ]
أحمد بن حنبل: دَخل عليَّ أبي ﵀ في مَرضي يَعودُني، فقلتُ: يا أبَة، عندنا شيء قد بَقى مما كان يَبرّنا به المتوكّل، أفأحجُّ منه؟ قال: نعم. قلتُ: فإذا كانَ هذا عندك هكذا فلم لم تأخُذ قال: يا بُني، ليسَ هو عندي بحَرام ولكني تَنزَّهتُ عَنه.
[ ٥١٨ ]