فى ذكر أخبار أولاده وعَقِبه
ذكر صالح بن أحمد بن حنبل وَأولاده وعَقبه:
كان صالح يُكنى أبا الفَضل، وهو أكبر أولاد أحمد، وُلد سَنة ثلاثٍ ومئتين، وكان أحمد يُحبه ويُكرمه، وابتلى بالعِيال على حَداثة سَنِّه، فقلَّت روايته عن أبيه، على أنه قد رَوى عنه كثيرًا، وَروى عن أبى الوليد الطَّيالسى، وإبراهيم بن الفَضل الذراع، وعلى بن المَدينى، وروى عنه ابنُه زُهير، والبَغَوِى، ومحمد ابن مَخْلد فى آخرين. وولى قَضاءَ أصفهان، فخرج إليها فَمات بها.
وأخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت، قال: حُدِّثت عن عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر الخلّال، قال: كان صالح بن أحمد بن حنبل سَخيًّا جدًّا، أخبرنى الحَسن بن على الفَقيه بالمصَّيصة، قال: كان صالح قد افتصدَ، فدعا إخوانه، وأنفق فى ذلك اليوم نَحوًا من عشرين دينارًا فى طيبٍ وغيره، وأحسبُ أنه قال: كان فى الدعوة ابنُ أبى مَريم، وإذا أبو عبد الله قد دَقَّ الباب، فقال له ابنُ أبى مريم: أسبِل علينا
[ ٤١١ ]
السِّتر لا نَفْتضِح ولا يَشمَ أبو عبد الله رائحةَ الطيب، فدخل أبو عبد الله، فقعد فى الدار، وسأله عن حاله، وقال له: خُذ هذين الدرهمين وأنفقهما اليوم، وقام فخرج، فقال ابنُ أبى مريم لصالح: فَعل الله بكَ وفَعل، لمَ أردتَ أن تأخذَ الدراهم منه؟!
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت، قال: حدثنى محمد بن الحُسين بن محمد، قال: ذكر أبو بكر الخَلال، قال: أخبرنى محمد بن العباس، قال: حَدثنى محمد بن على، قال: لما صارَ صالح إلى أصفهان وكنتُ معه، بَدأ بمسجد الجامع فدخله وصلى رَكعتين، واجتَمع الناسُ والشيوخُ وجلس وقُرئ عهدُه الذى كتبَ له الخليفة، فجعل يَبكى بُكاءً شديدًا حتى غلبه، فبكى الشيوخ الذين قربوا منه، فلما فُرغ من قِراءة العهد جَعل المشايخ يدعون له ويقولون: ما ببلدنا أحدٌ إلا ويُحب أبا عبد الله ويميلُ إليك. فقال لهم: تَدرون ما أبكانى؟ ذكرتُ أبى أن يَرانى فى مثل هذا الحال، وكان عليه السَّواد، وكانَ أبى يَبعث خَلفى إذا جاءَه رجلٌ زاهد، أو مُتقشف لأنظر إليه، يُحب أن أكون مثله، أو يَرانى مثله. ولكنَّ الله يعلم ما دخلتُ فى هذا الأمر إلا لدَين قد غَلبنى، وكثرة عيال، أحمدُ الله. وكان صالح غيرَ مرةٍ إذا انصرفَ من مجلس الحُكم ينزع سَواده ويقول لى: ترانى أموت وأنا على هذا؟
[ ٤١٢ ]
توفى صالح فى رَمضان سنة خمس وستين ومئتين بأصفهان.
فأما زُهير بن صالح، فإنه حَدَّث عن أبيه، وروى عنه ابنُ أخيه محمد بن أحمد بن صالح، وأحمدُ بن سليمان النَّجاد. وقال الدارقطنى: زُهير ثِقة.
قال أحمد بن كامل القاضى: تُوفى زُهير بن صالح فى رَبيع الأول سنة ثلاث وثلاث مئة.
محمد بن أحمد بن صالح بن أحمد بن حنبل
يُكنى أبا جعفر، روى عن أبيه، وعن عَمه زُهير، وإبراهيم بن خالد الهِسِنْجَانِى فى جماعة، وروى عنه الدَّارَقُطْنى، وتُوفى سنة ثلاثين وثلاث مئة.
ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل
كان يُكنى أبا عبد الرحمن، وكان أروى الناس عن أبيه، وسَمع مُعظم تصانيفه وحديثه، وسَمع من عبد الأعلى بن حماد، وكامل بن طَلحة، ويحيى بن مَعيِن، وأبى بكر وعُثمان ابنى أبى شَيْبة، وشَيبان بن فَرّوخ فى خَلق كثير.
وكان له جحظٌّ وافر من الحِفظ، وكان أحمد يقول: ابنى عبد الله مَحظوظ من علم الحديث - أو من حفظ الحديث -.
ولما مرض قيل له: أينَ تحب أن تُدفن؟ فقال: صح عندى أن بالقَطيعة نبيًا مدفونًا، ولأن أكون فى جِوار نَبى أحب إلىَّ من أن أكون فى جِوار أبى.
[ ٤١٣ ]
وتوفى يوم الأحد لتسع بقين من جمادى الآخرة سنة تسعين ومئتين، ودُفن فى آخر النهار فى مقابر باب التِّبن، وصَلى عليه زُهير ابن أخيه، وكان له جَمع عظيم.
ذكر سَعيد بن أحمد بن حنبل
قال حنبل بن إسحاق: وُلد سعيد قبل موت أحمد بنحو خَمسين يومًا. وقال غيره: ولى سَعيد قضاءَ الكوفة وتوفى سنة ثلاث وثلاث مئة.
قلتُ: وهذا لا يصح، فإن أبا منصور القزاز أخبرنا، قال: أخبرنا أحمد ابن على بن ثابت، قال: سعيدُ بن أحمد بن حنبل حَكى عن أبى حَكى عن أبى مُجالد أحمد ابن الحسين الضرير، رَوى عنه القاضى أبو عمران موسى بن القاسم الأشْيَب، ومات سعيد قَبل وفاة أخيه عبد الله بدهر طويل.
قلت: وقد ذكرنا فى باب ثَناء العلماءِ على الإمام أحمد، أن إبراهيم الحَربى جاءَ إلى عبد الله يُعزيه بأخيه سَعيد.
قلت: فأما الحَسن ومحمد، فلا نَعرف من أخبارهما شيئًا، وأما زَينب، فقد ذكرنا لها حديثًا فى باب وَرَعه، وأنها قالت لإسحاق بن إبراهيم: خُذ هذه الدجاجة فبعها، فإن أبى يَحتاج أن يَحتجم، وما عنده شىء. وقد قال إسحاق: رأيتُ أبا عبد الله يَضرب ابنَته على اللَّحن وَينتهرها.
[ ٤١٤ ]
وأخبرنا محمد بن أبى منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن على الخياط، قال: أخبرنا أبو الفتح بن أبى الفَوارس، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن محمد بن سَلْم الخُتَّلى، قال: حدثنا أبو بكر المُّروذى، قال: دخلتُ على أبى عبد الله فرأيتُ امرأةً تمشط صبيةً له، فقلتُ للماشِطة بعد: وصلتِ رأسَها بقَرامِل؟ فقالت: لم تَتركنى الصَّبية، قالت: إن أبى نَهانى. وقالت: يَغضبُ.
وقد رُوى لنا أنه كانت له بنتٌ اسمُها فاطمة، والظاهر أنها غير زينب. إلا أنا قد ذكرنا عن زُهير عدد أولاده، ولم يذكرها فيهم، فيحتمل أن تكونَ هى زينب، لأن المرأة قد تسمى باسمين، ويحتمل أن تكون غيرها. وقد ذكرنا لفاطمة حديثًا فى باب كَراماته، وقد أنبأنا أبو بكر بن عبد الباقى، قال: أنبأنا أبو إسحاق البَرْمَكى، قال: وجدتُ فى كتاب أبى: حدثنا أبو بكر بن شاذان، قال: حدثنا أبو عيسى أحمد بن يعقوب، قال: حدثتنى فاطمة بنت أحمد بن حنبل، قالت: وَقع الحريقُ فى بيت أخى صالح، فَدخلوا فإذا ثوبٌ كان لأبى قد أكلت النار ما حوله وهو سَليم.
[ ٤١٥ ]