فى ذكر إعراضه عن الولايات
أخبرنا محمد بن عبد الباقى، قال: أنبأنا محمد بن أبى نَصر، قال: أخبرنا أبو على إسماعيل بن أحمد بن الحُسين، قال: حدثنا أبى، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرنى نَصر بن محمد بن أحمد، قال: أخبرنى محمد بن عَمرو الَبصرى، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن عاصم، قال: أخبرنى أبو بَكر محمد بن يحيى - خادم المُزَنى - قال: (حدثنا أبو إبراهيم المُزَنى) قال: قال الشافعى: لما دخلتُ على هارون الرشيد قلتُ بعد المُخاطبة: إنى خَلَّفت اليَمن ضائعةً تحتاج إلى حاكم، فقال: انظر رَجلًا ممن يجلس إليكَ حتى نولّيه قَضاءَها، فلما رَجع الشافعى إلى مجلسه، ورأى أحمد بن حنبل من أَمثّلهم أَقبل عليه فَقال: إنى كلَّمتُ أميرَ المؤمنين أن يُلى قاضيًا باليمن، وإنه أمرنى أن اختارَ رجلًا ممن يَختلف إلىَّ، وإنى قد اخترتُك، فتهيَّأ حتى أُدخلك على أمير المؤمنين يُوليك قضاء اليمن، فاقبل عليه أحمد وقال: إنما جئتُ إليكَ لأقتبسَ منكَ العلم، تَأمرنى أن أدخلَ لهم فى القضاءِ!!
ووبَّخه، فاستحيا الشافعى.
[ ٣٦٠ ]
قلتُ: وقد رُوي لنا أنَّ هذا كان في زمان الأمين.
وأخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عُمر، قال: أَنبأَنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخَلال، قال: أخبرني محمد بن أبي هارون، قال: حدثنا أبو بكر الأثرم، قال: أخبرتُ أن الشافعي قال لأبي عبد الله: يا أبا عبد الله، إن أمير المؤمنين - يعني محمدًا - سألني أن ألتمس له قاضيًا لليمن، وأنت تحب الخُروج إلى عَبد الرزاق، فقد نِلتَ حاجتك؛ تقضي بالحق، وتنالُ من عبد الرزاق ما تُريد، فقال أبو عبد الله للشافعي: يا أبا عبد الله، إن سمعتُ منك هذا ثانية لم تَرني عندك. فظننتُ أنه كان لأبي عبد الله في ذلك الوقتِ ثلاثونَ - أو سبع وعِشرون - سَنة.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا محمد ابن أحمد الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن العباس، قال: حدثنا الصَّندلي، قال: سمعتُ أَبا جعفر الترمذي، يقول: أخبرنا عبد الله بن محمد البلخي، أن الشافعي - ﵀ - كان كبيرًا عند محمد بن زبيدة، فذكر له محمد يومًا اغتمامه برجل كامل أمين يصلح للقضاءِ، صاحب سُنة، فقال: قد وجدت رجلًا من حاله كذا وكذا صاحب سُنة، كامل، فقيه، صاحب
[ ٣٦١ ]
حَديث، فقال: من هو هذا؟ فذكر أحمد بن حنبل؛ قال: فَلقيه أحمد وبلغه ما قال، فقال للشافعى: (أخمِل هذا) واعفِنى، وإِلا خَرجتُ من البلد فذهبت.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر، قال: أخبرنا على بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبى حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال: كتَب إلىَّ إسحاق بن راهويه: إنَّ الأمير عبد الله بن طاهر وَجَّه إلىَّ، فدخلتُ إليه وفى يدى كتاب أبى عبد الله، فقال: ما هذا الكتاب؟ فقلتُ: كتابُ أحمد بن حنبل، فأخذه وقرأه وقال: إنى أُحبه وأُحبُّ حَمزة بن الهَيضَم البُشَنْجى، لأنهما لم يختلطا بأمر السلطان. قال صالح: وأمسَك أبى عن مُكاتبة إسحاق بن راهوية لما أدخل كَتابه إلى عبد الله بن طاهر وقرأه.
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال أخبرنى محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله النَّيْسابورى، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ قال: سمعتُ إبراهيم بن أبى طالب، يقول: سمعتُ أحمد بن سَعيد الرِّباطى، يقول: قدمتُ على احمد بن حنبل؛ فجعلَ لا يرفعُ رأسَه إلىَّ،
[ ٣٦٢ ]
فقلتُ: يا أبا عَبد الله، إنه يُكتب عنى بخُرسان، وإن عامَلتنى بهذه المعاملة رَمَوا حَديثى. فقال لى: يا أحمد، هل بُدٌّ يوم القِيامة أن يُقال: أينَ عبد الله ابن طاهر وأتباعه؟ فانظر أين تكون أنتَ منه.
[ ٣٦٣ ]