في ذكر ابتدائه في طلب العلم ورحلته فيه
ابتدأ أحمد﵁- في طلب العلم من شيوخ بغداد، ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة، وكتب عن علماءِ كل بلد.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزَّاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد ابن علي بن ثابت: أخبرنا الأزهري، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عمر، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: حدثنا جدي، قال: سمعتُ أَحمد بن حنبل يقول: أول من كتبتُ عنه الحديث أبو يوسف.
وأخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد ابن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قال أبي: طلبتُ الحديثَ وأنا ابن ستّ عشرةَ سنة، ومات هُشيم وأنا ابنُ عشرين سنة، وأول سماعي من هُشيم سنة تسع وسَبعين ومئة.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد السَّمَرْقَنْدي، قال: أخبرنا عمر بن عبيد الله البقَّال، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بِشْران، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدَّقاق، قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: قال أبو عبد الله- يعني أحمد
[ ٢٦ ]
ابن حنبل-: طلبتُ الحديث في سنة تسع وسبعين وأنا ابن ستَّ عشرة سنة، وهي أَول سنة طلبتُ الحديث، فجاءَنا رجل فقال: مات حماد بن زيد. ومات مالك بن أَنس في تلك السنة. وكنا عند عبد الرزاق باليمن، فجاءَنا موت سفيان بن عُيَيْنَة، وعبد الرحمن بن مَهدي، ويحيى بن سعيد سنة ثمان وتسعين ومئة. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: سمعت من سليمان بن حرب بالبصرة سنة أَربع وتسعين، ومن أَبي النُّعمان عارِم في تلك السنة، ومن أَبي عُمر الحَوْضي أَيضًا.
أَخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: قرأت في كتاب أبي الحسن بن الفرات بخطه، أخبرنا أبو مُسلم عبد الرحمن بن مِهْران، قال: أخبرنا محمد بن قارن، حدثنا علي بن الحسن الهِسِنْجانِي قال: قال أحمد بن حنبل: طلبتُ الحديث سَنة تسعٍ وسَبعين.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد ابن عبد الله، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن إسحاق، قال: حدثنا محمد ابن إسحاق الثَّقفي، قال: سمعت زياد بن أيوب يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: طلبتُ الحديث سنة تسع وسَبعين، وأتيتُ مجلس ابن المبارك وقَد قام، وقدم علينا سنة تسع وسبعين.
[ ٢٧ ]
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزَّاز، قال: أخبرنا أَحمد بن علي بن ثابت، قال: اخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: أخبرنا إسماعيل بن علي الخُطَبِي، وأَبو علي بن الصواف، وأحمد بن جعفر بن حَمدان، قالوا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قال أبي: سمعتُ من علي بن هاشم ابن البَرِيد سنة تسع وسبعين في أول سنة طلبت الحديث، ثم عدت إليه في المجلس الآخر وقد مات، وهي السنة التي مات فيها مالك بن أَنس.
أَخبرنا ابن الحُصَين، قال: أخبرنا ابن المُذْهِب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أَبي، قال: مات خالد بن عبد الله- يعني الطحان- وأبو الأحوص، ومالك بن أَنس، وحماد ابن زيد، في سنة تسع وسَبعين، إلا أَن مالكًا مات قبل حماد بقليل، وفي تلك السنة طلبتُ الحديث. كنا على باب هُشيم وهو يُملي علينا إما قال: الجنائز، أَو: المناسك. فجاءَ رجل بصري، فقال: مات حماد بن زيد.
أَخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي. وأخبرنا عبد الله بن علي المقرئ، قال: أخبرنا عبد الملك بن أحمد السيوري، قال: حدثنا عبد العزيز
[ ٢٨ ]
ابن علي بن أَحمد قالا: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، قال: حدثنا صالح بن أَحمد بن حنبل، قال: سمعت أَبي يقول: طلبتُ العلم وأَنا ابن ستَّ عشرة سنة، وأَول سَماعي من هُشَيْم سنة تسع وسبعين، وكان ابنُ المبارك قدم في هذه السنة، وهي آخر قَدْمةٍ قدمها. وذهبت إلى مجلسه، فقال: قد خرج إلى طَرَسوس وتوفي سنة إحدى وثمانين، وكتبت عن هُشيم سنة تسع وسبعين، ولزمناه سنة ثمانين وإحدى وثمانين وثنتين وثلاث، ومات في سنة ثلاث وثمانين، كتبنا عنه كتاب "الحج" نحوًا من ألف حديث، وبعض التفسير، وكتاب "القضاء" وكتبًا صغارًا. قلت: تكون ثلاثة آلاف؟ قال: أكثر، وجاءَنا موتُ حماد بن زيد ونحن على باب هشيم، وهشيم يملي علينا "الجنائز" فقالوا: ماتَ حماد بن زيد. وسمعت من عبد المؤمن بن عبد الله بن خالد أبي الحسن العبسي سنة ثنتين وثمانين قَبل موت هُشيم، وحدثنا علي بن مجاهد الكابُلي في سنة ثنتين وثمانين- من أهل الري أَبو مجاهد- وهي أول سنة سافرت فيها، وقدم عيسى بن يونس الكوفة بعدي بأيام، وأول خَرجةٍ خرجت إلى البصرة سنة ست وثمانين، وخرجت إلى سُفيان بن عُيَيْنَة في سنة سبع وثمانين. قدمنا وقد مات فُضَيل بن عياض، وهي أَول سنة حججتُ، وكتبت عن إبراهيم بن سَعد وصليت خلفه غيرَ مرة، وكان يُسلم واحدةً. ولو كانَ عندي خمسون درهمًا كنت قد خرجت إلى الرَّي إلى جَرير بن عبد الحميد، فخرج بعضُ أصحابنا ولم يمكني الخروج. قال: وخرجت إلى الكوفة فكنت في بيت وتحت رأسي لبنة، فحُمِمت، فرجعت إلى أُمي رحمها الله.
[ ٢٩ ]
وأخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السَّمَرْقَنْدِي، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أحمد بن أَبي جعفر القَطيعي، وعلي بن أَبي علي البَصري، قالا: أخبرنا علي بن عبد العزيز البَرْذَعي، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: أخبرني صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قال أَبي: لو كان عندي خمسون درهمًا كنت قد خرجت إلى الرَّي، إلى جَرير بن عبد الحميد، فخرج بعض أَصحابنا ولم يمكني الخروج، لأنه لم يكن عندي شيء.
أخبرنا محمد بن أَبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أَنبأَنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أَنبأَنا عبدُ العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أبو بَكر الخلّال، قال: حدثنا زُهير بن صالح بن أَحمد بن حنبل، قال: سمعتُ أَبي يَقول: قال أَبي: خرجتُ إلى الكوفة فكنت في بيت تحت رأسي لَبِنة فحممتُ، فرجعت إلى أُمي ولم أَكن استأذنتها.
أخبرنا عبد الله بن علي، قال: أخبرنا عبد الملك السُّيُوري، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي، قال: أخبرنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أَبي حاتم، قال: حدثنا عبد الصمد بن محمد العَبّاداني، قال: سمعتُ أَحمد بن حنبل يقول: دخلتُ عَبّادان سنة ست وثمانين في العشر الأواخر من رجب، وكنت رحلت إلى المُعْتَمِرِ تلك السنة، وكان بها رجل يتكلم، قلت له: هَدَّاب.
[ ٣٠ ]
قال: نعم، وكان بها أبو الربيع وكتبتُ عنه.
أخبرنا المبارك بن أحمد الأَنصاري، قال: أخبرنا عبد الله بن أَحمد السَّمَرْقَنْدي، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن أَحمد ابن عمر المقرئ، قال: أخبرنا إسماعيل بن علي الخُطَبِي، قال: حدثنا عبد الله ابن أَحمد بن حنبل قال: سمعتُ أَبي يقول: كنتُ ربما أَردتُ البكور في الحديث فتأخذ أُمي بثيابي وتقول: حتى يؤذن الناس، أو حتى يُصبحوا. وكنت ربما بَكرت إلى مجلس أبي بكر بن عياش وغيره.
أَخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أَبي القاسم قالا: أخبرنا حَمْد بن أَحمد، قال: أخبرنا أَحمد بن عبد الله، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا أَحمد بن محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سمعت أبي يقول: كنتُ مقيمًا على يَحيى بن سعيد القَطّان، ثم خرجت إلى واسط، فسأَل يحيى بن سعيد عني، فقالوا: خرج إلى واسط. فقال: أَي شيء يصنع بواسط؟ قالوا: مقيم على يزيد بن هارون. قال: وأَي شيءٍ يصنع عند يزيد بن هارون؟! قال أَبو عبد الرحمن: أَي هو أَعلمُ منه.
بلغني عن أَبي الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي، قال: حدثني عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سمعت أبي يقول: دخلتُ البصرة خمس دَخلات، دخلتها في أَول رجب سنة ست وثمانين ومئة سمعت من المعتمر بن سليمان، ودخلت الثانية في سنة تسعين، ودخلت الثالثة في سنة أَربع وتسعين، وقد مات غُنْدَر، [وخرجتُ في سنة خمس وتسعين] فأقمت على يحيى بن سعيد
[ ٣١ ]
ستة أشهر، ودخلتُ سنة مئتين.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرني. أَبو القاسم الأَزهري، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عمر الخلَّال قال: حدثنا محمد بن أَحمد بن يعقوب بن شَيبة، حدثنا جدي، قال: سمعت إبراهيم ابن هاشم يقول: لما قَدم جريرُ بن عبد الحميد- يعني بغداد- نَزل على بني المُسيّب، فلما عبر إلى الجانب الشرقي جاءَ المد، فقلت لأحمد بن حنبل: تعبُر؟ فقال: أُمي لا تدعني، فعبرت أَنا فلزمته.
قلت: قد سمع أَحمد بن حنبل من جَرير إِلا أَنه لم يتفق له الإِكثارُ عنه، وهذا المدُّ كان في سنة ستٍ وثمانين ومئة في أيام الرشيد زادت دجلة زيادة بَينة لم يُرَ قبلها مثلها، ونزل الرشيد بأَهله وحرمه وأَمواله إلى السفن، قال أَبو علي البَرَداني: وكان السندي ابن شاهك- وشاهك هي أُمه- يلي إمارة بغداد فمنع الناس من العبور إشفاقًا عليهم.
أَخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزَّاز، قال: أخبرنا أَحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن أَحمد بن رزق، قال: أخبرنا محمد بن أحمد الصواف، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سمعت أَبي يقول: كتبنا عن سليمان بن حَرب وابن عُيَيْنة حي.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أَنبأَنا الحسن بن أَحمد، قال: أَنبأَنا الأَزهري، قال: أخبرنا القَطيعي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: خرج
[ ٣٢ ]
أَبي إلى طَرَسُوس ماشيًا على قدميه.
أَخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن الحسن بن محمد بن أَبي عثمان الدقَّاق قال: أخبرنا أَحمد بن إبراهيم ابن الحسن، قال: حدثنا عمر بن محمد بن شعيب الصابوني، قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: قدم علينا عبد الرحمن بن مهدي سنة ثمانين وأبو بكر هاهنا- يعني ابن عياش- وقد خضب، وهو ابنُ خمس وأَربعين سنة، وكنت أَراه في المسجد الجامع، ثم قدم بغداد، فأتيناه ولزمناه، وكتبت عنه هاهنا نحوًا من ستّ مئة سبع مئة، وكان في سنَة ثمانين يختلِف إلى أَبي بكر بن عياش.
أَخبرنا عبد الملك بن أَبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا جدي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن ياسين، قال: سمعتُ ابن مَنيع يقول: سمعت جدي يقول: مَرّ أحمد بن حنبل جائيًا من الكوفة، وبيده خريطة فيها كتب؛ فأَخذتُ بيده فقلت: مرة إلى الكوفة، ومرة إلى البصرة، إلى متى؟! إذا كتب الرجلُ ثلاثين أَلف حديث لم يكفه؟ فسكت، ثم قلت: ستين أَلف؟ فسكت. فقلت: مئة أَلف؟ فقال: حينئذ يعرف شيئًا. قال أحمد بن منيع: فنظرنا فإذا أَحمد كتب ثلاث مئة ألف عن بَهز بن أَسد وعفان، وأَظنه قال: وروح بن عُبادة.
أخبرنا ابن الحُصَين قال: أخبرنا ابن المُذْهب، قال: أخبرنا أحمد بن
[ ٣٣ ]
جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قال أَبي: ذهبت إلى إبراهيم بن عَقيل وكان عَسرًا لا يُوصَل إليه، فأقمت على بابه باليمن يومًا أو يومين حتى وصلت إليه، فحدثني بحديثين وكان عنده أحاديث وهب عن جابر، فلم أَقدِرْ أَن أَسمعها من عُسره، ولم يُحدثنا بها إسماعيلُ بن عبد الكريم، لأنه كان حيًا، فلم أسمعها من أَحد.
أخبرنا إسماعيل بن أَحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أَحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبو بكر بن مالك، قال: حدثني أبو بكر بن حَمدان النَّيسابوري، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أَبي إسرائيل، قال: خَرج أَبي وأَحمد بن حنبل في البحر في طلب العلم فكُسِر بهما [المركب] فَوقعا في جَزيرة فقرأا على صخرة مكتوبًا: غدًا يبين الغِنى والفقر إذا انصرف المنصرفون من بين يدي الله ﷿ إما إلى جَنةٍ وإما إِلى نار.
أَخبرنا المبارك بن أَحمد الأَنصاري، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السَّمَرْقَنْدي قال: أخبرنا أَحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن أحمد ابن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن نُعيم الضبي، قال: سمعتُ بشر بن أَحمد بن بشر المِهْرَجاني، يقول: سمعت خُشْنَام بن سَعد يقول: قلت لأَحمد ابن حنبل: أَكان يَحيى بن يحيى إمامًا؟ قال: كان يحيى بن يحيى عندي إمامًا، ولو كانت عندي نَفقة، لرحلتُ إلى يحيى بن يحيى.
[ ٣٤ ]
أَخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أَبو سعد محمد بن عبد الملك الأَسدي، قال: أَنبأَنا عُبيد الله بن أحمد بن عثمان الصَّيرفي، قال: حدثنا محمد بن أَحمد البزَّار، قال: سمعت محمد بن عَمْرُويَه، يقول: سمعتُ صالح بن أَحمد يقول: عزم أَبي على الخروج إلى مكة يقضي حجة الإسلام، ورافق يحيى ابن مَعين، وقال له: نمضي إن شاءَ الله فنقضي حجنا، ثم نمضي إلى عبد الرزاق إلى صنعاء نسمع منه. قال أَبي: فدخلنا مكة وقمنا نطوف طواف الورود، فإذا عبد الرزاق في الطواف يطوف، وكان يحيى بن مَعِين قد رآه وعرفه، فخرج عبد الرزاق لما قضى طوافه، فصلى خلفَ المقام ركعتين ثم جلس، فقضينا طوافنا وجئنا فصلينا خلف المقام ركعتين، فقام يحيى بن معين، فجاءً إلى عبد الرزاق فسلم عليه، وقال له: هذا أَحمد بن حنبل أَخوك، فقال: حياه الله وثبته، فإنه يبلّغني عنه كُلُّ جميل. قال له يحيى: تجيء إليك غدًا إن شاءَ الله حتى نسمع ونكتب. قال: وقام عبد الرزاق فانصرف فقال أبي ليحيى بن مَعِين: لم أَخذت على الشيخ موعدًا؟ قال: لنسمع منه، قد أربحك الله مسيرةَ شهر ورجوع شهر والنفقة. فقال أَبي: ما كان الله يراني وقد نويتُ نيةً لي أفسدها بما تقول، نمضي فنسمع منه. فمضى حتى سمع منه بصنعاء.
أَخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا البَرْقاني، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عمر الخلّال، قال: سمعت أَبا بكر بن أَبي شيبة، يقول: سمعت عبد الله بن أَحمد بن حنبل يقول:
[ ٣٥ ]
سمعتُ أَبي يقول: فاتني مالك، فأَخلف الله عَلَيَّ سفيان بن عُيَينة، وفاتني حماد ابن زيد، فأَخلف الله عَلَيَّ إِسماعيل ابن عُلَيَّة.
أَخبرنا عبد الملك بن أَبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم المُعَدَّل، قال: أخبرنا زاهر بن أَحمد قال: أخبرنا علي بن عبد الله بن مبشر، قال: سمعتُ أَحمد بن سنان، قال: قدم علينا أَحمد ابن حنبل مع جماعة من البغداديين إلى يزيد بن هارون، واستقرضوني كلهم وردوا، إِلا أَحمد بن حنبل لم يستقرضني، أَعطاني فروة له، فبعتُها بسبعة دراهم.
أَخبرنا أَبو بكر محمد بن الحُسين الحاجي، قال: أخبرنا أَبو الحسين بن المهتدي، قال: أخبرنا أبو أَحمد محمد بن عبد الله بن جامع، قال: حدثنا أبو علي محمد بن سعيد الحَرّاني، قال: سمعت محمد بن علي المُرّي، يقول: سمعتُ عبد الله بن الوليد الحَرّاني، يقول: سمعتُ أَحمد بن حنبل، يقول: ما رأَيتُ بالرَّقة أَفضل من فياض بن محمد بن سِنان مولى قُريش، ومنزله ملاصق مسجد الجامع، مات بالرَّقة بعد المئتين.
أخبرنا عبد الملك بن أَبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أَبو يعقوب، قال: حدثني عمار بن محمد بن مَخلد، قال: حدثنا أَبو عمرو محمد بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا صالح بن
[ ٣٦ ]
أحمد بن حنبل، قال: رأى رجل مع أَبي مِحْبَرَة، فقال له: يا أَبا عبد الله، أَنت قد بلغت هذا المبلغ، وأَنت إِمامُ المسلمين. فقال: مع المِحبرة إلى المَقْبرة.
أَنبانا محمد بن عبد الملك، قال: أنبأَنا أَحمد بن علي بن ثابت، قال: حدثنا أَبو الحسن محمد بن أَحمد الصابوني، قال: سمعتُ أَبا بكر بن خَزَّامَ يقول: سمعتُ عبد الله بن محمد البَغَوي، يقول: سمعت أَبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: أَنا أَطلب العلم إلى أَن أَدخل القبر.
أَخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا البَرْقاني، قال: رأَيت في كتاب أَحمد بن محمد بن الخلّال، حدثنا عبد الرحمن بن قريش الهروي، قال: حدثني محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: كنت أَصوغ مع أَبي ببغداد فمر بنا أَحمد بن حنبل وهو يعدو ونعلاه في يده، فأَخذ أَبي هكذا بمجامع ثوبه، فقال: يا أَبا عبد الله، أَلا تستحي، إلى متى تعدو مع هؤلاء الصبيان؟ قال: إلى الموت.
أَخبرنا إسماعيل بن أَحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أَنبأَنا حَمْد بن أَحمد، قال: أخبرنا أَحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أَبي، قال: حدثنا أَحمد ابن محمد بن عمر، قال: أملى عليَّ عبد الله بن أحمد من حفظه، قال: نَزلنا بمكة دارًا وكان فيها شيخ يكني بأَبي بكر بن سَماعة- وكان من أهل مكة-
[ ٣٧ ]
قال: نزل علينا أَبو عبد الله في هذه الدار وأَنا غلام، فقال لي أُمي: الزم هذا الرجل فاخدمه فإنه رجل صالح، فكنت أَخدمه. وكان يخرج يطلب الحديث، فَسُرق متاعُه وقماشه، فجاءَ، فقالت له أُمي: دخل عليك السُّرّاق، فسرقوا قماشك. فقال: ما فعلتِ الأَلواح؟ فقالت له أُمي: في الطاق. وما سأل عن شيءٍ غيرها.
قال أَحمد بن محمد، وحدثنا عبد الله بن أَحمد قال: خرج أَبي إلى طَرَسُوس ماشيًا، وخرج إلى اليمن ماشيًا.
قال عبد الله: وقال أُبي: ما كتبنا عن عبد الرزاق من حفظه شيئًا إلا المجلسَ الأَول، وذلك أَنا دخلنا بالليل، فوجدناه في موضع جالسًا، فأَملى علينا سبعين حديثًا، ثم التفت إلى القوم، فقال: لولا هذا ما حدَّثْتكم- يعني أبي-.
أخبرنا إسماعيل بن أَحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْدُ بن أَحمد، قال: حدثنا أَحمد بن عبد الله، قال: حدثنا سليمان بن أَحمد، قال: حدثنا عبد الله بن أَحمد بن حنبل، قال: حدثني أَحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي، قال: لما قدم أَحمد بن حنبل مكة من عند عبد الرزاق، رأيتُ به شُحوبًا، وقد تبيَّن عليه أَثر النَّصَبِ والتعب، فقلت: يا أَبا عبد الله، لقد شققتَ على نفسك في خروجك إلى عبد الرزاق، فقال: ما أَهون المشقةَ فيما استفدنا من عبد الرزاق، كتبنا عنه حديث الزُّهْري عن سالم بن عبد الله عن أَبيه، وحديثَ الزهري عن سعيد بن المسيّب عن أَبي هريرة.
[ ٣٨ ]
أَنبانا ابن ناصر، قال: أخبرنا يحيى بن عبد الوهَّاب بن مَنْدَه، قال: أخبرنا عبد الكريم المليحي الهروي في كتابه، أن إسحاق بن إبراهيم الحافظ حدثهم قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين قال: أخبرنا أبو أَحمد الشامي، قال: أخبرنا أَبو بكر بن الخلال، قال: سمعت أَحمد بن حنبل، يقول: كنتُ أحفظ القرآن، فلما طلبت الحديث اشتغلتُ- فقلت: متى- فسأَلت الله ﷿ أَن يمنَّ عليّ بحفظه ولم أقل: في عافية، فما حفظته إلا في السجن والقيود، فإذا سأَلت الله حاجة فتقول: في عافية.
[ ٣٩ ]