في ذكر زهده
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم المعدّل، قال: أخبرنا علي بن محمد الرزيني، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن ياسين، قال: حدثنا محمد بن أحمد ابن العلاء الصرَّام، قال: سمعت سليمان بن الأشعث، يقول: ما رأيت أحمد ابن حنبل ذكر الدنيا قط.
أخبرنا عبد الملك، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا أبو القاسم بن سعيد، قال: حدثنا عثمان بن أحمد بن جعفر، قال: حدثنا محمد ابن مخلد، قال: حدثني أبو حفص عُمر بن سليمان المؤدب، قال: صليت مع أحمد بن حنبل التراويح وكان يصلي به ابن عمير، فلما أوتر رفع يديه إلى ثدييه، وما سمعنا من دعائه شيئًا ولا من كان في المسجد، وكان فيه سراج على الدرجة لم يكن فيه قنديل ولا حصير ولا خلوق.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو الحسن بن أبان، قال: حدثنا محمد بن أحمد المروزي، قال: سمعت إبراهيم بن مته السمرقندي، يقول: سألت أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن عن أحمد بن
[ ٣٢٩ ]
حنبل، قلت: هو إمام؟ قال: إي والله، إن أحمد صبر على الفقر سبعين سنة.
أخبرنا إسماعيل ومحمد، قالا: أخبرنا حمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا علي بن أحمد، والحسن بن محمد، قالا: حدثنا محمد ابن إسماعيل، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قلت لأبي: بلغني أن أحمد الدورقي أعطى ألف دينار، فقال: يا بني (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى). وذكرت له ابن أبي شيبة، وعبد الأعلى النرسي، ومن قدم به إلى العسكر من المحدثين، فقال: إنما كانت أيامًا قلائل، ثم تلاحقوا، وما نحلوا منها بكثير شيءٍ. وذُكر عنده يومًا رجل فقال: يا بني، الفائز من فاز غدًا ولم يكن لأحد عنده تبعة.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخلال، قال: أخبرني عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبو جعفر القطان - ويعرف بابن أبي القدور - قال: كان أيام الغلاء يجيئني أبو عبد الله بغزل ويستره أبيعه له، فكنت ربما بعته بدرهم ونصف، وربما بعته بدرهمين، فتخلف يومًا فلما جاء قلت: يا أبا عبد الله، لم تجئ الأمس، فقال: أم صالح اعتلّت. ودفع إليّ غزلًا بأربعة دراهم، فجئت بها، فأنكر ذلك، وقال: لعلك زدت فيه من عندك؟ قلت: لا، ما زدت فيه من عندي؛ كان غزلًا دقيقًا.
[ ٣٣٠ ]
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مردك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد قال: قال أبي: كانت والدتك في الغلاء تغزل غزلًا دقيقًا، فتبيع الإستار بدرهمين - أقل أو أكثر - فكان ذلك قوتنا.
قال صالح: ودخل أبي يومًا إلى منزلي، وقد غيرنا سقفًا لنا، فدعاني ثم أملى علي، فقال: حدثني سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن، قال: قدم الأحنف بن قيس من سفر وقد غيروا سقف بيته، حمّروا شقاشق وخضّروها قال: فقالوا له: أما ترى إلى سقف بيتك؟ فقال: معذرة إليكم إني لم أره، لا أدخله حتى تغيروه.
قال صالح: واشتريت جارية، فشكت إليه أهلي، فقال: قد كنت أكره لهم الدنيا، وكان بلغني عنك الشيء، فقالت له: يا عم، ومن يكره الدنيا غيرك؟ قال لها: فشأنك إذن.
قال صالح: وكنا ربما اشترينا الشيء فنستره عنه كي لا يراه فيوبّخنا على ذلك.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلال، قال: أخبرني أبو بكر المروذي، قال: رأيت أحمد بن عيسى
[ ٣٣١ ]
المصري ومعه قوم من المحدّثين دخلوا على أبي عبد الله ونحن بالعسكر، فقال له أحمد بن عيسى: ما هذا الغم يا أبا عبد الله؟ الإسلام حنيفية سمحة، بيتٌ واسع. فنظر إليهم وكان مُضطجعًا، فلما خرجوا قال لي: انظر إلى هؤلاء، ما أريد أن يدخل عليّ منهم أحد.
قال الخلال: وأخبرنا محمد بن علي السمسار، قال: حدثني إسحاق بن هانئ النيسابوري، قال: قال لي أبو عبد الله: بكر يومًا حتى تعارضني بشيءٍ من "الزهد"، فبكرت إليه، وقلت لأم ولده: أعطني حصيرًا ومخدة، فبسطته في الدهليز. فخرج أبو عبد الله ومعه الكتب والمحبرة، فنظر إلى الحصير والمخدة، فقال: ما هذا؟ فقلت: لتجلس عليه، فقال: ارفعه، الزهد لا يحسن إلا بالزهد، فرفعته وجلس على التراب.
قال الخلال: وأخبرنا محمد بن علي السمسار، قال: سمعت السري بن محمد - خال ولد صالح - قال: جاء أحمد بن صالح يوضئ أبا عبد الله يومًا، وقد بلّ أبو عبد الله خرقة فألقاها على رأسه، فقال له أحمد بن صالح: يا جدي، أنت محموم؟ قال أبو عبد الله: وأنّى لي بالحمى.
قال الخلال: وأخبرني يوسف بن الضحاك، قال: حدثني ابن جبلة، قال: كنت على باب أحمد بن حنبل والباب مجافٌ، وأم ولده تكلمه وتقول له: أنا معك في ضيق، منزل صالح يأكلون ويفعلون ويفعلون؛ وهو يقول: قولي خيرًا. وخرج الصبي معه فبكى، فقال له: أيّ شيء تريد؟ فقال: زبيب،
[ ٣٣٢ ]
قال: اذهب فخذ من البقال بحبة.
قال الخلال: وأخبرني محمد بن علي الورّاق، قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن هانئ، قال: سمعت أبي يقول: قال لي أبو عبد الله عند رجوعه من العسكر: تذهب إلى صاحب الحمّام فتقول له حتى يُخلي الحمام، فصرت إلى الحمامي، فقلت له، فأخلاه له، فأتيت أبا عبد الله فأخبرته بأنه قد أخلى الحمام، فقال أبو عبد الله: هذه خمسون سنة لم أدخل الحمام؛ يجوز أيضًا أن لا أدخل الساعة؛ قل له يطلقه للناس؛ فأتيت الحمامي فأطلقه للناس.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مردك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: كان أبي يتنوّر في البيت، فقال لي في يوم شتوي: أريد أن أدخل الحمام بعد المغرب، فقل لصاحب الحمام، فلما كان المغرب، قال: ابعث إليه أني قد أضربت عن الدخول، وتنوّر في البيت.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد.
وأخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أبو علي بن البناء، قال: أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا القطيعي، قالا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: كنت جالسًا عند أبي يومًا، فنظر إلى رجليّ وهما لينتان ليس فيهما
[ ٣٣٣ ]
شقاق، فقال لي: ما هذه الرجلان؟ لم لا تمشي حافيًا حتى تصير رجلاك خشنتين؟
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط، قال: أخبرنا محمد بن أبي الفوارس، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، قال: حدثنا أبو بكر المروذي، قال: سمعت أبا عبد الله يقول لشجاع ابن مخلد العطار: يا أبا الفضل، إنما هو طعامٌ دون طعام، ولباسٌ دون لباس، وإنها أيام قلائل.
أخبرنا عمر بن ظفر، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي الأزجي، قال: أخبرنا علي بن عبد الله بن جهضم، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى، قال: حدثنا محمد بن الحسن، قال: حدثني أبو بكر المروذي، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أسرُّ أيامي إليَّ يوم أصبح وليس عندي شيء.
[ ٣٣٤ ]