في ذكر كلامه فيمن أجابَ في المِحنة
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا البَرْقاني، قال: أخبرنا يعقوب بن موسى الأرْدُبيلي، قال: حدثنا أحمد بن طاهر بن النَّجم، قال: حدثنا سَعيد بن عمرو البَرْدعي، قال: سمعتُ أبا زُرْعة - وهو الرازي -يقول: كان أحمد بن حنبل لا يَرى الكِتابة عن أبي نَصر التَّمار، ولا يَحيى بن مَعين، ولا أحد ممن امتُحِن فأجاب، قال البَرْقاني: وأخبرنا الحُسين بن علي التميمي، قال: حدثنا أبوعَوَانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني، قال: سمعتُ الميموني، يقول: صَحَّ عندي أنه لم يَحضر أبا نَصر التمار حين ماتَ - يعني أحمد بن حنبل- فحسبتُ أن ذلك لما كان أجابَ في المِحنة.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرني محمد بن محمد بن محمود، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الغُنْجاري، قال: أخبرنا محمد بن العباس العُصْمِي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن ياسين، قال: أخبرنا أحمد بن محمود بن مُقاتل، قال: سمعت زكريا بن يحيى اسِّجْزي، يقول: سمعتُ حَجّاج بن الشاعر، يقول: سمعتُ أحمد بن حنبل،
[ ٥٢٢ ]
يقول: لو حَدَّثت عن أحد ممن أجابَ لحدثتُ عن اثنين: أبي مَعْمَر وأبي كُرَيْب.
قلت: أبو مَعمر اسمه إسماعيل بن إبراهيم الهُذَلي أجاب كرهًا. ثم نَدم وأخذ يذمّ نفسه على إجابته، ويمدح من لم يُجب ويَغبِطهم، وأما أبو كريب فاسمه محمد بن العلاء، وكانوا قد أجروا له بعد أن أجاب دينارين، فعلم أنهم إنما أجروها لإجابته، فتركهما وهو مُحتاج إليهما.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرني محمد بن المنتصر، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي الفَضل، قال: حدثنا أبو إسحاق الأنصاري، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: جاءَ الحِزامي إلى أبي - وقد كان ذهب إلى ابن أبي دُؤاد - فلما خرج إليه ورآه، أغلق الباب في وَجهه ودخل.
قلت: وكذلك فَعل بأبي خَيْثمة، فإنه جاءَ فَطرق عليه الباب، فلما خرج فرآه، أغلق الباب، ورجع مغضبًا يتكلم هو ونفسه بكلمات سمعها أبو خَيثمة فلم يعد إليه، وعاد يَحيى بن مَعين في مرضه، فولاّه هره، وأمسكَ عن كلامه حتى قامَ عنه وهو يتأفف، ويقول: بعد الصُّحبة الطويلة لا أكَلَّم.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: وجدتُ بخط أبي: أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن أحمد بن يعقوب الحربي، قال: سمعت أبا الفَرج الهندبائي، يقول: سمعتُ أبا بكر المرُّوذي، يقول: جاءَ يَحيى بن مَعِين، فدخل على أحمد ابن حنبل وهو مَريض، فسلّم فلم يرد ﵇، وكان أحمد قد حَلف بالعهد
[ ٥٢٣ ]
لا يكلّم أحدًا ممن أجاب حتى يلقى الله ﷿، فما زال يَحيى يعتذر، ويقول: حديث عمّار، وقال الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾، فقلب أحمد وجهه إلى الجانب الآخر، فقال يحيى: أُف، وقام وقال: لايقبل لنا عذرًا، فخرجتُ بعده وهو جالس على الباب، فقال: أيّ شيءٍ قال أحمدُ بعدي؟ قلتُ: يحتجُّ بحديث عمار! وحديث عمار: "مَررتُ وهم يَسبّونَك فَنهَيتُهم فَضَربوني" وأنتم قيلَ لكم: نُريد أن نَضربكم. فسمعت يحيى يقول: مُر يا أحمد، غَفر الله لكَ، فما رأيِتُ والله تحت أديم سماءِ الله أفقه في دين الله مِنك.
[ ٥٢٤ ]
فصل
فإن قال قائل: إذا ثبتَ أن القوم أجابوا مُكرهين فقد استعملوا الجائز، فلمَ هَجرهم أحمد؟ فالجوابُ من ثلاثة أوجه
أحدها: أنَّ القوم تُوعِّدوا ولم يُضربوا فأجابوا، والتواعد ليس بإكراه، وقد بان هذا بما ذكرناه من حديث يَحيى بن مَعِين.
والثاني: أنه هجرهم على وجه التأديب، ليعلم العوام تعظيم القول الذي أجابوا عليه، فيكون ذل حفظًا لهم من الزَّيغ.
والثالث: أن مُعظم القوم لما أجابوا قَبلوا الأموال وترددوا إلى القوم وتقربوا إليهم، فَفعلوا ما لا يجوز، فلهذا استحقوا الذمَّ والهجر.
أخبرنا محمدبن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بَكر أحمد بن محمد الخلاّل، قال: أخبرني محمد بن الحُسين، أن أبا بكر المرُّوذي حدثهم، قال: دخلنا العسكر إلى أن خرجنا ما ذاقَ أبو عبدالله طَبيخًا ولا دسمًا، وقال: كم تَمتَّع أولئك - يعني ابن أبي شَيْبَة وابن المَدِيني وعَبد الأعلى - إني لأعجب من حِرصهم على الدنيا، فكيفَ يطوفون على أبوابهم؟
ومن أقبح ما نُقل عن ابن المديني، أنه روى لابن أبي دُؤاد حديثًا عن الوَليد ابن مسلم كان الوليد أخطأ في لفظةٍ منه، فذكره لهم على الخطأِ ليَقوى به احتجاجهم، فكان ذلك مما أنكره عليه أحمد.
[ ٥٢٥ ]
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه، قال: أخبرنا عيسى بن حامد القاضي، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الصَّيْدلاني، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل، إن علي بن المَدِيني يُحدث عن الوَليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزُّهري، عن أنس عن عُمر: كِلُوه إلى خَالِقهِ. فقال أبو عبد الله: كذب. حدَّثنا الوليد بن مسلم ما هو هكذا، إنما هو: كِلُوهُ إلى عَالِمه. وقال أحمد: قد عَلم علي بن المديني أن الوليد أخطأَ فيه، فَلِمَ أراد أن يُحدثهم به يُعطيهم الخَطأَ؟ فكذَّبه أبو عبدالله.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القَزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرني الحُسين بن علي الصَّيْمَري، قال: حدثنا محمد بن عمران المَرْزُبَاني، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا الحُسين بن قَهْم، قال: حدثنا أبي، قال: قال ابنُ أبي دُؤاد للمعتصم: يا أمير المؤمنين، هذا يَزعم - يعني أحمد بن حنبل- أن الله تعالى يُرى في الآخرة، والعَين لا تَقع إلا على محدود. فقال ل المعتصم: ما عندك في هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، عندي ما قاله رسول الله ﷺ، قال: وما قال ﵇؟ قال: حدثنا محمد
[ ٥٢٦ ]
ابن جَعفر غُنْدَر، قال: حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قَيس بن أبي حازم، عن جَرير بن عبد الله البَجَلي، قال: كُنا مع النبي ﷺ في ليلة أربع عشرة من الشهر؛ فنظر إلى البدر فقال: "أما إنّكُم سَتَرونَ ربّكُم ما تَرَونَ هذا البَدْرَ لا تُضامونَ في رُؤيتِه". فقال لأحمد بن أبي دؤاد: ما عندك في هذا؟ فقال: أنظُر في إسناد هذا الحديث. وكان هذا في أول يوم، ثم انصرف فوجه ابنُ أبي دؤاد إلى علي بن المديني وهو ببغداد مُملِقٌ لا يقدر على درهم، فأحضره فما كلَّمه بشيءٍ حتى وصله بعشرة آلاف درهم، وقال له: هذه وَصَلك بها أمير المؤمنين، وأمر أن يدفع إليه جميع ما استحق من أرزاقه، وكان له رزق سنتين، ثم قال له: يا أبا الحسن، حديث جَرير بن عبد الله في الرّؤية ما هو؟ قال: صَحيح، قال: فهل عندك فيه شيء؟ قال: يُعفيني القاضي من هذا، فقال: يا أبا الحسن، هو حاجة الدَّهر، ثم أمر له بثياب وطيب ومَركب بسَرجه ولِجامه، ولم يَزل حتى قال له: في هذا الإسناد من لا يُعتمد عليه، ولا على ما يَرويه، وهو قَيسُ بن أبي حازم، إنما كان أعرابيًّا، بَوّالًا على عَقبيه، فقام ابنُ أبي دُؤاد إلى علي بن المديني فاعتَنقه، فلما كان من الغد وحَضروا، قال ابنُ أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، يَحتج في الرؤية بحديث جَرير، وإنما رواه عنه قيس ابن أبي حازم وهو أعرابي بَوّال على عَقبيه. قال: فقال أحمد بن حنبل: فعلمت أنه من عمل علي بن المديني.
[ ٥٢٧ ]
قلت: وهذا إن صحَّ عن ابن المديني فهو أمر عظيم، لأنه إقدام منه على ما يعلم خلافه، فإن قَيس بن أبي حازم من كبار التابعين كلّهم من أدرك العشرة المقدمين وروى عنهم غيره، كذلك يقول أكثر أهل العلم، وقال أبوداود سُليمان بن الأشعث: رَوى عن تسعة من العَشرة ولم يَرو عن عبد الرحمن ابن عوف، وقد روى عن خَلق كثير من الصحابة، ولم يَعِبه أحدٌ بشيءٍ، ومَن فَعل مثل هذا يَستحق الهَجر.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أحمد بن علي الرزاز، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الشافعي، قال: قيل لإبراهيم الحربي: لم لا تُحدث عن علي بن المديني؟ فقال: لقيته يَومًا وبيده نَعله، وثيابه في فمه، فقلتُ: إلى أين؟ فقال: ألحقُ الصلاة خَلف أبي عبدالله، فظننتُ أنه يَعني أحمد بن حنبل، فقلت: من أبو عبد الله؟ فقال: أبو عبد الله بن أبي دُؤاد. فقلتُ: والله لا حدَّثتُ عنكَ بحرف.
أخبرنا عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا العَتيقي، قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا سليمان بن إسحاق الجلاب،
[ ٥٢٨ ]
قال: قال إبراهيم الحربي: كانَ علي بن المديني إذا رأى في كتاب حديثًا عن أحمد، قال: اضرب على ذا ليرضى به ابن أبي دُؤاد.
أخبرنا المحمدان: ابن أبي منصور وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أحمد بن جعفر ابن سَلْم قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار، قال: حدثنا يحيى بن عثمان الحَربي، قال: سمعتُ بشر بن الحارث، يقول: وَددت أنّ رؤوسهم خُضبت بدِمائهم وأنهم لم يُجيبوا.
[ ٥٢٩ ]