فى ذكر قِصته مع المأمون
قال العُلماء بالسِّير: كَتب المأمون وهو بالرَّقة إلى إسحاق بن إبراهيم - وهو صاحب الشرطة ببغداد - بامتحانِ الناس فامتَحنَهم.
أخبرنا المحمَّدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقى، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيم أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن جَعفر، وعلى بن أحمد، قالا: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد.
وأخبرنا هِبة الله بن الحسين بن الحاسب، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن البَنّا، قال: أخبرنا أبو الفتح بن أبى الفَوارس، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سَلْم، قال: حدثنا عمر بن محمد بن عيسى الجَوهرى، قالا: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: سمعتُ أبى، يقول: لما أُدخلنا على إسحاق بن إبراهيم للمِحنة، قُرئ علينا كتابُ الذى صار إلى طَرَسوس - يعنى المأمون - فكانَ فيما قُرئ علينا: (ليسَ كمِثلهِ شَىء)، وهو خالق كل
[ ٤١٩ ]
شىء، فقلت: (وهو السميعُ البَصير).
قال صالح: ثم امتحن القوم، فوجه بمن امتنع إلى الحبس، فأجاب القومُ جميعًا غير أربعة: أبى، ومحمد بن نوح، وعُبيد الله بن عمر القَواريرى، والحَسن بن حماد، سَجّادة. ثم أجاب عُبيد الله بن عمر، والحَسن بن حماد، وبَقى أبى ومُحمد بن نوح فى الحبس، فمَكثا أيامًا فى الحَبس، ثم ورد الكتاب من طَرسوس بحملهما، فحُملا مُقيدين زَميلين.
أخبرنا المحمدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقى، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد.
وأخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أبو على الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا على بن أحمد بن عمر الحَمّامى قال: أخبرنا ابن الصواف، قالا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنى أبو مَعْمَر القَطيعى، قال: لما حَضرنا فى دار السلطان أيامَ المحنة، وكان أبو عبد الله أحمد بن حنبل قد أُحضِر، وكان رجلًا لَيّنًا، فلما رأى الناسَ يُجيبون انتفَخت أوداجُه، واحمَّرت عَيناه، وذهبَ ذلك اللِّينُ الذى كان فيه، فقلتُ: إنه قَد غضب لله. قال أبو مَعْمَر: فلما رأيتُ ما به، قلتُ: يا أبا عبد الله، أبشر؛ حدثنا محمد بن
[ ٤٢٠ ]
فُضيل بن غزوان، عن الوليد بن عبد الله بن جُمَيع، عن أبى سَلَمَةَ بن عبد الرحمن بن عوف، قال: كان من أصحاب النبى ﷺ: مَن إذا أريد على شىءٍ من دينهِ رأيتَ حَماليق عَينيه فى رأسه تَدور كأنه مَجنون.
أخبرنا عبد الملك بن أبى القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: أخبرنا الحسين بن محمد بن سعيد الخَفّاف، قال: سمعتُ ابن أبى أسامة، يقول: حُكى لنا: أن أحمد بن حنبل قيل له أيام المحنة: يا أبا عبد الله، ألا ترى الحقَّ كيف ظَهر عليه الباطل؟ فقال: كَلّا، إن ظهور الباطل على الحق أن تَنتقل القلوب من الهُدى إلى الضَّلالة، وقلوبنا بَعد لازمةٌ للحق.
أخبرنا هِبة الله بن الحُسين بن الحاسب، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن البَنّا، قال: أخبرنا أبو الفتح بن أبى الفَوارس، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن جَعفر بن سَلْم، قال: حدثنا عمر بن محمد بن عيسى الجَوهرى. وأخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا أبو إسحاق البَرْمَكى، قال: أخبرنا على بن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبى حاتم قالا: حدثنا صالح ابن أحمد، قال: حُمِل أبى ومُحمد بن نوح مقَيَّدين، فصِرنا مَعهما إلى الأنبار، فسأل أبو بكر الأولُ أبى، فقال: يا أبا عبد الله، إن عُرضتَ على السيف تُجيب؟ قال: لا. ثم سُيِّرا، قال: فسمعتُ أبى يقول: لما صرنا إلى الرَّحبة ورحلنا منها - وذلك فى جَوف الليل - عَرض لنا رجل، فقال: أيَكم
[ ٤٢١ ]
أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا، فقال للجمَّال: على رِسْلِك، ثم قال: يا هذا، ما عليكَ أن تُقتل ها هنا، وتَدخل الجنة ها هنا، ثم قال: أستودعك الله، ومَضى. قال أبى: فسألتُ عنه، فقيل لى: هذا رَجل من العرب من رَبيعة، يَعمل الِّعر فى البادية، يُقال له: جابر بن عامر، يُذْكَر بخير.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد بن جعفر، قال: أخبرنا أبو عُمر بن حَيّويه، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المُّروذى، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد المروّزى عن صالح بن أحمد فى حديث المحنة، قال: لما رّحلنا إلى طَرسوس للمحنة، قال أبى: لما نزلنا الرَّحبة ورحلنا منها فى جوف الليل، عَرض لى رجل، فقال: أيّكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا، فسلَّم على، ثم قال: يا هذا، ما عليكَ أن تُقتل ها هنا وتَدخل الجنة، ثم سلّم وانصرف. فقلت: من هذا؟ فقيل لى: رجلٌ من العرب من رَبيعة، يقول الشِّعر بالبادية، يُقال له: جابر بن عامر.
قال المروزى: وحدثنا المَعْمَرى، عن أحمد بن أبى الحَوارى، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله، قال: قال أحمدُ بن حنبل: ما سمعتُ كلمة منذ وَقعتُ فى الأمر الذى وقعتُ فيه، أقوى من كلمةِ أعرابى كلَّمنى بها فى رَحبة طَوق، قال لى: يا أحمد، إن يَقتلك الحقُّ متَّ شهيدًا، وإن عشتَ عشتَ حميدًا، قال: فَقّوى قلبى.
[ ٤٢٢ ]
أخبرنا محمد بن أبى منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عُمر، قال: أخبرنا على بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبى حاتم، قال: حدثنا أبى، قال: أحدثنا أحمد بن أبى الحَوارى عن بعض أصحابه. قال: قال أحمد بن حنبل: ما سمعتُ كلمةً كانت أوقعَ فى قلبى من كلمةٍ سمعتها من أعرابى فى رَحبةِ طَوق، قال لى: يا أحمد، إن قَتلك الحقُّ متَّ شهيدًا، وإن عشتَ عشتَ حميدًا. قال ابن أبى حاتم: قال أبى: فكانَ كما قال؛ لقد رَفع الله ﷿ شأن أحمد بن حنبل بعد ما امتُحِن، وعَظُم عند الناس وارتَفع أمره جدَّا.
قلتُ: وقد بلغنا عن الشافعى - ﵁ - أنه رأى رسولَ الله ﷺ، فى المنام يُخبره بما سَيلقى أحمد من الامتحان فى خَلق القرآن، ويأمره أن يُعلم أحمد بذلك، وسيأتى هذا مُسندًا فى باب المنامات التى رئيت لأحمد بن حنبل.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا أحمد بن أبى سَعد النَّيسابورى، قال: سمعتُ عبد الله بن يوسف، يقول: سمعتُ أبا العباس الأصم، يقول: سمعتُ العباس بن مُحمد الدُّورى، يقول: سمعتُ أبا جعفر الأنبارى، يقول: لما حُمِل أحمد بن حنبل المأمون أخبِرت، فعبرتُ الفراتَ فإذا هو جالسٌ فى الخان، فسلمتُ عليه، فقال: يا أبا جَعفر، تعنَّيت. فقلتُ: ليسَ هذا عناء، وقلتُ له: أنت اليومَ رأسٌ والناسُ يقتدون بك، فوالله لَئِن أجيتَ إلى خلق القرآن، ليُجِبَينَّ بإجابتك خلقٌ كثير من خلق الله، وإن
[ ٤٢٣ ]
أنتَ لم تُجِب؛ لَيمتنعنَّ خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، ولابد من الموت، فاتَّق الله ولا تُجبهم إلى شىءٍ، فَجعل أحمدُ يبكى ويقول: ما شاء الله، ما شاءَ الله، ثم قال لى أحمدُ: يا أبا جَعفر، أعِد علىَّ ما قلتَ. فأعدتُ عليه، فجعلَ يقول: ما شاءَ الله، ما شاءَ الله.
أخبرنا المُحمدان: ابن أبى منصور، وابن أبى القاسم، قالا: أخبرنا أبو الفضل حَمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن جَعفر، وعلى بن أحمد، قالا: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد. (ح) وأخبرنا هِبة الله بن الحسين بن الحاسب، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن البَنّا، قال: أخبرنا أبو الفَتح بن أبى الفَوارس، قال: حدثنا أحمد بن جَعفر بن سَلْم، قال: حدثنا عمر بن عيسى الجَوهرى، قالا: حدثنا صالح بن أحمد، قال: قال أبى: لما صِرنا إلى أَذَنَة ورحلنا منها - وذلك فى جوف الليل - وفُتح لنا بابها، فإذا رجل قد دخل، وقال: البُشرى! قد ماتَ الرجل. قال أبى: وكنتُ أدعو الله أن لا أراه.
أخبرنا عبد الملك الكَرُخى، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: حدثنا أبو على بن أبى بكر المروزى، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحسن بن على البُخارى، قال: سمعت محمد بن إبراهيم البُوشَنْجى، يقول: سمعتُ أحمد بن حنبل، يقول: دعوتُ ربى ثَلاث
[ ٤٢٤ ]
دَعوات، فتبيَّنتُ الإجابة فى ثِنتين؛ دَعوته أن لا يجمع بينى وبين المأمون، ودَعوته أن لا أرى المتوكّل، فلم أر المأمون، مات بالبَذَنْدُون - وهو نهر الروم - وأحمد مَحبوس بالرَّقَّة، حتى بويع المعتصم بالروم ورجع، فرَّد أحمد إلى بغداد فى سَنة ثمان عشرة ومئتين، والمعتصم امتَحنه، فأما المتوكل، فإنه لما أحضر أحمد دارَ الخلافة ليحدّث ولدَه، قَعد له المتوكل فى خَوخة، حتى نَظر إلى أحمد ولم يَره أحمد.
أخبرنا محمد بن أبى منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر، قال: أخبرنا على بن عبد العزيز، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبى حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: لما صار أبى ومحمد بن نوح إلى طَرسوس، رُدَّا فى أقيادِهما، فلما صارا إلى الرقّة حُمِلا فى سَفينة، فلما وَصلا إلى عانات توفى مُحمد بن نوح؛ فأُطلق عنه قيدُه، وصَلّى عليه أبى.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: حدثنا عثمان بن أحمد الدقّاق، قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل
[ ٤٢٥ ]
يقول: ما رأيتُ أحدًا على حَداثةِ سنِّه، وقلّة عِلمه، أقومَ بأمر الله من مُحمد بن نوح، وإنى لأرجو أن يكون الله قد خَتم له بخير، قال لى ذات يوم وأنا مَعه خِلوَين: يا أبا عبد الله، الله الله، إنَّك لستَ مثلى، أنتَ رجلٌ يُقتَدَى بك، وقد مَدّ الخلقُ أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتَّق الله واثُبت لأمر الله - أو نحو هذا من الكلام - فعجبتُ من تَقويته لى؛ ومَوعظته إياى؛ فانظر بما خُتم له، مَرض وصار إلى بعض الطريق فَمات، فصليتُ عليه ودَفنته - أظنه قال: بعانة - قال أحمد بن على بن ثابت: وكانت وفاته سَنة ثمان عشرة ومئتين.
[ ٤٢٦ ]