في ذكر ابتداء المحنة وسبَبها
لم يزل الناس على قانون السلف وقولهم: إن القرآن كلام الله غير مَخلوق، حتى نَبغت المعتزلة فقالت بخلق القرآن، وكانت تَستر ذلك، وكان القانون مَحفوظًا في زمن الرشيد، فأخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدّقّاق، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن سُليمان النجّاد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّورقي، قال: حدثني محمد بن نوح، قال: سمعت هارون أمير المؤمنين يقول: بَلغني أن بشرًا المريسي زعم أن القرآن مخلوق، ولله عليّ إن أظفرني به لأقلنّه قِتلةً ما قتلتُها أحدًا قطّ.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: حدثنا يحيى بن عمّار بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم ابن جناح الأصمّ، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سهل، قال: حدثنا إبراهيم
[ ٤١٦ ]
ابن إسحاق الأنصارى، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّورقى قال: سمعتُ محمد بن نوح يُحدِّث عن المسعودى قاضى بَغداد، قال: سمعتُ هارون الرشيد، يقول: بَلغنى أن بشر بن غِياث يقول: القُرآن مخلوق، وللهِ علىّ لئن أظفرنى به لأقتلنه قِتلة ما قَتلتُها أحدًا.
قال أحمد: فكان بشرٌ متواريًا أيامَ هارون نحوًا من عِشرين سَنة حتى ماتَ هارون، فظهر ودَعا إلى الضَّلالة، وكانَ من المِحنة ما كان.
قلت: فلما تُوفى الرشيدُ كان الأمر كذلك فى زمن الأمين، فلما ولى المأمون خالَطه قومٌ من المعتزلة فحسَّنوا له القولَ بخلق القرآن، وكان يتردّد فى حمل الناسِ على ذلك، ويراقب بقايا الأشياخ، ثم قَوى عزمه على ذلك فحَمل الناس عليه.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت، قال: أخبرنا القاضى أبو بكر أحمد بن الحسن الحِيرى، وأبو سَعيد محمد بن موسى الصَّيرفى، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يَعقوب الأصم، قال: حدثنا يحيى بن أبى طالب، قال: أخبرنى الحسن بن شاذان الواسطى، قال: حدثنى ابن عَرْعَرة، قال: حدثنى ابن أكثم، قال: قال لنا المأمون: لولا مَكان يَزيد بن هارون، لأظهرتُ أن القرآن مَخلوق. فقال بعضُ جُلساته: يا أمير المؤمنين، ومَن يَزيد حتى يكون يُتَّقى؟ قال: فقال: وَيحك! إنى أخاف إن أظهرته فيردّ علىّ، فيختلف الناس وتَكون فِتنة، وأنا أكره الفِتنة، قال: فقال الرجل: فأنا أخبُرُ ذلك منه، فقال له: نعم. فخرج إلى واسط، فجاء إلى يزيد، فدخل عليه المسجد وجلس إليه، فقال له: يا أبا خالد، إن أمير
[ ٤١٧ ]
المؤمنين يُقرئك السلام، ويقول لك: إنى أُريدُ أن أظهر أن القرآن مخلوق، قال: فقال: كذبتَ على أمير المؤمنين، أمير المؤمنين لا يَحمل الناس على ما لا يعرفونه، فإن كنتُ صادقًا فاقعُد إلى المجلس، فإذا اجتَمع الناس فقُل. قال: فلما أن كان الغَد اجتمع الناس، فقام فقال: يا أبا خالد - رضى الله عنك - إن أمير المؤمنين يُقرئك السلام، ويقول لك: إنى أردتُ أن أظهر أن القرآن مخلوق، فما عندك فى ذلك؟ قال: كذبتَ على أمير المؤمنين، أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه، وما لم يَقل به أحد. قال: فقدم، فقال: يا أمير المؤمنين كُنتَ أعلم، كان من القِصة كيتَ وكيتَ، فقال له: وَيحكَ تَلعَّبَ بك!
[ ٤١٨ ]