في ذكر تلقّى المشايخ إياه بعد انقضاء المحنة ودُعائهم له
أخبرنا إسماعيل بن أحمد السَّمَرْقَنْدي، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: حدثنا أبو نُعَيْم الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا مُهَنًَّا بن يحيى قال: رأيتُ يعقوبَ بن إبراهيم بن سَعد الزهري حينَ أخرج أحمدُ من الحبس، وهو يقبل جبهة أحمد وَوَجهه، ورأيتُ سليمان بن داود الهاشمي يُقبل جبهة أحمد ورأسه.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: حدثنا أبو يعقوب الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الفضل، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الصرّام، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، قال: حدثني الحسن بن عبد العزيز الجَروي. قال: قلت للحارث ابن مسكين: إن هذا الرجل- أعني أحمد بن حنبل - قد ضُرب، فاذهب بنا إليه، فذهبتُ أنا وهو، فدخلنا عليه حِدْثان ضربه. فقال لنا: ضُربت
[ ٤٦١ ]
فسقطتُ وسمعت ذاك - يعني ابن أبي دُؤاد - يقول يا أميرَ المؤمنين، هو والله ضالٌّ مضلٌّ. فقال له الحارث: أخبرني يوسف بن عمر بن يزيد، عن مالك ابن أنس: أن الزُّهري سُعيَ به حتى ضُرب بالسياط، فقيل لمالك بعد ذل: إنّ الزُّهري قد أقيم للناس وعُلّقت كتبه في عنقه، فقال مال: قد ضُرب سعيد ابن المسيّب بالسياط وحُلق رأسه ولحيته، وضُرب أبو الزِّناد بالسياط، وضرب محمد بن المنكدر وأصحاب له في حَمّام بالسياط، قال: وقال عُمر بن عبد العزيز: لا تَغبطوا أحدًا لم يُصبه في هذا الأمر أذى، قال: وما كر مالك نفسه، قال: فأُعجب أحمدُ بقول الحارث.
قلت: وما زال الناس يُبتَلون في الله تعالى ويَصبرون، وقد كانت الأنبياء تُقتل، وأهل الخير في الأمم السالفة يُتلون ويُحرقون، ويُنشر أحدهم بالمنشار وهو ثابتٌ على دينه، ولولا كراهية التطويل لذكرتُ من ذلك بأسانيده ما يطول، غير أني أوثر الاختصار.
وقد سُمَّ نبينا ﷺ، وسُمَّ أبو بكر، وقُتل عُمر وعثمان وعلي، وسُمَّ الحسن، وقُتل الحُسين، وابنُ الزبير، والضَّحاك بن قيس، والنُّعمان بن بشير، وصُلِب خُبَيب بن عَدي، وقَتل الحجاجُ عبدَ الرحمن بن أبي لَيلى، وعبدَ الله بن غالب الحُدّاني، وسَعيد بن جُبير، وأبا البَخْتَري الطائي، وكُمَيل بن زياد، وحُطَيْطًا الزيّات، وماهان الحَنَفي صَلبه، وصلب قبله ابنَ الزبير، وقَتل الواثقُ أحمدَ بن نصر الخُزاعي وصَلبه.
[ ٤٦٢ ]
فأما من ضُرب من كِبار العلماءِ: فعبدُ الرحمن بن أبي ليلى، ضَربه الحجاج أربع مئة سَوط، ثم قتله.
سَعيد بن المسيّب، ضربه عبد الملك بن مروان مئة سوط، لأنه بعث ببيعة الوليد إلى المدينة فلم يُبايع سعيد، فكَتب أن يُضرب مئة سوط ويصب عليه جرة ماء في يومٍ شاتٍ، ويُلبس جُبة صوف، فَفُعل به ذلك.
خُبَيْب بن عبد الله بن الزبير، ضَربه عُمر بن عبد العزيز بأمر الوليد مئة سوط، ولك أنه حدث عن النبي ﷺ، أنه قال: "إذا بَلغ بَنو أبي العاص ثَلاثين رَجُلًا اتخذوا عبادَ الله خَولًا، ومالَ الله دولًا". فكانَ عمر إذا قيل له: أبشر، قال: كيف بخبيب على الطريق؟
أبو الزِّناد، ضَربه بنو أمية.
أبو عَمرو بن العَلاء، ضربه بنو أمية خمس مئة سوط.
رَبيعة الرَّأي، ضربه بنو أمية.
عَطية العَوْفي، ضَربه الححاج أربع مئة سوط.
يزيد الضَّبّي، ضربه الحجاج أربع مئة سوط.
ثابت البُنّاني، ضربه ابن الجارود خَليفة ابن زياد.
[ ٤٦٣ ]
عبد الله بن عَون، ضربه بِلال بن أبي بُردة سبعين سوطًا.
مالك بن أنس، ضربه المنصور سَبعين سوطًا في يَمين المكره، وكان مالك يقول: لا تُلزِمه اليَمين.
أبو السوّار العَدَوي، وعُقبةُ بن عبد الغافر، ضُربا بالسياط. ولأحمد بن حنبل في هؤلاءِ الأئمة أسوة.
[ ٤٦٤ ]
سياق ذكر جَعله المعتصم في حِلٍّ من ضَربه ومَن حَضر
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبي حاتم، قال: قال صالح بن أحمد: سمعتُ أبي يقول: لقد جَعلتُ الميّتَ في حِلٌّ من ضَربه إياي، ثم قال: مررتُ بهذه الآية ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، فنظرت في تفسيرها فإذا هو ما أخبرنا هاشم بن القاسم، قال: أخبرنا المبارك بن فَضَالة، قال: أخبرني مَن سمع الحسن يقول إذا كانَ يوم القيامة جَثت الأمم كلّها بين يدي الله عزَّ وجلَّن ثم نُودي أن لا يقوم لا من أجره على الله ﷿، قال: فَلا يقوم إلا من عَفا في الدنيا. قال أبي: فجعلتُ الميّتَ في حلٌّ من ضَربه إياي، وجَعل يقول: وما عَلى رجل أن لا يعذِّبَ اللهُ بسببه أحدًا؟
قال ابن أبي حاتم: وحدثنا أحمد بن سنان، قال: بلغني أن أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حل في يوم فَتح [عاصمة] بابك، أو في يوم
[ ٤٦٥ ]
فتح عَموريّة، فقال: هو في حل من ضربي أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر، قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أبو عبد اله الحسن بن عبد الله بن سقلاب، قال: حدثني عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قال لي أبي: وَجَّه إليّ الواثق أن أجعل المعتصم في حِل من ضَربه إياي، فقلت: ما خرجتُ من داره حتى جعلته في حل، وذكرتُ قول النبي ﷺ: "لا يَقومُ يَوم القيامةِ إلا مَنْ عَفا" فعفوتُ عنه.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط، قال: أخبرنا محمد بن أبي الفوارس، قال: أخبرنا
[ ٤٦٦ ]
أحمد بن جعفر بن سَلْم، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: قال لي أبو عبد الله: قد سألني إسحاق بن إبراهيم أن أجعلأبا إسحاق في حل، فقلت له: قد كنتُ جعلته في حل، ثم قال أبو عبد الله: تفكرتُ في الحديث: "إذا كان يوم القيامة نادى مُنادٍ: لا يقم إلا من عفا". وذكرتُ قول الشَّعْبي: إن تعف عنه مَرة يكن لك من الأجر مَرَّتين.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: حدثنا محمد بن أحمد الجارودي، قال: حدثنا الحسين بن علي بن جعفر، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أبو علي الحسين بن عبد الله الخِرَقِي- وقد رأى أحمد بن حنبل -قال: بت مع أحمد بن حنبل ليلةً؛ فلم أره ينام إلا يَبكي إلى أن أصبح، فقلت: أبا عبد الله، كثر بُكاؤك الليلة، فما السبب فقال لي: ذكرتُ ضرب المعتصم إياي ومرَّ بي في الدَّرس: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، فسجدت وأحللته من ضربي في السجود.
أنبأنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمر بن شاهين، قال: حدثني أبي، قال: سمعت عثمان بن عَبْدُويَه، يقول: سمعتُ إبراهيم الحربي، يقول: أحلَّ أحمد بن حنبل من حَضر ضربَه وكلَّ من شايع فيه والمعتصم، وقال: لولا أن ابن أبي دُؤاد داعية لأحللته.
قال عمر بن شاهين: وحدثنا أحمد بن خالد المُكْتِب، قال: سمعت أبا
[ ٤٦٧ ]
العباس بن واصل المقرئ يقول: قال لي فُوران: وجَّه إليّ أبو عبد الله أحمد بن حنبل في اللّيل فدعاني، فقال لي: كيف أخبرتني عن فَضْل الأنماطي قال: قلت: يا أبا عبد الله، قال لي فَضل: لا أجعل في حل من أمرَ بضربي حتى أقول: القرآن مخلوق، ولا من تولي الضرب، ولا من سَرَّه ممن حضر وغابَ من الجهميَّة، فقال لي أحمد بن حنبل: لكني جعلتُ المعتصم في حل ومن تَولّى ضربي ومن غابَ ومن حضر، وقلت: لا يُعذب فيَّ أحد. وذكرتُ حديثين يُرويان عن النبي ﷺ:"إن الله ﷿ ينشئُ قصورًا، فيرفع الناسُ رءوسهم، فيقولون: لمن هذه القصور ما أحسنها؟ فيقال: لمن أعطى ثمنها، قيل: وما ثمنها؟ قال: من عَفا عن أخيه المسلم" و"يأمر الله ﷿ بعقد لواءٍ فينادي منادٍ: ليقم تَحتَ هذا اللواء إلى الجَنة من له عند الله عَهد. فقال: بيِّن بيِّن من هو؟ قال: مَن عَفا عن أخيه المسلم".
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا محمد بن عبد الملك بن عبد القاهر، قال: أنبأنا عُبيد الله بن أحمد بن عثمان الصَّيرفي، قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد، أن أبا عَمرو بن السمّاك أخبرهم، قال: أخبرنا محمد بن سفيان بن هارون، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح، قال: سمعتُ عمي عبد الله بن أحمد، يقول: قرأت على أبي روح عن أشعث عن الحسن: "إن لله ﷿ بابًا في الجنة لا يدخله إلا من عَفا عن مَظْلَمة". فقال لي: يا بُني، ما خرجتُ من دار أبي إسحاق حتى أحللته ومن معه إلا رجلين، ابن أبي دؤاد وعبد الرحمن بن إسحاق فإنهما طلبا دمي، وأنا أهونُ على الله ﷿ من أن يعذب فيَّ أحدًا، أشهدك أنهما في حِل.
[ ٤٦٨ ]
سياق ذكر بقاء أثر الضرب عليه
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال نظر إلى أبي رجلُ ممن يُبصر الضرب والعلاج. فقال: قد رأيتُ من ضُرب ألف سوط ما رأيتُ ضربًا مثل هذا، لقد جُرَّ عليه من خلفه ومن قُدّامه، ثم أخذ ميلًا فأدخله في بعض تلك الجراحات فنر إليه، فقال: لم تُنْقَبُ، وجعل يأتيه ويعالجه، وقد كان أصاب وجهه غيرُ ضربةٍ، ومكث مُتكئًا على وجهه ما شاءَ الله. ثم قال: إن هاهنا شيئًا أريد أن أقطعه، فجاءَ بجديدة فجعل يُعَلِّق اللحمَ بها ويقْطعه بسكين معه، وهو صابر لذلك يَحمد الله ﷿ في ذلك، فبرأ منه. ولم يزل يتوجع من مواضع منه، وكان أثر الضرب بيِّنًا في ظهره إلى أن توفي ﵀. فسمعتُ أبي يقول: والله لقد أعطيتُ المجهودَ من نفسي، ولَوددتُ أن أنجو من هذا الأمر الذي أخاف كِفافًا لا علىَّ ولا لي.
قال ابن أبي حاتم: وسمعتُ أبي يقول: أتيتُ أحمد بن حنبل بعدما ضُرب بثلاث سنين أو نحوها. فقلت له: ذهبَ عنك أثر الضرب فأخَرج يده
[ ٤٦٩ ]
اليُسري على كوعه اليُمنى، وقال: هذا، كأنه يقول: خُلع، وأنه يجد منها ألَم ذلك.
وبلغني عن أبي الحُسين بن المنادي، قال: حدثني جدي، قال: لقيتُ أبا عبد الله بعد ما انكشف ذلك البلاءُ، فرأيتُ بين يديه مِجْمَرة فيها جَمر، يضع خرقة مَلفوفة في يده فَيُسخنها بالنار، ثم يجعلها على جنبه من الضرَّب الذي كان ضُرب، فالتفتَ إليّ، فقال: يا أبا جعفر، ما كان في القوم أرأف بي من المعتصم.
[ ٤٧٠ ]